جماعة "روح وقـوّة "     دير الملاك جبرائيـل

  

المسيح يدعونا إلى ثورة

روحية لا إيديولوجية، حقيقية لا يوطوبية

عظة البابا بمناسبة عيد مريم أم الله واليوم العالمي للسلام

الإخوة الأجلاء،

السادة السفراء،

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء!

في اليوم الأول من العام، تجمعنا العناية الإلهية لاحتفال يؤثر فينا كل مرة لغنى وجمال دلالاته: يلتقي رأس السنة المدنية بملء ثمانية الميلاد، التي نحتفل فيها بأمومة مريم الإلهية، ويجد هذا اللقاء تأليفًا سعيدًا في اليوم العالمي للسلام. يسعدني، في ضوء ميلاد المسيح، أن أوجه لكل منكم أفضل تهاني للسنة التي بدأت لتوها. أوجه هذه التحيات بشكل خاص إلى الكاردينال ريناتو رافايلي مارتينو ولمعاونيه في المجلس الحبري "عدالة وسلام"، مرفقة بعرفاني الخاص لخدمتهم الثمينة. وفي الوقت عينه، أوجه تحياتي لأمين سر دولة حاضرة الفاتيكان، الكاردينال ترشيزيو برتوني، ولكل أمانة سر الدولة؛ كما وأوجه التحية القلبية إلى السادة السفراء الحاضرين اليوم بأعداد وافرة. وتشكل تهانيّ صدى لما قاله لنا الرب في ليتورجية الكلمة. كلمة تضحي، انطلاقًا من حدث بيت لحم، الذي يذكره إنجيل لوقا بواقعه التاريخي الملموس (2، 16 21)، ويقرأ فيه الرسول بولس كل أبعاده الخلاصية، تضحي بركة لشعب الله وللبشرية بأسرها.

يبلغ بهذا الشكل تقليد البركة العبري القديم إلى ملئه (عدد 6، 22 27): كان كهنة إسرائيل يباركون الشعب داعين لأجله باسم الرب. عبر صيغة مثلثة نجدها في القراءة الأولى كان يتم استدعاء الاسم القدوس لثلاث مرات على المؤمنين، عربونًا للنعمة والسلام. يحملنا هذا التقليد القديم إلى واقع جوهري: لا بد للبشر وللشعوب أن يستنيروا من "وجه" الله وأن يتباركوا بـ "اسمه" إذا ما أرادوا أن يسيروا في سبل السلام. وهذا ما حدث بالضبط وبشكل نهائي مع التجسد: لقد حمل مجيء ابن الله في جسدنا وفي تاريخنا بركة لا رجوع عنها، نورًا لا يمكن أن ينطفئ، يقدم إلى المؤمنين وإلى البشر ذوي الإرادة الصالحة إمكانية بناء حضار الحب والسلام.

لقد قال المجمع الفاتيكاني الثاني في هذا الصدد أنه "مع التجسد اتحد ابن الله  بشكل ما بكل إنسان" (فرح ورجاء، 22). لقد أتى هذا الاتحاد لكي يثبت المشروع الأساسي لبشرية مخلوقة على "صورة الله ومثاله". بالواقع، إن الكلمة المتجسد هو الصورة الوحيدة الكاملة والمساوية في الجوهر لله اللامنظور. يسوع المسيح هو الإنسان الكامل. يقول المجمع: "في المسيح، اعتنق الله الطبيعة البشرية... ولذا ارتفعت بنا هذه الطبيعة إلى مقام كرامة سامية" (المرجع نفسه). ولذا فتاريخ يسوع الأرضي، الذي بلغ ملأه في السر الفصحي، هو بدء عالم جديد، لأنه افتتح حقًا بشرية جديدة، قادرة، بفضل المسيح، أن تقوم بـ "ثورة" سلمية. ثورة روحية لا إيديولوجية، حقيقية لا يوطوبية، وبالتالي تحتاج إلى صبر لا محدود، وإلى أوقات ربما تكون طويلة جدًا، تتحاشى أية طريق مختصرة وتسير في الطريق الأصعب: طريق نضج الضمائر ومسؤوليتها.

أيها الأصدقاء الأعزاء، هذه هي طريق السلام الإنجيلية، الطريق التي يدعى أسقف روما أيضًا إلى المسير فيها بثبات كل مرة يضع يده على رسالة اليوم العالمي للسلام السنوية. عبر المسير في هذه الطريق يجب أن نعود أحيانًا إلى عناصر ومشاكل سبق وتطرقنا إليها، نظرًا لأهميتها التي تتطلب دومًا انتباهًا جديدًا. هذه هي الحال مع الموضوع الذي اخترته لرسالة هذا العام: "محاربة الفقر، بناء السلام". موضوع يحمل في طياته وجهين من الاعتبارات، يمكنني في هذا المقام أن أشير إليها بإيجاز فقط. من ناحية الفقر الذي اختاره وعرضه يسوع، ومن ناحية أخرى الفقر الذي يجب محاربته لجعل العالم أكثر عدالة وتضامنًا.

