جماعة "روح وقـوّة "                             دير الملاك جبرائيـل

  

لمن يعرف كل شيء لا يجب أن يقال شيئا

من هو الإنسان العاقل، مهما كان بليدا أو غير مقدِّر للأمور،

إذا أراد أن يطلب شيئا من إنسان له شأنه ومكانته،

لا يفكِـّر أولا في نفسه ليرى كيف يخاطب ذلك الإنسان،

لينـال رضاه، فلا يزعجه بكلامه أو يثقل عليه؛

وماذا يطلب منه، وما هي حاجتـه إلى ما يطلـُبُ،

ولا سيّما إذا طلب شيئا ذا أهميّة، كما علمنا يسوع المسيح معلـّمنا الصالح أن نطلب؟

هذا في رأيي أوّل ما يجب أن ننتبه اليه.

ألم تقدِر، يا ربّ، أن تجمع كل شيء في كلمـة واحـدة فتعلمنا أن نقول:

أيها الآب، أعطنا كل ما هـو مفيد ونافع لنا، وكل ما هـو مرضيّ لديك؟

لأنه يبدوا لنا أنه يجب ألا يقال شيء، لمن يعرف كل شيء معرفة حسنة وكاملة.

نعم، كان ذلك كافيا لك، أيها الحكمة الأزلي.

ذلك كافٍ لك وللآب السماوي.

وهكذا كانت صلاتك أنت أمامه، في بستان الزيتون.

فقد وضعت أمامه هناك إرادتك وخوفك، وسلـّمت أمرك تسليما تاما لمشيئة الآب.

ولهذا كان من الضروري أن نسأل الامور بالبيان والتفصيل.

ومن ثم وجب أن نفكر في أنفسنا في ما هو نافع وغير ضار لنا في ما نطلبه،

فإذا لم يكن نافعا توقفنا عن طلبه.

وهذه طبيعتنا: إن لم نعط ما نطلب رفضنا ما نعطى (وذلك بسبب الحرية التي نملكها).

ولو كان الأمر البعيد عن بغيتنا أفضل الأمور وأسماها،

فإن لم نر المال في يدنا نقدا سريعا كاملا، فنحن لا نصدق أننا سنناله يوما ونغنى به.

يسوع الصالح يعلمنا أن نقول هذه الكلمات التي نطلب بها أن يأتينا هذا الملكوت:

" ليتقدس اسمك ليأتي ملكوتك ".

فكـّروا جيدا في حكمة معلمنا السامية!

من الضروري ان نفهم ماذا نطلب حين نطلب "أن يأتي ملكوت الله".

فقد رأى الله في جلاله أننا لا نقدر أن نقدس ونمجد اسم الآب الأزلي القدوس،

بالقليل الذي نملكه ونقدر عليه (أعني أننا لا نقدر أن نفعل ذلك بما هو لائق وواجب)،

ما لم يمنحنا ذلك الجلال الإلهي نفسه.

فهو نفسه يمنحنا ملكوته، ويسوع معلمنا الصالح يمنحنا أن نكون متحدين مترابطين.

ومن ثم، حتى نفهم ما نطلب، وبأي قدر من الحرارة والتواتر نطلبه،

وبما أننا لا نقدر أن نقدم شيئا من عندنا نرضي به الله، ونلقى قبولا لديه، وبه يمنحنا مواهبه..!!

أريد أن أفسّر وأن أبين لكم كيف أفهم أنا هذا الأمر.

الخير الأسمى الذي أراه في الملكوت السماوي وهو ما يلي:

لن ترى النفس في الملكوت السماوي أية قيمة لأي شيء من كل ما في الأرض وفي هذا العالم،

بل تجد هناك فرحا ناجما عن أن الجميع يفرحون، وسلاما دائما ورضا عظيما في النفس،

حين ترى أن جميع البشر المائتين يقدسون اسمه ويباركونه،

ولا يهينه أحد بخطيئة، وجميع الناس يحبونه.

بل والنفس لا تنشغل بأي شيء إلا بحبّه، لا تقدر إلا أن تحبّه بعد أن عرفته.

وهكذا نحبّه في هذا العالم.

سنحبّه إن عرفناه، أقلـّه، بصورة أسمى وأرفع مما نحبّه الآن،

ولو كان حبّنا غير كامل وغير بالغ الجوهر.

                                  " تريزيا الطفل يسوع "