جماعة "روح وقـوّة "                             دير الملاك جبرائيـل

   روحانية الطفولة
"إنّ من لم يقبل ملكوت الله كمثل طفل لا يدخله"  (
مرقس15:10)

سيادة المطران يوحنّا جنبرت

  هناك تحديد أرباب اللاهوت: الله روح محض. وهناك تحديد الفلاسفة: هو العقل المدبّر والمحرك الأول لهذا الكون. وهناك تحديدات لا حصر لها،تمخّضت عنها عقول البشر، وأحياناً أوحتها شهواتهم وأنانيتهم. ولكن أجمل تحديد، قالته طفلة لها ملامح الملائكة وجمالهم وبراءتهم، سألوها:

- من هو الله؟

- هو بابا موجود في السماء!

- وكيف تتصورينه؟

- ذراعاه مفتوحتان وهو ينظر إليّ ويبتسم!

يقيناً، لا أجمل من هذا التحديد، ولا أصدق! وهذه الطفلة هي لسان حال كلّ مسيحي صادق. فالله هو أب حنون، وكأحسن ما يكون الأب مع طفلته التي يحبها ويدلّلها. وما علينا إلا أن نعامله، كما تعامل الطفلة والدها الذي تحبّه كلّ الحب: تستسلم لتدبيره بكلّ سذاجة وبراءة، وتفتّش دوماً عمّا يحلو في عينيه، وتبكي كنداً إن هو أظهر أقلّ استياء من تصرّفها.

 الطفولة في عُرْف الناس هي مرحلة تسبق عمر الشباب، وخلالها ينمو الإنسان نمواً كبيراً حيث ينتقل من الضعف والتبعيّة المطلقة إلى القوّة والعنفوان والاستقلالية والرغبة في ضبط أمور الحياة والتسلّط عليها مع اكتمال نموّه. وهي عاطفياً مرحلة، يكون فيها الإنسان منفتحاً كلّ الانفتاح على والديه وكلّ من حوله من الناس دون حساب أو ارتياب. وهي فكرياً مرحلة تقبّل واثق ومطاوعة ليس فيها شكّ. فالطفل يحبّ بلا تردد وينمو دون جهدٍ ويتعلّم دون عناء. وإنّ هذه المرحلة في حياة الإنسان هي مرحلة كلّها بساطة وبراءة وشفافية وصدق ونموّ، وليس غريباً أن يقول القائل:"خذوا الحقيقة من فم الأطفال". ولهذا السبب يرتاح الإنسان البالغ في تعاطيه مع الأطفال ويُسرّ ويُسعد لقربهم منه ورفقتهم.

وهذه المعطيات العاطفية والفيزيولوجيّة والفكرية الخاصة بالطفولة تنمّ عن صحة نفسية وسيكولوجية من شأنها أن تجعل من هذه الحالة الحياتية في مرتبة مرموقة في سلّم الرقي البشري ونموّ صورة الإنسان المنشودة، والتي لا يستطيع الشخص البالغ كائناً من كان أن يحققها ما لم يرجع إلى ذاته ليستنبط من داخله تلك الخِصال والمزايا التي يتحلّى بها الطفل. ولا نستغرب أن يكون المسيح قد أولى هذه القفزة إلى العمق جلّ اهتمامه، وأن يكون قد أرشد تلاميذه ومريديه من المؤمنين إلى التحلّي بنفسيّة الطفولة للبلوغ في الإيمان والتصوّف ومحبة الله والقريب حيث امتلاء القامة والخلاص في المسيح.

الطفولة في تعليم المسيح

 لا شكّ أن المسيح أولى الطفولة والأطفال اهتماماً كبيراً إبّان حياته بين الناس وفي فصول تعاليمه الإنجيلية. حيث كان يحيطهم باهتمامه ومحبته جاعلاً منهم عِبْرة لمن اعتبر من تبّاعه والمؤمنين به كافةً. وهو اعتبر روح الطفولة التي تتميّز بالبساطة والوداعة والصدق والحنان، قاعدة أساسية من قواعد بنيان الإنسان الجديد الذي ولِد منه كي يكون ابناً لله في الملكوت المسيحاني المعُتلَن مع القيامة. لا فرق بين النفس المستسلمة والنفس البسيطة، ونفسيّة الطفل الواثق بوالديه. فالنفس المستسلمة بكاملها لله لا تملك سوى نظرٍ واحدٍ تثبّته في الله. إنها لا تملك سوى حركة واحدة توجّهها في كلّ أعمالها نحو الله وتثبّتها فيه، دون أن تعود فتنزلها نحو ذاتها. إنه لمدّ دائم نحو المحيط الإلهي لا يعقبه جَزْر البتّة.

