جماعة "روح وقـوّة "                             دير الملاك جبرائيـل

   تاملات في قلب يسوع

تأمل في رأفة قلب يسوع وتحننه على البشر

اقرن الرب يسوع بصفاته السنية ومزاياه العلوية حنوا تجاوز الحدود فقال : ان تنعمي بين بني البشر (امثال 8 : 31). اما وداعته فقد تفاقمت عذوبة حتى انها اثرت في قلوب اعدائه الالداء انفسهم ، فإنهم قدموا امامه امرأة زانية فلم يرذلها بل اخزى المشتكين عليها. فترك الخطأة ان يقتربوا منه لا بل خالطهم واراد ان يدعى محب العشارين والخطأة، بل من تشاهد منطرحا على قدميه المقدستين متخذا اياهما مأوى وملجأ؟ انك تشاهد المجدلية الخاطئة الشهرية التي غفر لها بفعل واحد من محبته كل ما ارتكبت من الاثام وسببت من الشكوك. فيا ايتها المجدلية السعيدة لست انت التي خطوت الخطوة الاولى نحو هذا المعلم الالهي، بل هو البادئ الذي قرع باب قلبك وتوقع ان تأتي وتنطرحي على قدميه وتغسليهما بدموعك وتمسحيهما بشعر رأسك، فقد غفر لك كثيرا لانك احببت كثيرا او بالاحرى لانه احبك كثيرا.

ابدى المسيح عنايته حتى بالاطفال وهم غير قادرين ان يعرفوه ، لكنهم انجذبوا اليه بمجرد وداعته، ولما اراد الرسل ان يطردوهم منعهم قائلا: (دعوا الصبيان يأتون الي) فباركهم واحتضنهم ولاطفهم، اذا تركهم ابواهم اعتنى هو بهم. فإن نسيت الام بنيها فهو لا ينساهم. افما رأيت كيف قبل الابن بنيها فهو لا ينساهم.افما رأيت كيف قبل الابن الشاطر الذي انطرح على قدميه وقال لابيه: (لست اهلا لان ادعى لك ابنا)؟ اما هو فبادر اليه وعانقه وضمه الى صدره والدموع تهطل من عينيه. وحالما اظهر علامات الندم اعاد اليه حقوق الوراثة والانعطاف الوالدي. جال هذا الراعي الصالح وهو يحسن وينعم فرأى حظيرته قد كثر مرضاها وثخنت جراحاتها وسكب عليها زيتا وخمرا وابراها. فتح عيون العميان وشفى.وماذا تقول عن كيفية سلوكه مع تلاميذه انفسهم؟ وبكم من الصبر الجميل احتملهم؟ فقد خانه يهوذا، اما هو فما زال يلقبه بإسم صاحب قائلا: يا صاحب ابهذا اتيت (متى 26 : 50) انكره بطرس فإلتفت اليه بلطف ودون ان يوبخه او يشكو منه، ابكاه بكاءا مرا. ونقول بإجمال: ان حياة المخلص لم تكن الا وداعة وحلما ومحبة للبشر.

خبر

في احدى ليالي اعياد الميلاد دخل القديس هيرونيمس الملفان العظيم في بيت لحم وشرع بتأمل سر ولادة مخلص العالم ، فظهر له بغتة يسوع الطفل محفوفا بأنوار بهية والقى عليه نظرات سماوية تشف عن رقة عجيبة لا يتجرأ اللسان البشري ان يصف سموها ، وجرت بينهما هذه المخاطبة المؤثرة وهي :

قال يسوع : الا يا هيرونيمس ، ماذا تعطيني في ميلادي؟

فقال هيرونيمس : ايها الطفل الالهي ها انذا اعطيك قلبي.

قال يسوع : حسنا ، لكن هب لي شيئا آخر.

قال هيرونيمس : اقدم اليك جميع صلواتي وعواطف قلبي المغرم بمحبتك المقدسة.

قال يسوع : حسنا ... حسنا

قال هيرونيمس : حسنا كل مالي وكل ما انا عليه اهبك نفسي بجملتها يا حبيبي

قال يسوع : اريد ان تعطيني شيئا آخر

قال هيرونيمس : لم يبقى لي شيء آخ يا الهي ، فتنازل وقل لي اي شيء تريد ان اقدم اليك.

