جماعة "روح وقـوّة "                             دير الملاك جبرائيـل

  

كيف رخصنا من الحب لهذه الدرجة؟

يارا الحوراني

الحب، كلمة صغيرة لكنها شغلت العالم من بدء التكوين، فكل ما في الكون هو دلالة على الحب ونتيجة له: فخَلْق لله للعالم هو نتيجة للحب، خَلْقه للإنسان وجَعلِه أعلى المخلوقات دلالة على حبه الكامل للإنسان، خلق حواء حتى لا يبقى آدم وحيدا، تكاثُر المخلوقات، الورود بعطورها الفواحة وألوانها الزاهية، الطيور ببهائها وغنائها، الأسماك بروعتها وسحرها، الثمار، وما لا يعد ويحصى من هذه المخلوقات، حتى الجماد، الشمس بأشعتها الدافئة تثير الحب والسعادة في قلوبنا، القمر الذي ألهب قلوب العشاق على مدار السنين وما زال، هو دلالة ونتيجة لهذا الحب، فالحب، هو كان المحرك الرئيسي والأساسي لكل هذا، فلولا الحب لما كان كل هذا ولما كنا نحن أيضا هنا الآن، وكل ما هو غير ذلك، من ظلام ووحشة وخطيئة وظلم ليس من الحب، بل كل ما هو عكس ذلك، من كره وأنانية وحقد وغيره من مشاعر تحارب وتقتل الحب في القلوب والكون بأكمله.

(أحبك، أشتاق إليك، روحي فداك، لا أستطيع الاستغناء عنك... إلخ)، كلمات تداولها العشاق على مدى الزمن ومنذ عرفوا الحب ليعبروا فيها عن مدى وعمق حبهم وصدق هذا الحب، كان العاشق يبذل ذاته في سبيل سعادة المعشوق، ويقومان، بما يستطيعان ولا يستطيعان، ليكونا معا ولا يفترقا، وكم سمعنا من قصص خيالية وواقعية عن تفاني وإخلاص العاشق، وصدق حبه وكيف كان يعبر عنه بكل الطرق والوسائل ويعد حبيبه بالسعادة الأبدية، وأيضا حب الأهل والأبناء، حب الأصدقاء والأخوة، حب المخلوقات جميعا لبعضها، حتى هي تحن وتعبر عن حبها لمحبوبها وبطريقتها.

الله أيضا عبر عن هذا الحب، وهو صاحب الحب الكامل بدون أي نقص أو تشويه، أحب كل خليقته وصُنع يديه ورعاها، وأحبنا نحن بدرجة لا توصف، حيث خلقنا بأبهى صورة وسلّطنا على باقي المخلوقات، وجعل لنا رفيق درب يحبنا ويعتني بنا، وبلغ به الحب حيث أنه ضحى بنفسه، كما فعل العشاق على مر العصور حين تبلغ بهم درجة العشق أقصاها، وبذل نفسه من أجل محبوبيه ومات لينقذنا نحن من الموت، وحمل عنا خطايانا هو الذي لم يرتكب أي خطيئة، كل هذا في سبيل هذا الحب، وكل هذا يعلمنا كم هو غال وثمين ولا يقدر حتى بأي ثمن، فكان ثمن هذا الحب هو موت الرب (كلفه حياته وجسده الإنساني) ومن قبل كلفه نزوله من عليائه ومن عرشه السماوي لأقاصي الأرض ليعيش معنا، بقرب محبوبيه كما يفعل أي عاشق صادق بحبه الذي لا يُقاس، فهل لهذا الحب أي ثمن في العالم؟!