البساطة تُبعد بطبيعتها كلّ تفكير. ويرى المتصوّفون أنّ النفس المستسلمة لله لا تفكر بذاتها ولا بأعمالها الصالحة ولا بنقاوة سيرتها ولا بالاستحقاقات التي تكدّسها بلا انقطاع.إنها لا تتساءل عمّا يفكر بشأنها الآخرون. ولا تسعى لإشغال الآخرين بشخصها وأعمالها، ولا بنقائصها وهفواتها. إنها لا تتوق إلى أن تحبّ ولا إلى أن تكون محبوبة على الأرض، فهذا فعل امتلاك لا يحقّ لها. وهي لا تطلب لذاتها الرضى والحظوة حتّى ولا عطف أيّ إنسان، لأنها لا تستطيع أن تدّعي شيئاً ما دام أنّها ليست بشيء. النفس المستسلمة ليسوع تحبّ معلّمها الإلهي بحرارة وتُظهر له هذه المحبة بمختلف الطرق. وتجد في كلّ حين طرقاً جديدة لتُرضي يسوع لأنّ المحبة خلاّقة الأساليب. لكنّ هذه المحبة هي أيضاً بسيطة ولا تنكمش على ذاتها. النفس البسيطة لا تسأل يسوع أبداً عن دوافع تصرّفه نحوها لأنها كالطين في يد الخزّاف ترى الأشكال التي يعطيها لها يسوع غريبة وغير مُدرَكة.ولكن هل يستطيع الإناء أن يقول لصانعه لمَ صنعتني على هذا الشكل؟

ولا مجال للشكّ في أنّ المسيح الذي كان يدعو الله الآب "أبي"، وقد علّمنا أن نتوجّه إليه على أنه أب، كما في الصلاة الربّية وفي مواضع أخرى متعددة، أراد أن يضعنا على طريق العلاقة البنويّة بالله هذه، ونحن نجدها في غير موضع ومقال من الإنجيل وكأنها روحانية مسيحيّة أراد أن يكرّسها للمؤمنين .

الاستسلام إلى الرب

كيف تنسى النفس البسيطة ذاتها في كلّ شيء؟ إنّ النفس التي نسيت ذاتها كالطفل في حضن أمّه، أو الولد الذي يمسك بيد أبيه ، تسكن في أعماق الله. وحياتها، في بساطتها، مليئة بالعجائب، لكنها متوارية عن أنظار الإنسان العامّي. ولنا في هذه الصلاة للأخ شارل يسوع (دي فوكو) أجمل تعبير عن هذا المنحى الروحي البنوي:

أبـتِ

إني أسلّم لك ذاتي، فافعل بي ما تشاء.  

ومهما فعلت بي، فأنا شاكرٌ لك.
 إني مستعدٌّ لكل شيء، وأرتضي بكلّ شيء.
ليس لي رغبة أخرى
، يا إلهي، سوى أن تكمل إرادتك فيّ وفي سائر خلائقك.
إني أستودع روحي بين يديك، وأهبها لك
، يا إلهي
بكلّ ما في قلبي من الحبّ
، لأني أحبّك
 ولأن الحب يتطلب مني أن أهب ذاتي، أن أودعها بين يديك، من دون قياس
وبثقة لا حدّ لها
. . . لأنك أبي.

وفي هذا السياق أيضاً نرى أن ما كتبته الأم أوجيني إليزابيت رفازيو، إحدى النفوس المتألقة مع الرب، وقد رقدت عام 1990، التي انتهجت روحانية الطفولة كثقة الطفل بوالده، يأتي في إطار ما أحبّ الرب أن يعلّمنا بهذا الخصوص.

الله أبـي

يا أبتاه، ربّ السماوات، ما أعذب وأحلى على قلبي أن أعرف أنّك أنت أبي وأنا ابنتك!

