جماعة "روح وقـوّة "                             دير الملاك جبرائيـل

  

القدّيسة تريزيا الأفيلية

راهبة كرملية ، ملفانة الكنيسة

(1515-1582)

"إنّ الذي صنع الخارج أَلَم يَصنَع أَيضًا الداخل؟"

لو كنتُ قد أدركتُ فيما مضى، كما أَدركُ الآن،

أنّ ملكًا كبيرًا يسكن قصر روحي الصغير هذا،

يُخيَّلُ لي إنّني لم أَكن لأتركه وحده في أغلب الأَحيان.

على الأقلّ في بعض الأَحيان، كنت تصرّفتُ بانضباطٍ أَكبر في وجوده؛

وقبل كلّ شيء، كنت اهتمَمْتُ بأَن يكون قصره أقلّ قذارة.

يا للروعة!

إنّ الذي يملأ من عظمته آلاف العوالم، لا بل أكثر من ذلك،

قد حَبَسَ نَفْسه في منزلٍ صغيرٍ كهذا!

من جهة،

صحيح أنّ الربّ بكونه السّيد المطلق، يجلبُ معه الحريّة؛

وصحيح أيضًا من جهة أخرى أنّ الربّ، بسبب امتلائه حبًّا لنا،

جَعَلَ نفسه على مقياسنا.

إنّ الربّ،

لعلمه أنّ النفس المبتدئة يمكن أَن تضطرب عندما ترى ذاتها الصغيرة جدًّا

مُقَدّرة على احتواء هذه العظمة، لا يكشفُ عن ذاتِهِ على الفور،

ولكنّه يُوسّعُ تدريجيًّا قدرتَها على قياسِ عطاياه

التي يريد أَن يضعها في تلك النفس.

إنّ القدرة لديه على توسيع قصر نفسنا هذا،

يجعلني أقول أنّه يحملُ معه الحريّة.

والنقطة الحاسمة هي أن نقدّم له هبة مطلقة بأَن نفرغ ذاتنا تمامًا،

حتّى يتمكّن من أَن يملأها ويعيد إفراغها كما يريد، كما يحدث في منزل يملكه.

إنّ لربّنا الحقّ في أَن يريد أَن يكون الأمر هكذا، وبالتالي علينا ألاّ نرفض ذلك.

هو لا يريد أَن يَجبُر إرادتنا، بل يستقبل ما تُعطيه.

ولكنّه لا يقدّم لنا كلّ ذاته تمامًا إلاّ حين نعطيه نحن أنفسنا تمامًا.

إنّ الأمر مؤكّد، وإن كنت أكرّره عليكم في كثير من الأحيان، فذلك لأنّه مهمّ جدًّا.

طالما النفس ليست كلّها له ونظيفة ومطهّرة من كلّ شيء، فهو لا يعمل فيها.

بالإضافة إلى أنّني لا أَعلم كيف يمكنه العمل هو الذي يحبّ الترتيب الكامل.

إذا كنّا نملأ القصر بأناسٍ مبتذلين وبكلّ أنواع التفاهات،

كيف يستطيع الربّ أَن يجد له ولحاشيته مكانًا؟

إنّه لكثير أَن يقبل بأَن يتوقّف للحظات قليلة في خضمّ هذه الفوضى الكبيرة.

طريق الكمال، الفصل 28 Chemin de perfection