قال يسوع : الا يا هيرونيمس اعطني خطاياك.

قال هيرونيمس : ماذا تروم يا الهي ان تفعل بها؟

قال يسوع : اعطني خطايات لاغفرها لك بكليتها.

قال هيرونيمس : آه ما الطفك با يسوع المحبوب ، فإسمح لي ان اسكب على قدميك عبرات التعزية والفرح.

فهاجت اذ ذاك عواطف الحب في قلب القديس هيجانا لا يوصف ولم يتمالك ان افاض الدموع الغزيرة.

تأمل في تواضع قلب يسوع الاقدس

ان التواضع يعده الناس جبانة ومسكنة ، وهو في حكم الله فضيلة سامية القدر ترفع الانسان الى اوج المجد والعظمة. ويؤيد كلامنا هذا روح القدس نفسه بقوله في كتابه المقدس: "من يضع نفسه يرتفع ومن يرفع نفسه يتضع" ( لو 14 : 11). وضعت مريم العذراء نفسها فرفعها الله الى اسمى منزلة في السماء وعلى الارض. ارتفعت مدينة كفرناحوم الى السمءا فهبطت الى الجحيم (لو 10 : 15). فالتواضع اذا مرقى الفضيلة والعظمة وسلم المجد الابدي. ولذا لما جاء ربنا يسوم الى عالمنا ليخلصنا جاءنا بطريق التوضع "فأخلى نفسه ووض1عها في سر التجسد مع انه كان صورة الله وشبيها له، فأخذ صورة عبد وصار في شبه الناس فوجد في الشكل مثل الانسان" (فيلبي 2 : 6 ? 7 )، ولم يشأ حياته كلها ان يتميز عن الانسان وهو ابن الله ورب الاجناد السماوية، بل احصى نفسه مع الخطأة فطلب معمودية التوبة من يوحنا وكان في تواضعه يخدم تلاميذه عوض ان يخدموه (متى 20 : 28)، بل انتهى في تواضعه الى غسل ارجلهم، فتعجب بطرس من هذا التواضع العميق فأبى ان يغسل له معلمه قدميه كما ابى يوحنا ان يعمده (يو 13 : 8).

هذا ما انتهى اليه تواضع ربنا يسوع، وبهذا التواضع قرب الانسان منه وعلمه طريق الرفعة الحقيقية وهي القداسة، فلا يرتفع انسان في القداسة الى بالتواضع على مثال قلب يسوع الاقدس.

خبر

كان للقديس فرنسيس الاسيزي (ايطاليا 1181 - 1226) راهب يدعى لاون اتخذه رفيقه في اسفاره وامين اسراره ومرشده الروحي. فذات شتاء قارس كان كلاهما يسيران من بيروجا الى كنيسة (سيدة الملائكة) وكان الاخ لاون يتقدم القديس فرنسيس غارقا في التأمل. فناداه القديس قائلا : "ايها الاخ لاون ليت جميع الاخوة الصغار يكونون للعالم كله قدوة صالحة، ولكن اعلم ايها العزيز ان ليس في ذلك الفرح الكامل". ثم قال بعد خطوات قليلة: "ايها الاخ لاون ، اذا طرد الاخوة الصغار الشياطين واطلقوا السنة البكم واقاموا الموتى، فليس في ذلك الفرح التام". وبعد مسافة قليلة اردف قائلا: "ايها الاخ لاون اذا عرف الاخوة الصغار كل اللغات والعلوم واعطوا موهبة النبوة وتمييز الارواح فليس في ذلك الفرح الكامل". وبعد خطوات اخر صاح قائلا: "ايها الاخ لاون، هب ان الاخوة قدروا بمواعظهم ان يهدوا الى الايمان المسيحي جميع الشعوب الوثنية، فإعلم مع ذلك ان ليس في ذلك الفرح التام". وفي الاخر سأله الاخ لاون متعهجبا وقائلا: "ايها الاب اسألك بإسم الله ان تقول لي على اي شيء يقوم اذا الفرح الكامل؟" اجابه القديس اذ ذاك قائلا: "اذا وصلنا الى الكنيسة مبلولين وجائعين ومرتجفين من البرد وطردنا البواب قائلا اذهبا من هنا انكما عبدان بطلان تخدعان الناس وتسرقان منهم الصدقات وتركنا الليل كله على الباب واحتملنا هذه الاهانة بسلام وصبر مفتكرين بأننا نعامل بحسب استحقاقنا وشاكرين الله ، فإعتقد ايها الاخ لاون ان في هذا اليوم يقوم الفرح الكامل لأن افخر العطايا والمواهب هي التألم بفرح حبا لله".