لاسيما عندما تلتحف سماء نفسي بالسواد ويزداد ثقل صليبي،

أشعر بحاجة ملحّة لأقول لك أبي، أؤمن بمحبتك لي.

أؤمن بأنك تسهر ليلاً ونهاراً عليّ، ولا تسقط شعرة من رأسي بدون إرادتك!
بما أنك كلّي الحكمة، أؤمن بأنك تعرف جيداً أكثر مني ما ينفعني.
أؤمن، فزد إيماني، لاسيّما رجائي ومحبتي.
علمني أن أرى جيداً حبك يقود كل أحداث حياتي.
علمني أن أستسلم لقيادتك على نحو طفلٍ بين ذراعي أمّه.
يا أبتاه، بما أنك تريد أن نطلب منك كلّ ما نحتاج إليه،

جئتك بكلّ ثقةٍ أطلب منك مع يسوع ومريم، أن تهبني أنوار روحك وقوّته ونعمته.
ثبتني في هذا الروح القدّوس كي لا أفقده أبداً ولا أُحزنه ولا أُضعفه فيّ.
كن أبي العطوف واحمني أينما كنت كحدقة عينيك،

لأكون على الدوام ابنتك(ابنك) الخليقة بك، وارحمني!

أحبّاء المسيح

وإن كنّا نعرف القليل عن طفولة يسوع إلا أنه أعلن مراراً وتكراراً ضرورة إفساح المجال للأطفال كي يكونوا المقرّبين إليه، كما أنه أشار بالإصبع إلى أولئك الذين يتحلّون بروح الطفولة وأثنى عليهم داعياً الجميع إلى التشبّه بهم. وسوف نمرّ بسرعة على عدد من المواقف الإنجيلية التي تبيّن لنا بعض أوجه تعليم يسوع بهذا الخصوص. في إنجيل متى نرى يسوع يزجر التلاميذ الذين تصوّروا أنهم يسهّلون على يسوع ويريحونه بإبعادهم الأولاد عنه، حيث قال لهم:"دعوا هؤلاء الأولاد، لا تمنعوهم أن يأتوا إليّ. فإنّ لمثل هؤلاء ملكوت السماوات"(14:19)، ثم أراد أن يجعلهم مثالاً للبالغين المعتدّين بذاتهم فأردف قائلاً:"الحقّ أقول لكم: إنّ من لم يقبل ملكوت الله كمثل طفل فلا يدخله"(15:19)، وزيادةً في الاعتبار ولمزيد من التكريم والرعاية لهم يقول لنا الإنجيلي مرقس أنّه قبّلهم وباركهم واضعاً يديه عليهم (16:19). وفي موضع آخر نراه يقول لمن حوله "إنّ من قبل ولداً مثل هذا فإياي يقبل"(متى 5:18)، واضعاً إياهم في مرتبة مرموقة في الأخلاق المسيحية والتقوى. وهو يعتبر أنّ حالة البراءة والإيمان التي يتميّزون بها هي عزيزة على قلبه جداً وهي حقٌ لهم يجب أن يُصان ولا يُسلب منهم، وقد حذّر الجميع بوضوح من مغبّة التعدّي على قدسيّة انتمائهم إليه بقوله:"من عثّر أحد هؤلاء الصغار المؤمنين بي فحري به أن تعلّق في عنقه رحى حمار ويُقذف في لُجّة البحر"(6:18). ولا يخفى على المدقق أنّ هذا الإعلان هو بمثابة تكريس للإيمان الواثق الذي لا ينتابه شكّ الكبار واعتبار الانتماء المسيحي الذي يتميّز بوفاء الطفولة ومحبة الناشئين.

كالأطفال ببساطتهم وصدقهم

من هذا المنطلق نستطيع أن نبني ثقافة روحية قائمة على الطفولة وما تتميّز به هذه المرحلة من حياة الإنسان من صفات وخصال بنّاءة للوئام والمحبة والسلام في حياة المجتمع الإنساني في كلّ مكان وزمان. وسوف نستعرض بعض أوجه هذه البساطة الطفولية التي أحبّها يسوع وطريقة تعامله مع المُقبلين إليه من أبناء زمانه. ثم نستعرض فيما بعد بعض الوجوه المؤمنة المقرّبة من الرب عبر تاريخ الكنيسة.

