جماعة "روح وقـوّة "                             دير الملاك جبرائيـل

  

أيقونة الثالوث لروبليف

بقلم: الأب بسّام آشجي

 

إن موضوع الأيقونة مقتبس من الكتاب المقدّس ومن القراءة المسيحيّة لقصة إبراهيم أبي المؤمنين.

"يجلس إبراهيم تحت شجرة بلوط يستظل من حر شمس الظهيرة، وقد تعب في البحث عن مشيئة الله، والطاعة لها. وبينما يرتاح، يزوره الله (أنظر: تك18/1-21) .  لعل الله لا يزور الإنسان إلا في جلسة راحة بعد تعب!.. رفع إبراهيم طرفه في هذا النور الساطع، وإذا بثلاثة رجال وقوفاً أمامه، فسجد أمامهم حتى الأرض. وإن لم يكن يعرف هويتهم بعد، بادر للقائهم ودعاهم ليرتاحوا، وبدأ يخاطبهم تارةً بالمفرد، وتارة بصيغة الجمع. ها هو يستقبلهم بحسب قوانين الضيافة الدقيقة المعروفة آنذاك: من غسل الأرجل، وتقديم المآكل، وتحضير الخبز، إلى ما هنالك من حفاوة تليق بالضيف. ويبادر سريعاً ليُشرك سارة زوجته في حوار الاستقبال والضيافة".

"إن هذه القصة، لشدة عمقها ووفرة معانيها، قد أوحت للكثير من الرسامين في تاريخ الأيقونغرافيا الشرقية، الأولى محفوظة في مُتحف بيانكي في أثينا (نهاية القرن الرابع عشر)، والثانية بلغارية في المُتحف الإكليريكي في صوفيا (القرن السابع عشر). والثالثة في رواق ترتياكوف في موسكو (القرن السابع عشر).. تصوّر هذه الأيقونات: ثلاثة ملائكة جالسين يتحاورون حول مائدة حافلة بالأواني والمآكل، وحولهم إبراهيم وسارة يشاركانهم. أما التحفة الرائعة لها فهي أيقونة أندره روبليف الشهيرة، المعروفة باسم "أيقونة الثالوث". رُسمت هذه الأيقونة سنة 1425 وهي محفوظة الآن في رواق تيرياكوف بموسكو".  

لقد أخذ الرسام القديس قصة استقبال إبراهيم للملائكة الثلاثة كنقطة انطلاق للتعريف عن الثالوث، جرّد الحدث من تاريخيته وأعاده إلى أصله أي إلى الأزلية. لقد عرّى اللوحة من كل التفاصيل المألوفة وسما بالمنظر العام إلى أجواءٍ أثيرية سماوية رفيعة، ولم يبقَ إلا الكأس على المائدة وغصن شجرة ومظهراً جانبياً لهيكل، وبعض الصخور المنحنية. فردّ هكذا الثالوث إلى حقيقته قبل إنشاء العالم، محاولاً بكل تواضع أن يصوّر الحياة الإيقاعية ضمن الثالوث، وكأنه يتنشّق الهواء الأزلي ويلحن أنغام الحب المعبّر عنه في صميم الألوهة!

لننظر إلى الحركة العامة في الأيقونة. إنها حركة دائرية، تنطلق من القدم اليسرى لملاك اليمين فتمرّ بالرؤوس المنحنية للملائكة الثلاثة، لتعود وتلتقي مروراً بالقدم اليمنى لملاك اليسار. هذه الحركة الدائرية تجرُّ معها الكون فتحني الشجرة والصخرة الظاهرتين في خلفية الأيقونة، وكأنها تدعو الخليقة بأسرها إلى المشاركة في هذا الحبّ الثالوثي.

تبدو في الوسط المائدة مستطيلة، والمستطيل يرمز إلى الإنجيل ببشاراته الأربعة. ويظهر عليها أيضاً كأس الحَمَل الفادي. وكأن الإنجيل يلفُّ اللقاء، والإفخارستيا تغذيها.

المحور العمودي للأيقونة يمرّ بالشجرة، التي لم تعد بلوطة بل أصبحت شجرة الحياة. ولو تابعنا مدّ جزعها نجده يخترق المستطيل-الأرض، يروي ويُروى من كأس الحمل-الافخارستيا. وتبدو الشجرة، في الأعلى، كأنها صليب، تكوّن مع الدائرة التي هي بالأساس بنية الأيقونة وهيكلها. لقد شاهد الكثير من الآباء، في كتاباتهم كما في الليتورجيا، الصليب على أنه شجرة الحياة. فالصليب إذن في قلب "الثالوث"..

لنتأمل الأشخاص!..

