شاب وسيم وقلب حزين

الأخت رانيا خوري- حلب

 

جوع وعطش من نوع آخر، هذا ما كان يختبره في عمق قلبه ذلك الشاب الذي التقيناه يوماً على الطريق إبان صعودنا إلى أورشليم.

كان اللقاء قصيراً لدرجة أننا لم نتمكن حتى من معرفة اسمه، أما الأبعاد الأخرى فقد أتت عميقة، إذ أوصلت من أراد أن يفهم إلى المعنى الحقيقي للحياة.

أتذكره جيداً، كان شاباً وسيماًً، لم تكن قد حنت أثقال الحياة بعد قامته المنتصبة، خطواته الأنيقة والإيماءات كانت تدل على نبل أصله. جبينه الواسع كان يبشر بالخير وابتسامته الطيبة جعلته قريباً من القلب، غير أن عيونه الحالمة فضحت سراً  لم تفطن إليه إلا عيون المعلم التي تحدق بحب فتسبر القلب و تكشف اللجج العميقة في الكيان...

يبدو أن صديقنا الوسيم حاول جاهداً في سنوات حياته السابقة أن يلهي جوع رغباته العميقة بإشباع حاجات زمنية، حاجات بدل أن تخدّر قلبه ألهبت فيه عطش حارق.

لم يكن يخشى ألم الجوع، فالأهراء ممتلئة بطيبات الأرض.

لم يخشَ البرد ولا العري، فخزائنه عامرة بالفاخر من الثياب.

لم يخشَ رفض الآخرين فلديه من يكفيه لينال حظوة في عيون الناس.

لم يخشَ حتى عذاب الضمير، فالبر الآتي من الشريعة هو الآخر على ما يرام، فالوصايا محفوظة عن ظهر قلب، والأعمال الصالحة تشهد له أينما ذهب!

ومع ذلك لم يفلح بسد النقص الذي كان يشعر به في أعماقه، فتوجه إلى يسوع يسأله عن طريقة تمكنه من إضافة الحياة الأبدية إلى قائمة أملاكه قائلاً: "يا معلم ماذا أفعل من صالح لأرث الحياة الأبدية؟" (متى19: 16) "ماذا ينقصني؟" (متى19: 20)

فحدق إليه يسوع فأحبه وباح له بالسر العظيم لينقله من الدوران في دوامة الأشياء الصالحة إلى الغوص في حب الصالح الأوحد.

وبلحظة حلوة مرّة، اكتشف الشاب على نور نظرة من حدق إليه فأحبه، هوية النقص القابع في أعماقه أنه نقص لا يسده سوى المطلق... والمطلق هو الصالح، والصالح هو الله. غير أن السبيل للامتلاء بالصالح هو ترك كل شيء للمزيد من الحرية والإتباع.

ذهلنا جميعاً أمام مهر الحب الذي طلبه المعلم من ذلك الشاب الغني، الوسيم، التقي، لقد قال له: "إذا أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبع أموالك وأعطها الفقراء، فيكون لك كنز في السماء وتعال، فاتبعني"! (متى19: 21)

حبسنا أنفاسنا وتسمرنا في أماكننا محدقين لئلا نفقد شيئاً من تفاصيل الحدث المثير... إلى أن أصبنا فجأة بالذهول الممزوج بخيبة الأمل فقد اختار ذلك الشاب نهاية حزينة للقائه مع الصالح! لقد مضى حزيناً وعاد إلى بيته بماله الوفير وبقلبه الحزين!

قد أنسى يوماً بعض التفاصيل، لكن... لن أنسى قط مرارة شعور المعلم وهو يرافق بعينيه شاباً رفض حبه العظيم من أجل مال وفير.

لقد شعر يسوع بجبروت خصم لعين ينافسه على قلوب المدعوين فأجال طرفه فينا معلناً: "الحق أقول لكم يعسر على الغني أن يدخل ملكوت السموات" لكنه عندما رأى دهشتنا وأصغى إلى تساؤلاتنا: "من تراه يقدر أن يخلص؟" (متى19: 25) وجه نظرنا إلى الصالح قائلاً: "أما الناس فهذا شيء يعجزهم، وأما الله فإنه على كل شيء قدير" (متى19: 26).

على فكرة لقد أومئ إلينا بالمزيد... كشف لنا بعض الأسرار تجدونها في (متى9: 27-30).

أجل، لقد وعدنا بالمائة ضعف، وهذا حقاً ما نختبره في كل حين!

[email protected]

 

مجموعة "روح وقـوّة"                                                                               ديـر المـلاك جـبــرائيـل