1- مريم العذراء ، أولى الذين اختارهم الرب لعهده الجديد. كانت فتاة طاهرة في قلبها وذهنها وشخصيتها، وضعت ذاتها بين يدي الرب واستقبلته بثقة مطلقة لا تعرف الشك، وسخاء لا يعرف الحسابات البشرية الضيّقة التي تعرقل الانصياع الكلّي لمشيئته تعالى وتعيق عمل عنايته الإلهية في النفوس. فكان لها أن رفعها الخالق فوق كلّ الخلق وأصبحت بذلك حوّاء الجديدة، أمّ ابنه الحبيب الذي فيه كلّ مرضاته والذي منه انبثقت ذريّة الملقبين باسمه من شعب بيت آل الله.

 2- يوسف ، الذي تميّز ببراءة الطفولة وتقبّل دعوة سرّ ولادة خطيبته العجيب الغريب، واثقاً بالرب وبالقدرة الإلهية دون نقاش أو تحفّظ. ثمّ عاش حياته إلى جانب يسوع ومريم بعطاء محبّ يرعاهم ويخدمهم ببساطة العبد الأمين وعفّة الأطفال.

3- في حادث شفاء الفتى الأعمى ندرك ثقة هذا الولد بيسوع الذي فتح عينيه وإيمانه الذي يرتكز على تعلّقه بمخلّصه بعيداً عن كلّ الحسابات البشرية وتقديرات أهل العلم ومقاييسهم العلمية التي لا تستطيع أن تتخطى عتبة البصيرة الدنيوية إلى المعرفة الإلهية، فهو ببساطة قلبه وسعيه إلى المسيح المخلّص قد نال ما رجاه من المعلّم، فكان له على حسب رغبته:"فرأى"، وأما الذين كانوا حوله من الكبار والمستكبرين، من العلماء وحكماء هذا الدهر، فبتحفّظاتهم المتعالية رسخوا في ظلمة أذهانهم وضرر قلوبهم كما نقرأ في إنجيل يوحنا (39:9) أجابهم الولد "قد أخبرتكم فلم تسمعوا لي، فلماذا تريدون أن تسمعوا مرّة أخرى؟ ألعلكم تريدون، أنتم أيضاً، أن تكونوا تلاميذه؟"(21) . . . فأجابوا وقالوا له:"إنّك كلّك خطيئة مُذ وُلِدتّ وتأتي تلقي علينا درساً !" وطردوه خارجاً(34). ولم يقبلوا أن ينظروا إليه بعين الطفولة فلم يروا الحقيقة. وكم من بَني جيلنا اليوم يقعون في الخطيئة عينها، خطيئة الشكّ بقدرة الله ونعمته معتبرين مقاييسهم البشرية وتصورات فكرهم الضيّق المحدود فوق كلّ اعتبار! فلو كان في قلبهم شيء من روح الطفولة الإنجيلية المتخلّقة بالتواضع والواثقة بقدرة المخلّص الشافي من كلّ مرض وضعف، لبلغوا النور والبصر ومعرفة الحكمة الإلهية.

4- زكّا العشّار، هذا الرجل الصغير بقامته والوضيع بقيمته الاجتماعية التي لم يكن لها اعتبار يذكر في المجتمع اليهودي، عرف كيف ينمّي في قلبه الصغير شوقاً إلى رؤية الرب وملاقاته، فكان له ما أراد. عَلِمَ بالرب يسوع وأحبّ أن يقترب منه ويشعر بعطفه ومحبته، ولو بنظرة ينالها منه، وإذا بالمعلّم الإلهي يناديه ليشمله بحضوره المنير وعناية فدائه الخلاصي. لقد أكرمه السيد بزيارة غيّرت مجرى حياته وفعلت كلّ ما فيه من جود وصلاح، فانجلى قلبه المظلم ليشعّ نوراً تتأجج فيه نار المحبة في حياة جديدة كلّها عطاء وتضحية في سبيل الله وأعمال الرحمة. وهل أجمل من هذا الإعلان أطلقه تعبيراً عمّا حقق فيه المسيح من خلاص وتجديد: "هاأنذا يا رب أعطي الفقراء نصف أموالي، وإن ظلمتُ أحداً أردُّ إليه أربعة أضعاف"(لوقا 8:19)، وإن موقفاً سخياً كهذا لا يمكن أن يصدر إلاّ من قلب فتي وروح فيها من البساطة والحرية من قيود الأنا ما لا نجده إلاّ عند الأطفال إذا أحبوا.

