جماعة "روح وقـوّة "     دير الملاك جبرائيـل

  

تأمل في المجوس

يرمز المجوس إلى البحث الدائم عن الحقيقة، عبر كل رموز الطبيعة التي تقود إلى الله،

وهل من حقيقة أكبر من حقيقة المسيح الذي هو "الطريق والحق والحياة" (يو 14: 6)؟

لقد تخطّى المجوس بيلاطس الذي كان يسأل عن الحق، فيما كان الحق أمامه،

ولم يكلفه أي جهد للبحث عنه، إذ أنه أتى إليه بوجه إنسان مظلوم، إنما له كل سلطان.

"سأل بيلاطس يسوع:" أنت إذن ملك؟

أجاب يسوع: أنت قلت. إني ملك.

واني لهذا ولدت، ولهذا جئت إلى العالم: أن اشهد للحق.

فكل من كان من أهل الحق يسمع صوتي" (يو 18: 37؛ راجع أيضا يو 19: 10).

فالمجوس إذن، هم أصحاب المنطق، أصحاب العلم، أصحاب السلطان والجاه،

ولم يكن شيء ينقصهم سوى الله الذي أتوا يبحثون عنه؛

ورغم كل الغنى المحيط بهم، كانوا يشعرون بأنهم فقراء.

لكن الله لا يترك خائفيه، بل يكلمهم كلا على طريقته:

فخاطب الرعاة بالملائكة والمجوس بالنجوم التي كانوا يراقبونها،

ولا بدّ أنهم اطّلعوا على نبوءة بلعام:

"يخرج كوكب من يعقوب ويقوم صولجان من إسرائيل" (عدد 24: 17).

هؤلاء، عندما ظهر لهم، فجأة، نجم غير طبيعي،

يسير بعكس اتجاه باقي النجوم؛

ويتوقف بشكل غريب في مكان معين.

"وإذا النجم الذي كانوا قد رأوه في المشرق يتقدّمهم

حتى جاء ووقف فوق الموضع الذي كان فيه الصبي" ( متى 2: 9)،

رأوا في هذا النجم غير الطبيعي في سيره، علامة لهم من السماء،

بل من الله خالق الكون.

وبالرغم من سعة علمهم ومعرفتهم كانوا يفتشون عن الله.

وتركوا بلادهم والجاه الذي كانوا فيه من أجله، وتبعوا النجم ليدلهم أين هو المسيح.

وتحدوا هيرودس:" أين المولود ملك اليهود؟

فإنّا قد رأينا نجمه في المشرق فوافينا لنسجد له" ( متى2: 2).

وركعوا أمام الحقيقة حيث وجدوها، فهم إذن شهود، حتى لو كلّفهم ذلك حياتهم.

فرجعوا من طريق أخرى إلى بلادهم (متى 2: 12)، وبشروا بالله.

فهم يرمزون إذن، إلى الآتين من البعيد من العالم الوثني

ليفتشوا عن النجم الموجود عندنا: أي عن الحقيقة.

فهم يسابقون المرأة الكنعانية التي قبلت بالفتات الذي يسقط من مائدة الأسياد (متى15: 27)؛

وهم الأمم الذين يأتون من المشارق والمغارب ليجلسوا في أحضان إبراهيم،

في حين يُطرح بنو الملكوت خارجا (متى8: 11)؛

وأصبحوا أيضا بإيمانهم أبناء لإبراهيم بحسب الجسد.

أنهم يرمزون إلى المتخلين عن كل شيء من أجل الحصول على الله.

وبالرغم من أنهم كانوا مرتاحين في بيوتهم وبلادهم،

فقد انطلقوا في المجهول، في رحلة تعرّضهم لشتى أنواع التعب والمشاكل.

فالبحث عن الرب يكلّف جهدا وتعبا.

و"من وضع يده على المحراث فلا ينظر إلى الوراء"(لو9: 62)، لأنه يهتم لأمر الله؛

وها هم ينسون وراءهم "مجوسيتهم" وغناهم وكل الجاه الذي كانوا فيه،

وبدأوا ينظرون إلى المسيح مولودا في المغارة.

لقد فضّلوا عار المسيح على غناهم وبحبوحتهم وجاههم،

ونافسوا الآباء وموسى (عب11: 25 26).

وركعوا أمام طفل المذود بدافع الإكرام والحب،

غير مهتمين للمظهر الذي تجسّد فيه الله،

اذ لم يتجسد كملك بل كطفل في مذود: انهم كانوا يفتشون عن الجوهر.

فحيث يكون الفرح إذن، هناك تكون المغارة.

وحيث تكون العذراء والتواضع، هناك يكون الميلاد.

وحيث يكون ميلاد، توجد طاعة الله.

وحيث يكون طاعة الله، هناك عيون شاخصة نحو السماء.

وحيث تكون عيون شاخصة نحو السماء،

هناك أناس يفتشون عن الحقيقة وينسون الأرض ليرتفعوا نحو الله.

فارتفعوا إذن، إلى حيث المسيح،

الذي قبل أن يجلس عن يمين الجلال في الأعالي،

قبل أن يولد في مذود، ليدخل منه إلى قلب كل إنسان.

لم يقل قاضي القضاة، الهمذاني:"عرش الله  قلب الإنسان".

www.rosary-cong.com