جماعة "روح وقـوّة "     دير الملاك جبرائيـل

 

اصرخ إلى الداخل

دع الأسد يرقد بجوار الحمل في داخلك

 هناك حمل وأسد في داخلك، والنضج يكمن في القدرة على جعل الحمل والأسد يرقدا جوار بعضهما. الأسد يمثل ذاتك الراشدة العنيفة. ذاتك التي تقوم بأخذ المبادرة وصنع القرارات. ولكن هناك أيضاً الحمل الخائف والضعيف، وهو هذا الجزء منك الذي يحتاج إلى الحنان والدعم والرعاية والتأييد.ا

حينما تنتبه فقط إلى الأسد فإنك تجد نفسك في صراع لا ينتهي وتشعر بالإنهاك بصورة مستمرة. وحين تراعي فقط الحمل فإنك بسهولة تصبح ضحية لاحتياجك إلى انتباه الآخرين. إن فن الحياة  هو أن تمسك بالكامل بكل من الأسد والحمل بداخلك. وهكذا يمكنك السلوك بثقة دون الوقوع في الإنكار لاحتياجاتك، كما يمكنك أن تطلب الحب والرعاية دون أن تنكر قدرتك على قيادة نفسك.ا

في مسيرة تعافيك أن تنمي اعتمادك على خالقك هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن تتخلى عن مسئولياتك. وهكذا أيضاً التمسك بذاتك الراشدة لا يعني بأي حال أن لا تصير أكثر فأكثر مستسلماً لله. في الحقيقة إن العكس هو الصحيح. فكلما شعرت بالأمان مع الله كطفل صغير كلما استطعت أن تحيا في العالم كإنسان مسئول. وكلما تمسكت بأن لك أهمية لمن حولك كلما صرت أكثر انفتاحاً لاستقبال تسديداً لأعمق احتياجاتك.ا

إن السلام الداخلي يبدأ حينما يمكن للأسد والحمل أن يرقدا جنباً إلى جنب داخلك بحرية ودون خوف

اعمل حول حفرتك العميقة

هناك حفرة عميقة بداخلك، في عمق كيانك، كما الهوة بلا قرار. لن تفلح أبداً في ملئها، لأن احتياجاتك لا تنفد أبداً. لا بد لك أن تعمل حول هذه الحفرة حتى تـُغلَق تدريجياً. حيث أن هذه الحفرة هائلة، وألمك عميق جداً، فسوف تكون دائماً مُجرباً بالهروب. هناك تطرفين عليك تجنب الوقوع في أحدهما: أن تـُمتص بالكامل في ألمك، أو أن تُلهى بأشياء كثيرة تبقيك بعيداً عن الجرح الذي تريد له الشفاء. ا

اصرخ إلى الداخل

هناك انفصام قد حدث بين الإلوهية والإنسانية في داخلك. ففي مركز الإلوهية الممنوحة داخلك أنت تعرف إرادة الله وطريقه ومحبته. ولكن إنسانيتك مفصولة عن ذلك. فاحتياجاتك الإنسانية العديدة للحب والسلوى والاهتمام تحي بمعزل عن المساحة الإلهية المقدسة داخلك. ودعوتك هي أن تجمع بين هذين الجزأين من ذاتك من جديد.

 يجب عليك الانتقال تدريجياً من البكاء خارجياً والصراخ إلى الناس الذين تظن أنه بإمكانهم أن يسددوا احتياجاتك، إلى الصراخ داخلياً إلى الموضع الذي فيه يمكنك أن ترى نفسك محمولاً ومسنوداً من الله.ا

قف منتصباً في حزنك

لسؤال هو: "هل تقدر أن تقف منتصباً وسط ألمك وخوفك ووحدتك واختبارك للرفض؟" إن الخطر يكمن في أن تـُطرح أرضاً من جراء تلك المشاعر. فتلك المشاعر سوف تظل موجودة لوقت ليس بقليل، وسوف تستمر في محاولة إغراقك. ولكن دعوتك هي أن تقر بوجود تلك المشاعر وتشعر بها بينما تظل واقفاً على قدميك.ا

تذكر أن مريم العذراء كانت واقفة تحت الصليب. لقد تحملت أحزانها واقفة. تذكر أيضاً أن يسوع حين تحدث عن الكوارث التي ستصيب الكون والظهور المجيد لأبن الإنسان قال لتلامذته: "ومتى ابتدأت هذه تكون فانتصبوا وارفعوا رؤوسكم لأن نجاتكم تقترب" (لو21: 28). تذكر حين شفى بطرس ويوحنا الأعرج الذي كان يتسول على باب الهيكل، قال له بطرس: "باسم يسوع المسيح الناصري قم وأمش" ثم أمسكه بيده اليمنى وساعده ليقف.ا