5- أوليس العشار الذي دخل إلى الهيكل يصلّي عارفاً ضعفه وصغر قامته الروحية هو أيضاً بادر إلى الرب كالطفل الأعزل الفقير، ليس بين يديه ما يقدمه لله سوى قلبه التائب فكان له الغفران على الخطايا ورضى الله ومحبته ؟ هو الطفل في موقفه، كَبِرَ واغتنى بملازمته الرب، بينما الفريسي البالغ والممتلئ من ذاته ومن حكمة الناس وادّعائهم،لم يلامس هالة الرحمة الإلهية التي تحيي كلّ إنسان وتبرره."أقول لكم إنّ هذا نزل إلى بيته مبرراً، وأما ذاك فلا، لأنّ كلّ من رَفع نفسه وُضِع، ومن وضع نفسَه رُفع"(لو 14:18).

 ونقرأ في إنجيل لوقا في النص نفسه توكيداً ليسوع على أهميّة روح الطفولة للخلاص والالتقاء بالرب حيث يقول :"دعوا الأولاد يأتون إليّ، لا تمنعوهم فإنّ لمثل هؤلاء ملكوت الله. فالحقّ أقول لكم إنّ من لا يقبل ملكوت الله كمثل طفل فلا يدخله"(لو 17:16). كم، وكم من أبناء جيلنا يتصورون أن بكثرة معارفهم وسِعَةِ علمهم يبلغون الخلاص ومعرفة الله، بينما هم بعيدون عنه منهمكون في تحاليلهم الفلسفية وتقديراتهم الفكرية؟ وكم من بينهم من يشكك هؤلاء الصغار الذين لهم الملكوت، وكم منهم من يزدرون البسطاء في تعاملهم مع قضايا الإيمان والحياة مع الرب، مستبعدين إياهم من حلقة أصدقاء المعرفة وفهم الأمور اللاهوتية، بينما هؤلاء هم أخيار الرب وشركاء حياته الإلهية؟.

6- عندما عاد التلاميذ الاثنان والسبعون من الرسالة فرحين لنجاح رسالتهم، في تلكَ السَّاعةِ تَهلَّلَ يَسوعُ في الرُّوحِ القُدُس، وقَال: "أُبارِكُكَ، يا أَبتِ، رَبَّ السَّماءِ والأَرضِ، لأنكَ أَخْفيَتَ ذلكَ عَن ذَوي الحِكْمةِ والدَّهاء، وكَشفْتَهُ للأَطْفال. نعَمْ، يا أبَتِ، لأَنَّهُ هكذا حَسُنَ لَدَيْك. لَقَد دَفَعَ إِليَّ أَبي كُلَّ شَيءٍ، فليسَ أَحدٌ يَعلَمُ مَنِ الابنُ إِلاَّ الآب؛ ولا مَنِ الآبُ إِلاَّ الابنُ، ومَن يُريدُ الابنُ أَنْ يَكشِفَ لهُ ذلك".(لو 22:10-23) تهلّل يسوع في الرّوح القدس قبل أن يقول هذه الكلمات ودَلّ ذكرُ الرّوح القدس في تلك الساعة على أنّ قول السيّد المسيح خطيرٌ جدّاً. رجع الاثنان والسبعون فرحين من عملهم، لأّنهم قهروا شيطان الشرّ. ورأوه هابطاً من السماء. هؤلاء الاثنان والسبعون، سمّاهم يسوع أطفالاً. فَرحَ يسوع بعودتهم وفرح بِغَلَبتهم. وتأكّد بأنه سيتغلب على الشر بواسطة هؤلاء التلاميذ الأطفال: أي بواسطة الفقراء العُزَّل المتسلِّحين بالإيمان. في هذه اللحظة، وبفعل الرّوح القدس، تمثّلت أمام عينيه الغاية التي جاء إلى الأرض من أجلها، وتذكّر السرّ المكتوم منذ الدهور، السرّ الذي أخفاه الله على ذوي الحكمة والفطنة وكشفه للأطفال. وهذا السرّ سمّاه بولس حِكمةَ الله المكتومة طوال العهد القديم، والتي لم يعرفها أحد من رؤساء هذا الدهر، لا الملوك ولا الفلاسفة ولا دعاة الأديان العظيمة، ولا أسياد العالم الرومانيّ.