الوجوه متشابهة.. رشاقةٌ واحدة.. هدوءٌ واحدٌ، وسلامٌ وصمت. الثلاثة يحملون عصا الرعاية والقدرة. الثلاثة يمدّون أيدي المبادرة.. الثلاثة يتبادلون النظرات فيما بينهم وكأنهم في حوار عميق بلغ أوجه بالصمت، وينظرون إلينا أيضاً وكأن "مائدتهم" ليست مغلقة.. الأجنحة ذات خطوط صافية، مذهّبة، مضاءة بالأزرق الحنون، تشعّ لمعان الأزل والأبد المتعانقين.. أي انسجامٍ وأية وحدة!..

لنتأمل الأشخاص بعمق أكبر!.. من تراه الآب.. أو الابن.. أو الروح القدس؟..

أهو الآب ذاك الجالس في الوسط، لأنه جالس في الوسط، وثوبه القرمزي يدل على كونه مصدر الألوهة، ووشاحه الأزرق الكثيف يعلن أنه الحب الكثيف؟..

أم أن الجالس في الوسط هو الابن، لأنه يجلس وسط شكل كأنه كأس الافخارستيا، وخلفه شجرة الحياة-الصليب؟.. أم أن الابن هو ملاك اليمين، لأنه متشح برداء لونه كلَون الأرض، وخلفه الهيكل رمز الكنيسة، التي تدخل قلب الثالوث. أم أن شفافيته تدل على أنه الروح القدس؟..

تنوعت التفاسير وتضاربت في تحديد هوية كل من الثلاثة، كما كانت في فكر الرسام القديس. كافة الاحتمالات ممكنة!.. ولكننا نختار تفسير بول إفدوكيموف.

الآب في الوسط، لأنه مصدر الألوهية ومنبعها، كما يقول الآباء الشرقيون. إنه في الوسط لأنه "محبة"، فالذي في الوسط لا يستطيع إلا أن يعيش "الشركة" مع من على يمينه وعلى يساره.

أما الجالس عن يمين الآب فهو الابن كما نقرأ في قانون الإيمان. ثيابه الترابية ليست كثيفة، تستطيع أن تشفّ الألوهة المعبر عنها باللون الأزرق الذي تميز به الراهب الفنان فتسمى باسمه (أزرق روبليف). الإنسانية في عمقها تشف مجد الألوهة. تمتد يد الآب إليه بانحناء ولطف، كأنه يفيض فيه ملء وحيه، لا بل يلده كلمة. فالآب في ذاته في صمت وسكون، إنه بالابن يتكلم، الابن كلمته، وبالروح يفعل.

الروح القدس جالس إلى يسار الآب، يحمل وجه الآب، نظرته كنظرة الآب متجهة نحو الابن. تنطلق منه الحركة الدائرية وعنده تنتهي. ثيابه زرقاء كوشاح الآب تعكس ألوهيته. رداؤه الأخضر يدل على الحياة والخصوبة، فهو الحي والمحيي، دائم الشباب والجدة. خلفه الصخرة المنحنية التي تدل على جبال تجليات الله كسيناء وثابور والعلية.. وهو أيضاً، كالآب والابن، يمد يده نحو كأس الحمل، حيث الفداء عمل الثلاثة. فالوجوه الثلاثة مع كل ما تحمل من سكون وسلام تبدو عليها مسحة من حزن الصليب، وكأن الله لا يجد نفسه إلا بمشاركة آلام البشر.

"الثالوث" إذاً في لقاء "التعدديّة والوحدة"!..
ماذا نتعلم من قراءة هذه الأيقونة؟
نتعلّم الحوار..
نتعلّم الوحدة والتعددية في آن.. الحب دون إلغاء أو ذوبان..
نتعلّم استضافة الله إلى مائدة حياتنا حيث ذبيحة الحمل-شجرة الحياة-الصليب..
نتعلّم الصمت بعد الحوار.. تبادل النظرات الهادئة..
نتعلّم المجانية في الأخذ والعطاء.. لا آخذ لأعطي ولا أعطي لآخذ..

نتعلم أن الافخارستيا تجمع حياة الحب في الله إلى الشركة مع حياتنا.. هناك، في حوار الثالوث، على مائدة الله، جهة رابعة، تلك التي تخصنا.. كما خصّت إبراهيم وسارة يوما ما، لما استضافا الله الثالوث في لقاء مجالستهما. هل أجلس في المكان الفارغ على مائدة الثالوث، في المكان الذي ينتظرني، مكاني، الرب بقربي وأنا بقربه (رؤ3/20)... وكأن البشرية كلها حاضرة فيّ إلى تلك المائدة؛ "نتعشى" معاً: الله-الثالوث وأنا-البشرية"!