جماعة "روح وقـوّة "                             دير الملاك جبرائيـل

  

قراءة تأمليّة في آباء الكنيسة: كيف السبيل إليك يا الله؟..

  بقلم: ريتا جحا

"إن ملكوت الله هو في داخلكم" (لوقا21:17)

لقد خلقنا الله وفينا جوعٌ أبديٌ له.. توق يدفعنا في هذه الحياة نحو المزيد والمزيد دون توقف،

نحو كمالٍ نريد أن نصل له ونسعى دوماً لذلك.. لكننا لا نصل!..

لأن قلبنا البشري قد أصيب بسهم الحب منذ البدء، مما جعله يتوق بكل خفقةٍ فيه لمن أصابه في أعماقه،

"هو القلب البشري الذي في البدء، أصابه عالم اللانهاية بسهم طعنه في الصميم،

ليس هناك من يقوى على شفائه من هذه الطعنة غير الذي سددها" (منسينيور دولست)..

فنفوسنا الشقية كيف لها أن تهدأ إن لم تصل لغاية وجودها كما يقول القديس اغسطينوس:

"أنت اللهم قد صنعتني لك، ولن يبرح قلبي عرضة للقلق والاضطراب حتى يستريح فيك".

ولكن في صخب العالم وما فيه، أين يمكن أن نبحث عن الله غاية وجودنا وحاجة نفوسنا؟

كيف هو السبيل لمن هو فوق كل شيء؟

فيكون الجواب الشافي عند الرب يسوع إذ يقول: "ملكوت الله هو في داخلكم"، فقد خلق قلب الإنسان الصغير الرحب الواسع كفاية ليحتوي الله نفسه، وبقدر ما يبدو سبيل الله بعيد إلا أن هذه الدرب ليست خارجة عنا كما يؤكد القديس اثناسيوس الاسكندري: "لكي نعرف هذه الطريق و ندركه لا نحتاج إلا إلى أنفسنا".

أما عند اوريجانوس المسيرة نحو الله والانخطاف فيه هما في الوقت نفسه مسيرة نحو أعماق كيانه الذاتي، ففي أعماق كياننا يمكن أن نكتشف صورة الخالق فينا، ولكن لاكتشاف هذه الصورة لابد من سعي جاهد في التأمل بأسرار المسيح ومعرفة الكتب والانفتاح على الروح، لأن الإنسان يحتاج لعون سماوي بعد أن ثقلت خطاه بسبب الخطيئة التي أخفت طابع الله فينا وذلك ليستطيع تلمس حقيقته وصورة الله فيه .

فالسبيل الحقيقي للقاء الله هو التحوّل إليه، بإعادة صورته المطبوعة فينا وهو أمر يتكلم عنه القديس غريغوريوس النيصي: "الله موجود في كل واحد منا مجهولاً وخفياً، ونجده عندما نتحول إليه".

فالرحلة إلى أعماق ذاتنا ستقودنا إلى الله الذي فينا ولكنها مسيرة لانهائية تبقى في صيرورة دائمة وتحتاج إلى نعمة المسيح المبررة كي يشع جمالنا الإلهي .

ومن العودة إلى ذاتنا نستطيع الانطلاق لتلمس الله واللقاء معه من خلال الكون وما فيه من أسرار، ومن خلال الإنسان الآخر، فتأمل جمالنا الخاص وجمال ما حولنا يعيدنا لتمجيد الخالق الذي أحبنا ودعانا للاتحاد به

و فرح اللقاء معه بعد رحلةٍ طويلة، يجعلنا نهتف له مع القديس غريغوريوس النزينزي:

                    كل موجود يصلي إليك

                     وإليك كل كائن يحسن قراءة عالمك

                     يرفع نشيد الصمت

                     كل ما يبقى يبقى فيك وحدك

                     إن حركة العالم تتدفق فيك

                     أنت غاية جميع الكائنات

                      أنت وحيد.