البعد الأول يجد إطاره المثالي في هذه الأيام، في زمن الميلاد. يكشف لنا ميلاد يسوع في بيت لحم أن الله اختار لذاته الفقر  في مجيئه في وسطنا. المشهد الذي كان الرعاة أول شهوده، والذي ثبت ما أعلنه لهم الملاك، هو ذلك الاسطبل الذي لجأ إليه يوسف ومريم، ومذود وضعت فيه مريم الوليد ملفوفًا بالأقمطة (راجع لو 2، 7 . 12 . 16). لقد اختار الله هذا الفقر. لقد أراد أن يولد هكذا ولكن يمكننا أن نضيف مباشرة: لقد أراد أن يعيش وأن يموت هكذا. لماذا؟ يشرح هذا الأمر بكلمات شعبية القديسُ ألفونس دي ليغوري في نشيد ميلادي يعرفه الجميع في إيطاليا: "أنت خالق الكون تفتقر إلى الملابس وإلى دفء النار، يا إلهي. أيها الطفل المختار، لَكَمّ يجعلني هذا الفقر أزداد تتيمًا بحبك، إذ جعلك الحب أكثر فقرًا". هذا هو الجواب: حب يسوع لنا دفعه ليس فقط لكي يصير إنسانًا، بل أيضًا لكي يضحي فقيرًا. في هذا الخط عينه يمكننا أن نستشهد بتعبير القديس بولس في الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس حيث يكتب: "تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح: فهو الغني، صار فقيرًا، لكي يغنينا بفقره" (8، 9).

النموذج المثالي لهذا الفقر المختار حبًا هو القديس فرنسيس الأسيزي. تشكل الفرنسيسكانية، في تاريخ الكنيسة وفي الحضارة المسيحية، تيارًا شائعًا من الفقر الإنجيلي، أتت بثمار خير كبير لصالح الكنيسة والبشرية، وما زالت. بالعودة إلى خلاصة القديس بولس الرائعة حول يسوع، من اللافت بالنسبة لتأملنا اليوم أنها تستلهم الرسول بينما يحض مسيحيي كورنثوس على أن يكونوا أسخياء في جمع الحسنات لأجل الفقراء. ويشرح: "لَيسَ المُرادُ أَن يَكونَ الآخَرونَ في يُسْرٍ وتَكونوا أَنتُم في عُسْر، بَلِ المُرادُ هو المُساواة" (8، 13).

وهذه نقطة حاسمة تنقلنا إلى البعد الثاني: هناك فقر، وهناك عوز لا يريده الله ويجب أن "نحاربه" كما يقول موضوع اليوم العالمي للسلام الحالي؛ فقر يمنع الأشخاص والعائلات من العيش بكرامة؛ فقر يؤذي العدالة والمساواة ويهدد التعايش السلمي. تدخل في هذا المفهوم السلبي أشكال الفقر غير المادي الذي نجده في المجتمعات الغنية والمتطورة: التهميش، البؤس العلائقي، والأدبي والروحي (راجع رسالة اليوم العالمي للسلام 2008، 2). لقد أردت في رسالتي مرة أخرى، على خطى أسلافي، أن أستعرض بانتباه ظاهرة العولمة المعقدة، لتقييم علاقتها مع الفقر في الإطار الواسع. أمام ظواهر متفشية مثل الأوبئة (المرجع نفسه، 4)، وفقر الأطفال (المرجع نفسه، 5) وأزمة التغذية (المرجع نفسه، 7)، اضطررت إلى الرجوع لاستنكار السباق غير المقبول إلى التسلح.

من ناحية، يجري الاحتفال بـ الشرعة العالمية لحقوق الإنسان، ومن ناحية أخرى تزداد النفقات العسكرية، مخترقة  شرعة الأمم المتحدة عينها، التي تلزم بتخفيضها إلى الحد الأدنى (راجع البند 26). علاوة على ذلك، تزيل العولمة بعض الحواجز، ولكن بامكانها أن تبني حواجز جديدة (رسالة اليوم العالمي للسلام 2008، 8)، لذا يترتب على الجماعة الدولية وعلى الدول المفردة أن تكون على أهبة اليقظة؛ يجب عليها ألا تشيح بطرفها عن أخطار النزاعات، بل أن تلتزم في إبقاء مستوى التعاضد عاليًا.

يجب النظر إلى الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية كمحك ومقياس: هل نحن مستعدون لاعتبارها، في تعقيدها، كتحد للمستقبل وليس فقط كحالة طارئة يجب أن نجد لها أجوبة على المدى القريب؟ هل نحن مستعدون أن نقوم بمراجعة عميقة لنموذج التطور الغالب، لكي نصححه بشكل مركز وبعيد النظر؟ بالحقيقة، أكثر من الصعوبات الاقتصادية المباشرة، تتطلب منا هذا الأمر حالةُ الصحة البيئية في كوكبنا، وخصوصًا، الأزمة الثقافية والأدبية، التي باتت عوارضه واضحة منذ زمن في كل أصقاع العالم.