يجب أن تجرؤ على الوقوف منتصباً في وسط صراعاتك. أن التجربة والإغراء يكمنا في أنك تبدأ في الشكوى والاستجداء، والغرق في الرثاء للنفس الذي يعطيك الشعور بالرضا. ولكنك تعلم بالفعل أن ذلك لن يأتي لك بأعمق رغبات قلبك. ولكن طالما تظل واقفاً يمكنك أن تتكلم إلى الآخرين بحرية، وأن تصل إليهم وأيضاً تستقبل منهم. وهكذا يمكنك أن تتكلم وتتصرف من منطلق مركزك الداخلي، بل وأن تدعو الآخرين لكي يقوموا بالمثل. بهذه الطريقة تكون الصداقة الحقيقية ممكنة وتكون الجماعة الحقيقية ممكنة. فالله يمنحك القوة لكي تقف في وسط صراعاتك وتتجاوب معها واقفاً.ا

كأس الحياة، كأس الحزن

إن كأس الحياة هي كأس الفرح تماماً كما هي كأس الحزن. إنها الكأس التي لا يفترق بها أبداً الحزن والفرح، الحبور والسرور، النوح والابتهاج. إن لم يوجد الفرح حيثما يوجد الحزن فلا سبيل لنا أبداً لأن نشرب كأس الحياة. ولذا يجب علينا أن نمسك بالكأس بكلتا يدينا ونتطلع فيه ملياً كي ما نرى الأفراح مختبئة بداخل الأطراح. 

دع الآخرين يساعدونك أن تموت

أنت تخشى الموت بمفردك. إن ذكرياتك المختبئة العميقة عن ميلادك المليء بالخوف إنما تجعلك تشك في أن موتك لن يكون أقل خوفاً. أنت تحتاج أن تتأكد من أنك لن تتشبث بوجودك الحالي بل أنك سوف تمتلك الحرية الداخلية لأن تتخلى عن هذا الوجود الحالي وتثق بأن هناك شيئاً جديداً سوف يُعطى لك. أنت تعلم أنه لا يستطيع أن يساعدك على أن تربط هذه الحياة بالحياة الأخرى سوى شخصاً يحبك بحق.ا

ولكن ربما الموت الذي تخشاه ليس ببساطة هو الموت في نهاية حياتك الحاضرة. ربما الموت في نهاية حياتك لن يكون مخيفاً هكذا إن كان باستطاعتك أن تموت جيداً الآن. نعم أن الموت الحقيقي لابد وأن يحدث الآن، أي العبور من الزمن إلى الأبدية، من الجمال الزائل لهذا العالم إلى الجمال الدائم للعالم الآتي، من الظلمة إلى النور. وأنت لست مضطراً إلى عبور هذا الموت بمفردك.

إن الله قد أرسل أناساً ليكونوا على مقربة منك بينما أنت تتخلى تدريجياً عن العالم الذي يحتفظ بك في الأسر. لابد أن تثق بالكامل في محبتهم. عندئذ لن تشعر أبداً بأنك تماماً بمفردك. فبالرغم من أنه لا يمكن لأحد أن يقوم بهذا الموت نيابة عنك، إلا أنه يمكنك أن تقوم بعبور هذا الطريق بمفردك على ضوء معرفتك بأنك محاط بمحبة أمينة وأن هؤلاء الذين يدعونك تمر بهم سوف يكونوا هناك على الطرف الآخر لاستقبالك. بقدر ما تثق في محبة هؤلاء الذين أرسلهم الله إليك بقدر ما تكون قادراً على أن تخسر حياتك ومن ثم تربحها.

النجاح، والشهرة، والحب، وخطط المستقبل، والترفيه، والعمل المشبع، والصحة، والنشاط الفكري، والدعم العاطفي، نعم وحتى التحسن الروحي، لا يوجد شيئاً من هذه الأشياء يمكن التعلق به وكأنه أساسياً للحياة. فعندما تتخلى عن هذه الأشياء فقط يمكنك أن تكتشف الحرية الحقيقية التي يرغبها قلبك فوق كل شئ. وهذا هو الموت، أو الانتقال إلى الحياة التي تفوق الحياة. لابد وأن تصنع هذا العبور الآن، وليس بنهاية حياتك الأرضية

احمل صليبك

هذا هو ما يعنيه المسيح حين يسألك أن تحمل صليبك. فهو يشجعك على أن تدرك ألمك ومعاناتك الخاصة التي تميز حياتك وتعتنقهما واثقاً بأن طريقك نحو الخلاص إنما يكمن هناك. أن تحمل صليبك فإن هذا يعني في المقام الأول أن تصادق جراحك وأن تجعلها تكشف لك الحقيقة بشأنك. هناك ألم هائل ومعاناة هائلة في هذا العالم، ولكن أصعب ألم يتحمله الشخص هو ألمه الخاص. بمجرد أن تحمل صليبك سوف تتمكن من أن ترى بوضوح الصلبان التي يجب على الآخرين حملها، ولسوف تتمكن من أن تريهم الطريق نحو الفرح والسلام والحرية

4evergrace.org