ونحن، ماذا فعلنا؟

رخصنا من هذا الحب، وأصبح الحب عند الكثيرين بلا قيمة، بل وسيلة رخيصة لنصل بها لمبتغانا،

الشاب يخدع الفتاة بحجة الحب ليحصل على مراده،

وبكل بساطة يختفي هذا الحب المزعوم، أو يصبح سلعة متداولة،

أعطني ما أريد أعطيك الحب وإن لم أحصل على مبتغاي لا حب لك،

وأيضا هناك فتيات فعلن نفس الشيء، وكيف أضعنا حب سنين وعشرة عمر في الطريق

عندما نواجه مصلحة تقتضي أن نضحي بهذا الحب

أو عند أي عقبة بسيطة لا تساوي شيئا من قيمة هذا الحب،

كما وأصبح هناك مسميات كثيرة تتبع الحب: حب المال، حب السلطة، حب الذات وغيرها،

وكل هذا ينطوي على خطايا وظلام وظلم للآخر،

فالحب من الله وكل ما عداه من الشيطان

ونحن بتركيبة عجيبة ربطنا ما هو إلهي بما هو شيطاني،

كيف استطعنا فعل ذلك بأيدينا وكيف طاوعتنا قلوبنا؟

كيف يخرج منك كلمة (أحبك) وأنت لا تعنيها؟

كيف تعبر عن اشتياقك بكل حرارة وبعد وقت قصير يختفي وتنطفئ نار الاشتياق وكأنها لم تكن؟

كيف تقول أنك مخلص لحبيبك وتخدعه بنفس الوقت؟

كيف تستطيع أن تقسو على من تحب،

سواء أهل أو أبناء أو أخ أو صديق وحتى حبيب، وتؤذيه وتبتعد عنه وتضمر له الشر وتحرمه منك؟

كيف أصبح الحب بهذا الرخص، لدرجة أنه لا يساوي عندنا شيء؟

وكل الكلمات التي كنا قديما نعتبر أن الكلمة هي عقد المتعاقدين،

أصبحت بلا قيمة (وما عليها جمرك) كما يقولون.

لا أعلم ولا أريد أن أعلم، فليس هناك مبرر لهذا

ولا أي حجة مقبولة لاستغلالنا الحب لمصاحلنا الشخصية الأنانية،

فبأيدينا أهناه وبأيدينا رخصنا من قيمته، وبواسطة هذا لم نعد نثق ببعضنا ولا بالحب،

لم نعد نصدق أي كلمة باسم الحب وأصبحنا بحاجة لضمانات ملموسة وأقوى

حيث لم يعد لهذه الكلمات أي قيمة،

وإن استمررنا على هذا الحال،

سنصل لتدمير عالمنا وكل ما هو جميل فيه بأيدينا نحن وليس بأيدي آخر.

فلنعد للحب، ولنعد للصدق،

ولنتأمل أولا بمحبة الله وما فعله من أجل هذا الحب،

ولنتأمل بحب الخليقة والمخلوقات،

لنقف وقفة صادقة تأملية مع ذواتنا أولا ومع من حولنا، ونعود للحب الصادق الطاهر المضحي.

"إذا أومت إليكم المحبة فاتبعوها، وان كانت مسالكها منحدره..

  إذا ضمتكم بجناحيها فأطيعوها، وان جرحكم السيف المستور بين ريشها..

  إذا المحـبّة خاطبتكم فصدقوها، وان عطل صوتها أحلامكم

  وبددها كما تجعل الريح الشمالية البستان قاعا صفصفا...

  ولا يخطر لك البتة انك تستطيع أن تتسلط على مسالك المحبة،

  لان المحبة إن رأت فيك استحقاقا لنعمتها، تتسلط هي على مسالكك..

  والمحبة لا رغبة لها إلا في أن تكمل نفسها..

  ولكن إذا أحببت.. وكان لابد من أن تكون لك رغبات خاصة بك،

  فلتكن هذه رغباتك:

  أن تذوب وتكون كجدول متدفق يشنق آذان الليل بأنغام..

  أن تخبر الآلام التي في العطف المتناهي..

  أن يجرحك إدراكك الحقيقي للمحبة في حبة قلبك، وان تنزف دماؤك وأنت راض مغتبط..

  أن تنهض عند الفجر بقلب مجنح خفوق، فتؤدي واجب الشكر ملتمساً يوم محبة آخر..

  أن تستريح عند الظهيرة وتناجي نفسك بوجد المحبة..

  أن تعود مساء إلى منزلك شاكراً:

  فتنام حينئذ والصلاة لأجل من أحببت تتردد في قلبك،

  وأنشودة الحمد والثناء مرتسمة على شفتيك".

                                          جبران خليل جبران