لذا يجب السعي إلى تدعيم "حلقة فعالة" بين الفقر "الاختياري" و الفقر "الذي يجب محاربته". يتشرع هنا سبيل خصب الثمار لحاضر البشرية ولمستقبلها، ويمكننا أن نلخصه بهذا الشكل: لمحاربة الفقر الظالم الذي يضنك الكثير من الرجال والنساء ويهدد سلام الجميع، يجب أن نعيد اكتشاف الاتزان والتعاضد كقيم إنجيلية وفي الوقت عينه كقيم شاملة. عمليًا، لا يمكننا أن نحارب البؤس بشكل فعال إذا لم نطبق ما يكتبه القديس بولس إلى الكورنثيين، أي إذا لم نسع إلى المساواة، مخففين بذلك وطأة الهوة بين من يبذر النافل ومن ينقصه الضروري. الأمر الذي يتطلب خيارات عدل ورزانة، خيارات تتطلبها أيضًا ضرورة إدارة حكيمة لموارد الأرض المحدودة. عندما يقول بولس أن يسوع "أغنانا بفقره"، يقدم لنا إشارة هامة ليس فقط من الناحية اللاهوتية، بل أيضًا من الناحية الاجتماعية. ليس فقط بمعنى أن الفقر هو قيمة بحد ذاته، ولكن أيضًا لأنه شرط لتحقيق التعاضد. عندما يتجرد فرنسيس الأسيزي عن خيراته، يقوم بخيار شهادة أوحاها له الله مباشرة، ولكن في الوقت عينه يبين للجميع سبيل الثقة بالعناية الإلهية.

بالشكل عينه، وجه الفقر في الكنيسة هو التزام البعض، ولكنه يذكر الجميع بضرورة التجرد عن الخيرات المادية وأولية غنى الروح. هذه هي الرسالة التي يجب أن نتقبلها اليوم: فقر ولادة المسيح في بيت لحم، التي هي إضافة إلى كونها موضوع عبادة بالنسبة للمسيحيين، هي أيضًا مدرسة حياة لكل إنسان. تعلمنا أن السبيل لمحاربة الفقر المادي والروحي هو درب التعاضد، الذي دفع يسوع الى مقاسمة وضعنا الإنساني.

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، أعتقد أن العذراء مريم طرحت على نفسها أكثر من مرة هذا السؤال: لماذا أراد يسوع أن يولد من صبية بسيطة ووضيعة مثلي؟ ولماذا أراد أن يأتي إلى العالم في اسطبل وأن يكون أول مشهد يراه هو مشهد رعاة بيت لحم؟ لقد حصلت مريم على الجواب التام في الختام، بعد أن تم وضع جثمان يسوع المائت والملفوف بالكتان (راجع لو 23، 53). وعندها فهمت بالكامل سر فقر الله. فهمت أن الله صار فقيرًا لأجلنا، لكي يغنينا بفقره المفعم حبًا، ولكي يخضنا على كبح الطمع الذي لا يرتوي والذي يولد الصراعات والانقسامات، ولكي يدعونا إلى ضبط هوس التملك لكي نكون مستعدين إلى المشاركة والاستقبال المتبادل. إلى مريم، أم ابن الله الذي صار أخانا، نوجه صلاتنا الواثقة، لكي تساعدنا في اتباع إثر خطواته في محاربة الفقر والانتصار عليه، وفي بناء السلام الحق، الذي هو عمل العدالة. نوكل إليها التوق العميق للعيش بسلام الذي يرتفع من قلب القسم الأكبر من الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني، والذين يتعرضان مرة أخرى للعنف الطاحن الذي اندلع في قطاع غزة جوابًا على عنف آخر. حتى العنف، والكره وعدم الثقة هي أشكال من الفقر ولعلها أرهب أنواعها ويجب محاربتها. صلاتنا ألا تكون لها الكلمة الأخيرة!

بهذا الإطار، وفي هذه الأيام الحزينة، رفع رعاة تلك الكنائس صوتهم. معهم ومع مؤمنيهم الأعزاء، وخصوصًا في رعية غزة الصغيرة والمتقدة، نضع عند أقدام مريم قلقنا من الحاضر وخوفنا من المستقبل، وأيضًا الرجاء الراسخ أنه بفضل إسهام الجميع الحكيم والبعيد النظر، لن يكون الإصغاء المتبادل مستحيلاً وتقديم أجوبة ملموسة للتطلعات الرامية إلى العيش بسلام، بأمان وبكرامة. نقول لمريم: رافقينا، يا أم الفادي السماوية، على مدار هذا العام الذي يبدأ اليوم، ونالي لنا من لدن الله هبة السلام للأراضي المقدسة وللبشرية جمعاء. يا أم الله القديسة، تضرعي لأجلنا. آمين.

 

نقله من الإيطالية إلى العربية روبير شعيب الفاتيكان، 1 يناير 2009 (Zenit.org)

حقوق الطبع محفوظة لمكتبة النشر الفاتيكانية 2009