والسرّ هو أنّ الله محبّة وقد خفي على الحكماء وأدركه الأطفال، على غرار أطفال المسيح في قرى الجليل. هؤلاء الأطفال، الذين عَلمِوا فكرَ الله، وناصروه على ملكوت الشرّ!، هم كل المؤمنين، الذين رأوا ما لم يره الأنبياء، وسمعوا ما لم يسمعه الملوك، لأنهم آمنوا بالمسيح لبسوه بالمعموديّة، تغذوا به في الافخارستيّا. وحافظوا على الولاء له في عالَمٍ يغلب عليه الحزن، ويُسيطرُ عليه الظلم، ويُفسده التسابق على المصالح الخاصّة، وتُدمّره شهوةُ السيطرة والتجبّر، في عالم يحومُ حوله شبحُ الاضطهاد والعداء، يتوجّه السيّد المسيح إلى المؤمنين به قائلاً: افرحوا، لا تخافوا، افرحوا لأنّ أسماءكم مكتوبةٌ في السماوات، وكأنه يقول لنا: الإنجيل كلّه بُشرى فرح، كلّه أملٌ ورجاء، لأنّ حكمة الإنجيل تناقض حكمة العالم. وهي مُغلقة على أصحاب الدهاء، وبمقدار ما تكونون صغاراً يكون الله في عونكم ويمنحكم السكينة والفرح. الصغير إيمانه مثل حبّة الخردل. إن الصغير من أبناء هذا العالم أفراحُه زائلة، وتعزياتُه وقتيّة، وصحّته متوعّكة، وهمومه اليوميّة كثيرة، وكدّه متواصل، وصبره دائم على الحرمان لأنّه فقير لا حول له في ذلك ولا قوّة، وكأنه في عبودية تطغى عليه لتحطمه. وبالمقابل صغير الإنجيل استنار بنور الإيمان، ونال كرامته من جرن المعموديّة، واغتذى بجسد السيّد ودمه، وسمع الإنجيل والصّلوات والتعاليم الدينيّة، فأسلم نفسه لإرادة الله، وعَشِقَ السيّد المسيح، وعاش ونما في سلامه. الصغار في الإنجيل يعيشون في ظلّ ملائكتهم الذين يرون وجه أبيهم الذي في السماوات.

7- وأخيراً لا آخراً، لا يسعنا أن نغلق هذا الفصل من دون التطرّق إلى العظة على الجبل حيث نسمع يسوع يعلن على الجموع وصايا العهد الجديد فيعدّد التطويبات التي تضع في مكان الصدارة الصغار المتواضعين والودعاء والمساكين بالروح وأنقياء القلوب الذين لهم ملكوت السماوات. ومَن أقرب إلى هؤلاء من المتحلّين بروح الطفولة والبساطة ومَن أبعد عنهم من المتكبرين والمدّعين والممتلئين من ذواتهم والمستغنين؟(لو 20:19-26 ومتى 5: 1-12). ولنا في تاريخ الكنيسة المديد أمثلةً لا تحصى ممن عاشوا وشاخوا وهم يتحلّون بروح الطفولة وصفاتها المحببة، وقد اخترنا منهم القديسة تريزيا التي عُرفت بروحانيتها المشبعة بهذه البساطة العفوية التي تروق للرب وترفع الإنسان إلى قمم التصوّف والحياة الإلهية. والجدير بالذكر أنّ القديسة تريزيا الطفل يسوع عُرف عنها ميل خاص واضح إلى "طريق البساطة والطفولة" في الحياة الروحية والعلاقة مع الرب.

