جماعة "روح وقـوّة "     دير الملاك جبرائيـل

  

أيها الملك السمائي المعزِّي...

هلُمَّ تفضَّل وحِل فينا

إن الإلحاح على تجديد وتقديس نفوسنا مصدره أعمق الاشتياقات والنوازع المباركة في الكيان الإنساني. والعالم من حولنا، والذي نحن نعيش فيه، هو أيضاً محتاجٌ إلى التجديد، والصرخات من أجل التجديد تتصاعد في كل مكان. ولأننا لا نرضَى بما نحن فيه، فلابد لنا أن نُغيِّر أنفسنا، وحينئذ نستطيع أن نُغيِّر ما حولنا. ولكن كيف؟

طريقان:

يوجد طريقان لطلب الروح لكي يقوم بعملية تجديد أرواحنا ما يؤدِّي إلى تقديسنا. فهناك مَن يطلب الروح القدس ويسأله أن يُعينه في كل حياته وجهاده، هذا طريق الذين يريدون أن يُغيِّروا من سلوكهم وأخلاقهم.

وهناك الطريق الآخر، وهو أن نترك كل شيء للروح القدس. فلا نعمل شيئاً بل فقط نُصلِّي ونترك كل شيء للروح القدس. وللأسف كِلاَ الطريقين غير ناجح.

والروح القدس مُلازِم للحرية: حيث روح الرب هناك حرية (2كو 3: 17)، فالروح القدس يَهُبُّ حيث يشاء (يو 3: 8). ولا يجب أن نشير عليه بما عليه أن يفعله. حقّاً لابد أن نجاهد ونسعى، كما ينبغي أن نفعل كل ما في وسعنا، ولكن حينما نصلِّي من أجل أن يأتي الروح القدس، فلابد أن نكون مستعدِّين لكل ما لا نتوقَّعه.

إن التقديس مرتبطٌ دائماً بعمل الروح القدس. فالروح القدس هو روح القداسة والتقديس. ولكن الطريقة التي تتحقق بها هذه القداسة وهذا التقديس تتنوَّع بحسب حياة كل واحد. ولكن السؤال الذي يلحُّ على الكثيرين: هل الروح يُجدِّد ويُغيِّر أشخاصاً مُعيَّنين فحسب، أم أن الروح ينسكب على كل جسدٍ (كما تنبَّأ بذلك يوئيل النبي)؟

جوهر القداسة والتقديس:

التقديس والقداسة تعني فرز إنسان أو شيء ليكون خصيصاً لله.

وجوهر القداسة يتطلَّب منا أن يتأصَّل فينا الإحساس بأنَّ كل ما هو موجود سواء كان أجسادنا، أو أذهاننا، أو العالم المادي... إلخ؛ إنما هو بطبيعته يخص الله. فنحن لا يمكن أن نمتلك أنفسنا ولا أجسادنا ولا حياتنا ولا منابع الحياة التي تُغذينا، إنها تخص الله. وأما نحن في هذا العالم فلسنا سوى أمناء على أنفسنا وعلى كل الخليقة، بل علينا أن نكون بمثابة كهنة الخليقة أي نُقدِّمها لله ونردَّها له، فهو مالكها الحقيقي.

إن مفهوم تقديم سرِّ الإفخارستيا لا يخرج عن هذا المفهوم: تقديمنا كل حياتنا والخليقة التي نعيش فيها لله. ونحن محتاجون جداً إلى تأصيل هذا المفهوم في حياتنا في هذه الأزمنة الصعبة التي نعيشها الآن، وما فيها من تعدٍّ على البيئة وإفسادها والتدخُّل السيئ فيها. هذه هي الروحانية التي كان يختبرها ويمارسها آباء البرية، ولكنها نُسِيَت الآن. لكننا لابد أن نسترجعها حالاً، الآن نحن نريد أن نتخلَّص من الاتجاهات المُدمِّرة للتمركز حول أنفسنا وأطماعنا البشرية.

التقديس والقداسة، وحياة الشركة:

كثيراً ما نظن أن القداسة والتقديس عمل فردي، باعتباره عملاً يُجدِّد حياة الإنسان ليصير في حدِّ ذاته قديساً، بالصورة التي يفهمها عامة الناس عن القديس، وأنه يتميَّز بعمل المعجزات الباهرة وبأفعال التواضع وإنكار الذات... إلخ.

لقد نسينا أنه حينما يهبُّ الروح القدس ويحلُّ فينا، فإنه دائماً يأتي ومعه حياة الشركة بين الأشخاص ليصيروا جسداً واحداً، وبالتالي يُكوِّنون الكنيسة.

