جماعة "روح وقـوّة "                             دير الملاك جبرائيـل

  

الليل والقنديل

 

 بقلم: يوسف الرامي

 

تدور قصة أوبريت "الليل والقنديل" للأخوين رحباني وفيروز حول مشكلةٍ أساسية في حياة الإنسان،

هي التحدي بين النور والظلام، بين الخير والشر، بين الحق والباطل..

فتظهر "منتورة" بائعة القناديل، بطلة القصة، حامية النور.

ويبدو "هولو" قاطع الطرق، البطل السلبي في القصة، عاشق الظلام..

وهكذا يدور التحدي بينهما!

الجميع يحبّون منتورة لأنها توزّع النور، وحسب حاجة كل إنسان،

فلديها قناديل لا تنطفئ في وجه هبوب الريح،

وقناديل تُضيء رغم الضباب.. قناديل تحلم بنورها عيون الأطفال بمستقبل منير،

وللعشاق أيضاً قنديل، يُنير درب الحبّ دون أن يفضح أصحابه: "لا هوَّ بينشاف ولا هنن بينشافوا"!..

الأنواع كثيرة، والألوان متعددة،.. قناديل حسب الحاجة والطلب.

وعند منتورة تتجمّع غلاّت أهل الضيعة، فحامية النور تكون مركز الأمانة،

وصوتها العذب يجعلها صاحبة الاحتفال يوم توزيع الغلات في آخر الموسم.

يأتي "هولو"، إنسان العتم،

يأتي من الظلام ويرحل إلى الظلام، والظلام مهنته وعقيدته،

لقد زرع "قصة الخوف" في قلوب الجميع.

صدمة هولو الكبرى هي مشروع منتورة في صنع "قنديل كبير" يضيئ الطريق، ممر "ضهر الشير"،

ما يتعارض مع عمله في قطع الطريق على المسافرين.

مرّة!.. وبينما هولو هارب، تستقبله منتورة في خيمتها، خيمة النور، دون أن تعرفه،

فيختبئ عندها من وجه مطارديه من أهل الضيعة.

وهنا، في خيمة النور، يقع في قلبه حبّ منتورة!..

وتعلمون جيداً ما يصنع الحبّ!..

هل يبقى في صراع مع النور؟..

وبالتالي مع منتورة التي سرقت قلبه، وقد تعوّد كل حياته أن يكون هو السارق؟!..

هل يعقد معاهدة سلام مع النور فيبقى دون مهنة لكونه إنسان العتم؟..

وهكذا يبدأ التحدي عنده!..

منتورة بدورها، هي الأخرى تتعاطف مع هولو بعد أن تتعرّف عليه.

فلا تنظر إليه على أنه ظلام، بل تتعامل معه كإنسان رغم انخداعه بالظلام.

تحاول أن تميّز بينه وبين أعماله.

وتكشف عن "الخيط" الذي يمكن أن يجمع بينهما، بينما تحدّاها هو بالـ"حيط" (الحائط) الذي يفصل بينهما.

هي الأخرى تعيش التحدي!..

من سيدفع ثمن هذه الصداقة: هولو أم منتورة؟..

من سيربح: النور أم الظلام؟.. أم الإنسان- الحبّ؟!..

هناك شخصيات أخرى في القصة، لعل التعرّف عليها يمنحنا فهماً أوفر لها، ولننتبه لرمزية الأسماء:

نصري، هو حارس الضيعة، رجل الخبرة والمنطق،

صديق محب لمنتورة، كذلك نجمه، يحافظ عليها ويسهر لإرشادها،

يصالح العشاق المتخاصمين، ويغني للحبّ.

خاطر، صديق هولو في دروب الليل،

لا يؤمن بالحبّ لأنه يعتبره قيداً يشرد الإنسان ويجمده،

إنه من أبناء الضيعة وليس كهولو الغريب، لعله يمثّل الظلام الموجود في الداخل!..

ديبة، هي الاخرى تمثل الظلام داخل الضيعة،

كذلك زمرّد صديقتها، تكره كل عاشقين وتحاول الإيقاع بينهما،

أحبّت هولو يوماً، ولكن هل ينمو الحبّ في الظلام؟..

ينتهي صنع "القنديل الكبير" الذي "يضيء ممر ضهر الشير"،

حتى "الضايع والمسافر" يهتدي إلى الضيعة؛

ويثور هولو وخاطر عليه لأنه يسلب منهما مهنتهما في السلب.

والمشكلة أن لا أحد يستطيع تعليقه على القمة

لأنه توجد "تلّة عليانة فوقها السنديانة".. لا يصل لها النمر ولا الطير.

ويترك الأمر حتى يُدبرّه الله بحسب مشورة نصري الحارس.

يساوم خاطر هولو على تكسير "القنديل الكبير"،

ولكنّ هولو يرفض حتى لا تزعل منتورة،

فيقترح عليه سرقة "كيس الغلّة" الذي تجمع فيه منتورة غلال أهل الضيعة،

فيوافق، وهكذا يكون.

تشعر منتورة بالخيبة والخيانة:

"لا منتورة ولا يشعشع نورا.. بكرا منتورة حكاية مقهورة..

وقولوا هل الكلمة: يلي ضوّت عَ كل الناس ضاعت بالعتمة"...

وتتمنّى ألا تكون لعلها تعود فتصير "شوكة بغابة، شجرة بضبابة.. لا تحسّ ولا تتحسّر"!..

وهكذا تنوي الرحيل بعد أن تكشف ديبة لأهل الضيعة القصة وتتهم منتورة بالتواطؤ مع هولو،

فيلومها الجميع، أولئك الذين عظّموها عندما خدمتهم وهتفوا ما يشبه الـ"هوشعنا"،

والآن يصلبونها باتهاماتهم: "ما بقى عين، الليل عم يومي لي، رح أطفي قنديلي، وفل بهل الليل"...

فتطفئ قنديلها فتنطفئ جميع قناديل الضيعة التي صنعتها هي

وربطتها بسرّ قنديلها الذي تتركه دائم التوقُّد لأجلهم: "أنا نور العالم.. أنتم نور العالم.."

وتغرق الضيعة بالعتم: "ولمّا مات يسوع حدثت ظلمة عظيمة غطّت الأرض كلّها"!..،

يشاهد هولو هول العتم فيقرّر أن يعيد "كيس الغلّة" فيفعل!..

ويأخذ القنديل الكبير، الذي لم يستطع أحد أن يعلّقه في مكانه المناسب،

ويعلّقه هو في أعلى تلّة مناسبة فيشع النور.

ويرحل إلى العتم.

يعود خاطر إلى الضيعة ويزفُّ وصيّة هولو لمنتورة:

"يا منتورة ضلّي غنّي..

هولو: ضلّي غنّي.. بيجوز بشي ليلة يمرق خيال من بعيد،

يسمعلو شي غنيّة، ويكمّل دربو لبعيد، عَ حفاف الأرض المنسيّة"..

وهكذا، بالحبّ، يُهزم العتم.