"الفهـمان"

 

يروى، أن أحد الرجال الميسورين، عقد العزم على معرفة كل شيء حتى ولو اضطره ذلك أن يجول العالم كله. هذا ما قال وهذا ما فعل.

فانطلق يجول العالم، متخذا له أعظم الأساتذة، فتعلم عنهم الجغرافية والتاريخ وكل فروع العلوم، واكتشف قواعد التكوين، وتحمّس لعلوم الرياضيّات وتعلق في تحاليل المختبر. وحفظ كل ما تعلمه على أشرطة "فيديـو" واسـطوانـات "سي- دي"؛ وقـال: سـأعود إلى البيت راضيا وسـعيدا، "فأنا أعرف الآن كل شيء".

ولكن، بعد أيام، قام بزيارة لأحد الفقهاء المشهور عالميا بحكمته الفريدة؛ فرغب رجلنا أن يقابـل علمه بعلم الفقيه. فأجـريا القرعة لمعـرفة من سـيوجّه أولا سـؤاله، ووقعـت القرعـة على الفـقـيه العظيم.

 فسأل رجلنا: "ماذا يعرف عن الصداقة"؟

 في الحال غادر رجلنا، دون أن يردّ بكلمة على الفقيه، ولا يزال يطوف بالعالم..!

المحبّة والمودّة هي أمنية كل الوجود الأكثر عمقا والأكثر فهما،

فـَقـُل لمن تـُحـبّ:

       كم أنت هاما لي!

       فباسـتطاعتك أن تكون خالق للإنسان الذي أحمله، إذا شئت!

       وباستطاعتك، أنت وحدك، تحطيم الجدار الذي أرتجف خلفه خوفا...

       وباستطاعتك، أنت وحدك، رؤية ما خلف قناعي...

       أنت وحدك تستطيع تحريري من عالمي الخيالي المأساوي المرتاب والمنعزل...

       لذلك، أرجوك أن لا تـَعـبـُر عـنـّي...

       إنـّني أدرك، أن ذلك لـن يكون أمـرا سـهلا عليك...

       فالشـّعور بأنك لا شيء، يقيم جدارا رصينا...

       وكلما اقتربتَ مني أكثر، تصرفتُ ربما بشكل أعمى أكثر...

       أترى، يظهـر لي، أنني أقاوم ذلك الذي أنا بأمـس الحاجـة إلـيه!

       ولكنـّي سـمعت "أن الحبّ هو أجـبـر من أي جـِدار"

وعلى هذا أقيم رجائي الوحيد

إذن، هيّا حطـّم هذه الجدران بيديك الجبّارتين.. ولكن نحيفتين

لأن ما أملك منذ صغري، والأكثر رعشة فيّ،

لا يستطيع أن ينموَ خـلف جـدار!

أرجـو منك، إذن، أن لا تتوان...

أنا بحاجـة إليـك!

 

مجموعة "روح وقـوّة"                                                             ديـر المـلاك جـبــرائيـل