ليس هناك قداسة فردية. كل قداسة تنبع من شركة الروح. وهذا ما يجعل الكنيسة مُقدَّسة، وفي نفس الوقت مُقدِّسة للأفراد بسرِّ حلول الروح القدس الذي يحلُّ على المؤمنين الذين أتوا ليُقدِّموا ذواتهم أولاً وقرابينهم التي هي رمز الخليقة التي يعيشون فيها، يُقدِّمونها لله، يرُدُّونها له، لأنه مالكها وملكها؛ فيُعيدها الله لهم حياة أبدية.

هناك مَثَل قديم أو شعار قديم منذ عصر الآباء الأوائل: مسيحي وحده ليس بمسيحي. وهذا بسبب الارتباط بين الروح القدس والشركة. وحينما يقول القديس كبريانوس أسقف قرطاجنة بشمال أفريقيا: ليس خلاص خارج الكنيسة، فعلينا أن نأخذ هذا القول بجدِّية وبفهم. فليس المقصود خارج سلطة الكنيسة، بل خارج شركة الجسد الواحد الذي هو الكنيسة. فلا يصحُّ أن نسعى إلى تجديد وإصلاح هيئاتنا الكنسية قبل أن نطلب روح القداسة والتقديس للمتولِّين عليها.

إن وحدة بنيان الكنيسة أي هيئة خدَّامها وشعبها ما نسميه الوحدة المنظورة لا يمكن أن تتحقَّق بمعزل عن قداسة أعضاء الكنيسة: خداماً ومخدومين. إنها مأساة حينما يتجاهل أعضاء في شركة وبنيان الكنيسة أعضاءً آخرين حينما يقومون بعملٍ ما يخصُّ الكنيسة ككلٍّ. وهذا يظهر كمأساة أصعب حينما تتجاهل كنائس قدِّيسي كنائس أخرى بسبب الانقسامات التي حدثت منذ مئات السنين.

القداسة ووحدة الكنيسة لا يمكن أن ينفصلا. والصلاة من أجل القداسة لا يصحُّ أن تُقدَّم ونحن لا نعمل من أجل الوحدة، بل ربما ونحن نعمل ضد الوحدة.

القداسة وحرية الروح:

أخيراً، القداسة تعني الحرية أو العتق: حيث روح الرب هناك حرية (2كو 3: 17). العتق يكون من استعباد شخص أو شيء؛ أما الحرية فهي التحرُّر من شخص أو من شيء. وكِلاَ التعبيرَيْن مرتبطان بعمل الروح القدس الذي هو الحرية.

وهذه بعض أشكال الحرية أو العتق:

1. أن نعتق أنفسنا من عدم المغفرة للآخرين، وهذا يتم عن طريق التوبة أو الميطانيا بمعنى تغيير الذهن، وهذا هو معنى الميطانيا وليس لها معنىً آخر. وقد كان يُمارسه الرهبان في أديرتهم، إذ يستسمح الراهب أخاه والذي أخطأ إليه قبل أن يخلد إلى قلايته آخر النهار.

 (قرأنا أن الروس الأتقياء أثناء الصوم الكبير يتوجَّهون بعد صلاة رفع بخور عشية إلى أقربائهم أو أصدقائهم في بيوتهم ليلة الأحد إذا كانوا قد أخطأوا أو أساءوا إليهم، ويؤدُّون الميطانيا على باب مسكنهم مستغفرين إيَّاهم حتى يتمكَّنوا من التناول صباح الأحد! يا للتقوى العملية)!

2. العتق من شهوات التمركُز حول الذات وذلك بـالنسك (الذي يعني ضبط النفس مـن أجل شفاء النفس).

3. التحرُّر من ظلم الناس، ومن الفقر، وكل الشرور الاجتماعية.

4. الحرية في أن نحب بدون قيود ولا حدود، حتى إلى حدِّ محبة أعدائنا والذين يؤذوننا ويُسيئون إلينا. بل إذا أمكن، بذل النفس من أجل الآخرين كما فعل ربنا وبذل ذاته على الصليب من أجلنا.

5. وأخيراً، التحرُّر من الفساد والموت. وهذا ما لابد أن نناله إذا عتقنا أنفسنا من الرذائل السابقة.

+ + +

ليتنا نطلب الروح القدس من أجل كل هذا، وفي إطار الشركة مع بعضنا البعض، والاعتراف ببعضنا البعض، وباحترام الروح القدس الذي في بعضنا البعض. +

مجلة مرقس الشهرية -  شهر يونيو 2008م    www.stmacariusmonastery.org