تريزيا الطفل يسوع و"طريق البساطة إلى القداسة

مهما بلغت ثقتنا بالله الحنون الرحوم وبقدرته الفائقة فإننا لا نبالغ في شيء، لا بل ننال من نعمه تعالى بقدر ما نثق به ونرتجيه". (تريزيا الطفل يسوع ) ولدت القديسة تريزيا الطفل يسوع، في بلدة النسون سنة 1873، من أسرة مسيحية هي التاسعة بين أبنائها. وحين بلغت الخامسة عشرة من عمرها، انتسبت إلى دير سيدة الكرمل في ليزيو. وكانت في مستهل حياتها بحماس بأن سبيل القداسة يستوجب "قهر الذات"، إلا أنها، حين بلَغتْ الثانية والعشرين من عمرها، بدّلت من تفكيرها وأيقنت بأن القداسة ترتكز على إتقان ممارسة الأعمال اليومية الاعتيادية التي يوجبها علينا واقعُ حياتنا الراهنة. عاشت بطولة "طريق البساطة الروحي"، فارتقت، في غضون سنوات قلائل إلى قمم مدهشة من الإيمان والرجاء. وفي غياهب الظلمات التي اجتازتها، عرفت كيف تظل أمينة ليسوع، بالرغم من المحن الروحية والأدبية والصحية، وثابرت على الامتثال لتوجيهات أخواتها الراهبات، فيما يتعلق بالمتطلبات الرسولية للكنيسة. هذا هو "طريق البساطة" إلى القداسة المرتجاة، أعادتها إلى الأذهان تيريزيا الطفل يسوع فَتَكنَّتْ بحق وحقيق "تريزيا الصغيرة".

وإن "طريق البساطة" هذا يقتضينا أن نتقبل الحياة كما هي على علاّتها، غير متجاهلين وجودَ "هذا" الذي يتحكّمُ بمصائرها، وما يعتري حياتنا من مناسبات سارة أو مزعجة تتعاقب على مرّ الأيام بمثابة اختبار لنا. و"هذا" يعني "الواقع المعيوش" بالنسبة للراهبة تريزيا الطفل يسوع، وهذا يعني أن تتقبل بكل استسلام ورضى المرض العُضال الذي أَلَّم بها (السل الرئوي) وهي في الثالثة والعشرين من عمرها، وقد أودى في النهاية بحياتها الفتية بعد سنة عاشتها في الأوجاع.

لقد تفهّم البابا بيوس الحادي عشر جيداً أهمية طريق تريزيا الطفل يسوع المبسطة إلى القداسة، فأعلنها منذ عام 1925 قديسة، ثم جعلها في مطلع عام سنة 1927 شفيعة للمرسلين في العالم. وفي اليوبيل المئوي لوفاتها وضعها قداسة البابا يوحنا بولس الثاني في مَصَفّ معلمي المسكونة بإعلانها دكتورة الكنيسة الجامعة رافعاً إياها إلى مرتبة أعاظم القديسين هي التي كانت تعتز بصغرها وضِعة شانها. هذه القديسة الصغيرة، الكبيرة، التي تزين أيقونتها المقدسة عدداً وافراً من كنائسنا، تستقطب في أيامنا جماعات المؤمنين، يلتمسون شفاعتها في الحالات اليائسة المستعصية، الشفاء من الأمراض الخطيرة التي استعصت على الطب، عودة الخطأة المدمنين إلى التوبة، تهدئة أذهان أناس معرضين للشك واليأس، حماية المسيحيين المضطهدين الذين تحيط بهم الأخطار، راحة لأنفس الذين رقدوا محرومين من إسعافات الكنيسة، فالنعم التي ننالها بشفاعتها كثيرة لا عدّ لها ومثبتة. فيا حبذا لو أن عدداً كبيراً من أبناء جيلنا ينضمون إلى لائحة مريديها ليستقوا من مثال حياتها وكتاباتها نهجاً لحياتهم مع الرب فينموا في محبة سخية له ويتسلقوا معها قمم القداسة الرائعة. وإليكم بعض ما نجده في التركة الروحية التي خلّفتها للمؤمنين الجادين في سبيل الاتحاد بالرب يسوع.

