إيمان فتاة صغـيرة

 كان خليل في "الحادي عشر" من عمره، واليوم شديد البرودة؛ سار الصبي في شوارع المدينة ممسكا بيد شقيقته الصغيرة التي لم تتجاوز "الثامنة". واذا نظرت إليهما، دلتك ملابسهما على ما هم عليه من فقر مدقع. ومع ذلك فقد كانا أنيقين ومظهرهما العام يدل على تربية منزلية حسنة.

ولما دخلا بيتهما المتواضع في أحد الأزقة. قال صوت لطيف: "هذا انت يا ابني خليل، يا ولدي تعال الى هنا". دخل خليل واقترب من سرير أمه الطريحة الفراش، ثم أكملت حديثها قائلة: "ألم تنجح في الحصول على عمل"؟

لا يا والدتي، اذ لا يرغب أحد في استخدام صبي مثلي. وقد قطعنا انا واختي نعيمة شوارع المدينة بحثا عن عمل لكن بدون جدوى؛ ولم يبق أمامنا إلا ان نستعطي ونتسول او نهلك جوعا، لقد انتقلنا من مخزن الى آخر الى ان تعبنا؛  وأخيرا دخلنا أحد الكنائس وسمعنا الواعظ يقول: "ارم خبزك على وجه المياه" ! فقلت في نفسي: انه من الأفضل إعطاء الخبز لأناس فقراء نظيرنا لا ان نرميه على وجه الماء .

فقالت أمه موضحة له "انك لم تفهم يا خليل"! وهنا قاطعتها نعيمة الصغيرة قائلة "ماما... هل يعني ذلك ان الرغيف إذا رميناه في المياه يعود الينا رغيفا أكبر" .  

نعم يا عزيزتي؛ يعني ان الذي نعطيه للرب يرده لنا ثانية مئة ضعف. أما نعيمة فلم تقل شيئاً، لكنها كانت تفكر طوال بعد الظهر في كل ما سمعت. وفي المساء أعدّ خليل فنجانا من الشاي لأمه، وكان آخر ما عندهم. وبعد ان أكل كل منهم قطعة من الخبز، بقي لديهم كسرة صغيرة في الدولاب ولم يكن معهم نقودا. وبعد خروج خليل ذهبت نعيمة الى الدولاب وأخذت كسرة الخبز وخرجت، وكانت أمها نائمة.

لم تعرف نعيمة اين تجد المياه، فسألت سيدا مارّا بجانبها "من فضلك سيدي... أين يمكنني ان أجد مياها كثيرة؟" فأجاب: "هل تعنين النهر، يا عزيزتي؟"  قالت نعيمة: "نعم، يا  سيدي". لكن ما الذي يستدعي فتاة صغيرة مثلك للذهاب الى النهر في مثل هذا اليوم الشديد البرودة ؟ من الأفضل ان تذهبي الى منزلك؟! لا يا سيدي، يجب علي ان ارمي الخبز في المياه أولا، ليعود الينا أكثر! واستمرت في سيرها. أما السيد فبدافع حب الإستطلاع والفضول تبع الفتاة الصغيرة وسار وراءها على مسافة قصيرة.

وصلت نعيمة الى النهر، بينما السيد اختبأ وراء عمودا من خشب. ثم أخذت كسرة الخبز وصلّت قائلة: "أرجوك يا رب، هذا كل ما نملك من الخبز وليس لدينا غيره للفطور. فان كانت المئة القطعة التي ستردها ستطول مدتها، فارسل شيئا من النقود الى خليل ليشتري لنا خبزا. ارسل، يا رب، الى منزل نعيمة الزمار في حارة توما. لأجل خاطر يسوع. آمين". ثم رمت كسرة الخبز على المياه .

إذا قلنا ان الرجل تأثر تأثراً بالغاً، لما انصفنا عواطفه، فقد مسح الدموع عن عينيه، وتبع الصغيرة نعيمة وهي عائدة الى المنزل، حيث قابلت نعيمة شقيقها خليل وكان يبحث عنها حول المنزل. وبينما كانت بين ذراعي والدتها، أجابت نعيمة ردا على استفهام امها اين ذهبت، وختمت حديثها بقولها: " لما رايت، انه لم يكن في الدولاب الا قطعة صغيرة من الخبز، فكرت في الذهاب الى النهر لرميها فيه لكي يرد لنا الرب بعد برهة مئة ضعف".

تأثرت الوالدتها جدا وفاضت الدموع من مقلتيها على وجنتيها، ولم يسمح لها قلبها بتأنيب الفتاة لأجل ايمانها البسيط، مع علمها بأن الدولاب اصبح الآن فارغا وليس من يدبر خبزا لها للغد. قالت نعيمة "لا تبكي يا اماه، لا بد ان الله سيرسل لنا، لأن الواعظ قال ذلك في الكنيسة ".

وفيما كان خليل يشعل المصباح ليجلس بالقرب من السرير لقراءة المقطع اليومي من الكتاب المقدس قبل النوم، سمع قرعا على الباب! وقبل ان يذهب لفتح الباب، دخل البيت رجل ووضع سَـفـَطا كبيراً على الأرض ورسالة، وخرج بدون ان يفوه بكلمة واحدة، مما استغرب له الجميع. وخرج خليل للبحث عن الرجل، فلم يراه  او يجد له أثراً. نظر الى السّـفـَط وفحصه فرأى عليه بطاقة مكتوب عليها: "الى نعيمة الزمار، خبزها المرتد لها من المياه". ولما فتحوا السّـفـَط وجدوا خبزاً ودجاجة، وكمية كبيرة من اصناف البقول وكيسا من الدقيق. فتناول خليل الرسالة ووجدها معنونة باسمه "الى السيد خليل الزمار" لقد عينتكم مخازن حنا الأسدي وشركاه ساعياً للبريد الخاص بالشركة.

امتلأ ذلك البيت المتواضع بالشكر والحمد الحار لله في تلك الليلة، اما ذلك السيد المحسن الذي تبع نعيمة فقد جمع الإستعلامات الكافية عن العائلة من الجيران، وصمم في قلبه ان هذا الإيمان العظيم يجب ان لا يبقى بدون مجازاة.

والآن...  اصبح خليل على مرور السنين شريكا في الشركة. ووالدته استردت صحتها وتعافت.  وكلاهما ينسبان نجاحهما الى ايمان نعيمة الصغيرة، لأن "كل ما تطلبونه في الصلاة مؤمنين تنالونه (متى 22:21) 

مجموعة روح وقـوّة                                                                             ديـر المـلاك جبـرائيـل

 

 

1