جماعة "روح وقـوّة "     دير الملاك جبرائيـل

  

الله يكفيني

فرانكو بوفيلي

"كما يشتاق الأيل إلى مجاري المياه، هكذا تشتاق نفسي إليك يا ألله"

لتكن هذه الآية من المزمور(42: 1)

صورة لما يجب أن يكون عليه كل واحد منا

قبل بدء هذه الأيام المقدسة.

تعليم "آفيلا" المتين

تعليم القديسة تريزا الآفيلية ويوحنا الصليبي.

لقد أعلنتهما الكنيسة "معلمين"، وبالتالي متكلمَين رسميَين عن الحكمة الروحية

التي تتميز بها النفس التي سمحت لسر الله أن يخترقها في الأعماق.

وطريقهما لم يكن سهلا.

ولهذا نشعر أنهما قريبان منا.

فقد توقفا طويلا عند الخبرة الروحية التي منحهما الله إيّاها

وعانيا منها وفيها، وكثيرا ما شعرا بالضياع والتردد في طريقهما الروحي.

المهم أنهما كانا في حالة "إصغاء".

وقد أصبحت الصلاة- وهي خبرة لا مثيل لها في حياتهما-

الفسحة التي سمحت لنعمة الله أن تعمل فيهما من الداخل.

قيل أن "آفيلا" هي "عتبة الصمت"،

ونحن نضع أنفسنا على هذه العتبة ونصغي بصمت داخلي.

شهادات غنية

نريد أن نَقبل في ذواتنا الهبة الفريدة لشهادة كل من تريزا ويوحنا الصليبي،

وأن نتساءل حول خبرة الصلاة.

فنحن نعلم أن الصلاة بعد أساسي في حياة الإنسان المسيحي وفي حياة الكاهن.

وهذا البعد يكمن في إمكانية الحصول على "تذوق" خاص للحياة ونشره،

كما يكمن في الحرية والفرح في أن نقول: لمن نعيش، ولماذا نعيش.

نريد - بخبرة الصلاة أن نصل الى حرية إبراهيم في التعامل مع الله

حين تشفع أمامه من أجل سكان سدوم وعمورة (تكوين 18: 22- 33)،

وإلى شجاعة موسى الذي اقترب من العليقة المحترقة وهو يعرف أنه يطأ أرضا مقدسة (خر3: 1-6)،

وإلى رغبة الإنسان في أن يرى وجه الله (مزمور 42: 2)،

وإلى ثقة المتضرع الذي يصرخ "من الأعماق" إلى الله (مزمور 130: 1)،

وإلى عرفان جميل مريم التي تعظم الرب لأنه "نظر إلى تواضع أمته" (لوقا 1: 47- 48)،

وإلى غيرة بولس وحماسة الذي يجثو أمام الآب ليطلب أن "يتقوّى إخوته بروح الإنسان الباطن" (أفسس3: 14- 16)،

وإلى تعزية سمعان الشيخ وفرحه حيث يطلب من الرب أن يطلق عبده بسلام لأن عينيه أبصرتا خلاص الله (لو2: 29)،

ونستطيع الإستمرار إلى ما لا نهاية في الكلام عن شهود من الأمس واليوم،

رجال ونساء، متعلمين وبسطاء...

وكلهم عندهم ما يقولونه عن خبرتهم الرائعة في المثول وجها لوجه أمام الله في الصلاة.  

بين الرغبة والتعب

لنفكر في صلاتنا الخاصة.

كل منا يعرف تاريخ صلاته وأشكالها، والروح التي تحييها في الداخل، وأوقاتها المتواترة.

صلاتنا صلاة الراعي.

ما هي الشهادة االتي نعطيها عن صلاتنا؟

نحن لا نستطيع أن نجمع خيوط صلاتنا بسهولة.

فبقدر ما نرغب في اختبار الصلاة بعمق، بقدر ما نشعر أنها صلاة مضطربة وباردة.

نريدها كثيفة مولعة بحب الله، لكننا نختبرها جافة ومترددة.

نتكلم مع الآخرين - وبقناعة- عن ضرورتها،

لكننا كثيرا ما نكرس لها أوقات متقطعة نعيشها دون السلام الداخلي المطلوب.

"يا رب، علمنا أن نصلي" (لوقا 11: 1).

نريد هذا المساء أن نكرر هذا الدعاء بتواضع وانسحاق.

فنحن نقف في حضرة الله ونشعر بمسافة تفصلنا عنه.

وهذا سبب ألم وضياع لنا.

"هل أستطيع، يا رب، أن أقود غيري ما لم أعش بك

وما لم تجمعني بك علاقة حميمة، وما لم أتعلم أصرخ إليك نهارا وليلا"؟

ما بعد الاضطراب والخوف

نود أن "ننطلق من الله".

استعمل الكردينال مارتيني هذا التعبير في بدء تقديمه لكتاب السينودس الأبرشي لمدينة ميلانو.

نحن نريد - يقول الكاردينال أن نكرس حجنا هذا للكنيسة المحلية

في مسيرتها السينودية كي تعيش في حضرة الله.

وإن اتخذنا عبارة "الانطلاق من الله" في جو "آفيلا" الروحي

فهذا يعني أن نعطي لخبرتنا المسيحية دفعة وزخما خاصا.

"الانطلاق من الله" تعبير يفسر الأمثال الانجيلية لهذه الأيام.

فكلنا آتون من جوّ الاضطرابات والمعاناة التي تلاحقنا يوميا.

لكن هناك في هذا المساء ما يبعث الاطمئنان في قلوبنا.

"الله يكفي": هذه عبارة تسمح لنا أن نرى كل شيء في نور جديد

وأن نخرج من الاضطراب والتمزق.

وقد تركت لنا تريزا كلمات خالدة في هذا المجال، وجدت في كتاب صلاتها،

مكتوبة على ورقة كانت تستخدمها إشارة في القراءة.

ومن شدة تعلقها بهذه الكلمات وضعتها دائما نصب عينيها.

تقول هذه الورقة:

"لا يخيفنك شيء ولا يقلقنك شيء.

  الكل يذهب والله حده لا يتغير.

  الصبر يحصل على كل شيء.

  من يملك الله لا ينقصه شيء.

  الله يكفيه".

نريد أن نحفظ  هذه الكلمات،

وأن ننقشها في قلوبنا لتصبح نورا لطريقنا.

هكذا نستطيع أن نقول نحن أيضا مع صاحب المزامير:

" في سلام أضطجع وأنام

  لأنك، يا رب،

  في أمنٍ وطمأنينة تسكنني" (مزمور 4: 9).

 (عن كتاب "الله يكفيني"- منشورات المعهد اإكليريكي 1997)