"القديسون يسطعون بنور المسيح لكي يظل دائم الحضور معنا بواسطتهم". بهذا المعنى كانت تريزيا الطفل يسوع تتألق بجمال فائق...وكانت نفس تريزيا متعطشة إلى القداسة، وكانت هفواتها الطفيفة تتسبّب لها بِوساوسَ عميقةٍ، إلا أن دير الكرمل أوحى لها "طريق الطفولة"، المرتكز على الثقة التامة بالله، والاستسلام الكلي لمشيئة العناية الإلهية، وقد عَثَرَتْ، يوماً، على نص من سفر الأمثال (فصل 9-عدد 4) حيث يقول الكتاب: "تعالوا إلي يا أيها الصغار..." فشعرت بغبطة عميقة...هي الصغيرة دون شك، وإليها يتجه هذا النداء، وبدل من أن تبذل جهودها سعياً وراء التسامي بالقهر وترويض النفس، ستستسلم بكليتها إلى يسوع، وهو يقودها حيث يشاء. تقول القديسة تريزيا الصغيرة في كتاب سيرتها الذاتية: "دخلت الكرمل لأعمل على خلاص النفوس وبنوع خاص لكي أصلي من أجل الكهنة...رسالتي هي أن أجعل الناس يحبون الرب كما أحبّه أنا، وأن أعطيهم وسيلتي البسيطة إلى ذلك والقائمة على الثقة بالله والاستسلام لعنايته

 ماهيّة روحانية الطفولة

وقبل وفاتها بشهرين 6 آب 1897، شرحت لأختها معنى روحانيتها التي كانت تسعى فيها أن تظلّ طفلة أمام الله قائلة: "يعني أن نقرّ .بعدمنا، وأن ننتظر كل شيء من لَدُنِ الله، ويعني أن لا ننهمّ بشيء، أن لا نسعى وراء الثروة. فحتى عند الفقراء ينال الطفل ما هو ضروري لمعيشته وحينما يبلغ، يدعه والداه ليتدبر أموره المعيشية بنفسه قائلين له: اشتغل الآن وحصّل فإنك تستطيع أن تتدبر أمورك بنفسك . ولكي لا أسمع هذا الكلام أردت أن أبقى صغيرة وأن لا أكبر، إذ أنني أشعر بعجزي عن كسب حياتي بمفردي، أعني الحياة الأبدية".وإن طريقتها المسماة بالصغيرة هذه شملت فيما بعد ما يمكن اعتباره سبل الحياة الروحية حتى غدت تريزيا المتصوفة الأكثر شعبية في عصرنا الحاضر، كما غدت الطفولة الروحية عنصراً لا غنى عنه في نهج كل حياة داخلية تسعى نحو القداسة والكمال. "لا أظن أنني قد تركت ثلاث دقائق في حياتي تمر دون ذكر الله.,.والمرء يهجس طوعاً بمن يهوى.

محبة خالصة للرب يسوع لا تعرف الحدود وثقة به تامة، وإخلاص لمشيئته القدوسة لا تعتريها شائبة، ورغبة عميقة في أن يعرفه ويحبّه الناس أجمعون، هذا ما كان يميز تريز دي ليزيو التي كانت تُكنّى بتريزيا الطفل يسوع لفرط حبها وشَغَفها بالوليد المتواضع، معجزة الله وهديته العظمى لبني البشر. لقد وجدت فيه معنى وجودها وسعادتها، فكرست حياتها له دون منازع وما كان منها إلاّ أن سخرّت صباها وخصّصت كل نبضة من خلجات قلبها الفتي له ولإخوته الأحباء من بني البشر. وقوام الطفولة الإنجيلية هو أن نكون منقادين بعواطفنا وأعمالنا لسطان الفضيلة كما ينقاد الطفل للطبيعة بعواطفه وأعماله. فكما أن الصبيان لا تَعمي الخطيئة بصائرهم الخطيئة ولا تستهوي الأميال والأهواء قلوبهم بل هم حائزون على برارتهم وبها ينعمون، وكما أنهم لا يعرفون الشر والرياء بل ينطقون ويعملون بما ينطبق على دخيلتهم وأفكارهم ويظهرون بمظهرهم الحقيقي غير مُحْتالين، كذلك تريزيا الطفل يسوع ظهرت أقرب إلى الملائكة منها إلى البشر مزدانة بسذاجة الأطفال في بحثها عن الحقيقة والبر.