تأمل في وداعة قلب يسوع الاقدس

امتاز قلب يسوع الاقدس بفضيلة الوداعة، كما امتاز بفضيلة التواضع، ووداعته هذه كانت بادية على سيماء وجهه فجعلت القديس يوحنا المعمدان يشبهه من اول نظرة اليه بالحمل الوديع فقال عنه لتلاميذه: "هوذا حمل الله" (يو 1 : 36) بل هو ايضا نعت نفسه بهذا الاسم فقال: "وكنت انا كحمل وديع" (ارم 11 : 19). والمعروف ان الحمل اشد الحيوانات حلما ووداعة. كان يسوع حليما منذ حداثته، شاهده فتيان الناصرة فإفتتنوا برقة اخلاقه وعذوبة كلامه وسكون خاطره، بل وجدوا صحبته تنفي الحزن وتولي السلام فلم يدعوه الا بإسم العذوبة قائلين بعضهم لبعض: هلم نذهب الى العذوبة لنلقي الحزن من قلوبنا. ولما ظهر يسوم بين الناس ظهرت معه ساطعة عذوبته الفائقة الوصف فقال عنه احد الكتبة الورعين: عذبا كان صوت يسوع، عذبا وجهه، عذبا اسمه، عذبة جميع افعاله.

وفي الحقيقة ان كلمة واحدة لا غير هي (اتبعني) جذبت اليه جماعة رسله الصيادين ومتى العشار فتركوا للوقت كل شيء وتبعوه ، بل الجموع ايضا من كل جنس وصنف تبعوه لاحقين به في البراري القفرة ليسمعوا تعاليمه العذبة التي كانت تقطر كالعسل من فمه وتبهج جميع السامعين اليه. تعلقوا به تعلقا اشد من تعلق يوناتان بداؤد الملك، فتركوا بيوتهم وحقولهم ليكونوا مع يسوع لأن بيوتهم بدون يسوع كانت وحشة كالبراري ووحشة البراري مع يسوع تضحي بهجة عذبة وتتحول جنة غناء.

رأى يعقوب ويوحنا اخوه السامريين يهينون معلمها ويأبون قبوله في قريتهم فقالا له: يا رب أتريد ان نقول فتنزل نار السماء فتفنيهم؟ فالتفت اليهما ونهرهما قائلا: لستما تعرفان من اي روح انتما، لأن اين الانسان لم يأت ليهلك نفوس البشر بل ليخلص (لوقا 9 : 56). وفي الحقيقة كم من خطايا يفعلها الناس كل يوم بدون خوف وبلا مبالاة بإهانة الله. ومع ذلك نراه تعالى يفضل الرحمة على العقاب وينتظر توبتنا ليغفر لنا خطايانا. فالوداعة هي التي تحببا الى الناس كما ان الحدة تجعلنا مكروهين لديهم.

خبر

جاء في حياة القديسة جرترودة (1264 - 1334) انها قصدت ذات صباح قصدا لتنجزه في نهارها، غير انها عند المساء شاهدت انها خالفت قصدها ذاك سبع مرات، فخشيت ان تذهب لزيارة يسوع معلمها الالهي لتتكلم معه كعادتها.

فناداها يسوع وقال لها: ما سبب انسحابك عني يا جرترودة، وماذا جرى لك؟

اجابت جرترودة وجلة خجلة: يا رب ها انذا قد اهنتك سبع مرات في هذا النهار.

فقال لها يسوع هذا القول المملوء جودة وعذوبة: يا جرترودة اني انسى، اني اغفر، اني لا احسب.

 

اعداد رندة زيادة - www.4evergrace.org/TAMOLAT.htm