جماعة "روح وقـوّة "     دير الملاك جبرائيـل

 

كيف تعامل المسيح مع صاحب نظرية: ينبغي

  بقلم: الأب متى شفيق

}فلما سمع يسوع انصرف من هناك في سفينة الى موضع خلاء منفردا فسمع الجموع وتبعوه مشاة من المدن. فلما خرج يسوع ابصر جمعا كثيرا فتحنن عليهم وشفى مرضاهم. ولما صار المساء تقدم اليه تلاميذه قائلين الموضع خلاء والوقت قد مضى اصرف الجموع لكي يمضوا الى القرى ويبتاعوا لهم طعاما. فقال لهم يسوع لا حاجة لهم ان يمضوا اعطوهم انتم لياكلوا. فقالوا له ليس عندنا ههنا الا خمسة ارغفة وسمكتان. فقال ائتوني بها الى هنا.  فامر الجموع ان يتكئوا على العشب ثم اخذ الارغفة الخمسة والسمكتين ورفع نظره نحو السماء وبارك وكسر واعطى الارغفة للتلاميذ والتلاميذ للجموع. فاكل الجميع وشبعوا ثم رفعوا ما فضل من الكسر اثنتي عشر قفة مملوءة. والاكلون كانوا نحو خمسة الاف رجل ما عدا النساء والاولاد{. متى 14 / 13 21

 }فلما سمع يسوع انصرف من هناك في سفينة{

السفينة رمزا للكنيسة في مواضع مختلفة في العهد الجديد، وفيها تجتمع جماعة المؤمنين مع المسيح ليتغلبا معا على أمواج بحر العالم، والتي تتمثل في الهموم والتجارب والتحديات التي تواجه قيم الانجيل: العدل والرحمة والايمان. أخذ المسيح تلاميذه وركبوا السفينة ليحصلوا على خلوة، ليمثلوا في حضرة الآب، في موضع قفر بعيدا عن الضوضاء والتشويش (للصلاة). هكذا في الكنيسة نلتقي بالمكافحين من شعب الله من اجل العدالة الباحثين عن توبة شخصية وبالكنيسة نعلن أنا وأنت الثقة في الله وفي القريب.

}فسمع الجموع و تبعوه مشاة من المدن{.

هناك معلم يتبع الجموع ويجاريها طلبا في مزيد من راس المال الرمزي من صيت وشهرة ومجد زائل. وهناك معلم  تتبعه الجموع حيثما مضى، سيرا على الاقدام يفتشون عنه. لابد انهم وجدوا عنده ضالتهم.

}فلما خرج يسوع{

يسوع دائما هو المبادر، فكما خرج الابن من حضن الاب ليتجسد بيننا، ها هو يخرج الآن من خلوته، ليكون مع الجموع الباحثه عنه. }ابصر جمعا كثيرا فتحنن عليهم{ خرج المسيح من خلوته ليعلن حنان الله ورافته. }و شفى مرضاهم. {

}ولما صار المساء تقدم اليه تلاميذه{

وقت المساء، زمن عدم وضوح الرؤية، زمن اختلاط المفاهيم، وازدياد القلق والاوهام.

}قائلين: الموضع خلاء و الوقت قد مضى{.

انها مقدمة سيبنون عليها اقتراحهم لحل المشكلة ، وكأن يسوع لم ينتبه الي مضي الوقت ، او لم يعِ انه في موضع قفر!!

}اصرف الجموع{

الاقتراح فيه شخصان يتوجب عليهما طاعة الامر وسرعة التنفيذ وشكر المقترح على حكمته، الطرفين هما: يسوع (المخاطب: انت) والجمع (الغائب: هم) أما دور الحاضر(المتكلم: أنا) فغير موجود!! اي على يسوع ان يصرف الجموع

}لكي يمضوا الى القرى و يبتاعوا لهم طعاما{

وعلى الجموع ان تنصرف!!، اذ هذا الحل للمشكلة اتى بصيغة واجب على (انت وهم) ان يفعلا أما (انا) فيكفيني اني اكتشفت المشكلة واقترحت الحل الانسب!!

}لا حاجة لهم ان يمضوا،{

ولكن رد فعل يسوع غريب وغير متوقع يسوع ينبه تلاميذه انه ليس بالخبز وحده يحيا الانسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله، نعم فقد زحفت الجموع وراء يسوع مشيا على الاقدام طالبة ان تسمع كلمة الحياة. وقد وجدت فيها خبزا محييا، ولم يشتك احد من جوع ولا من عطش.

الامر الثاني في إجابة المسيح على تلاميذه، انه اراد ان يشركهم في الحل: }اعطوهم انتم لياكلوا{ فكما ذكرنا مقترح التلاميذ لحل المشكله هو ينبغي علي المسيح ان يصرف الجموع وعلى الجموع ان تنصرف لتدبر امرها. وقد غابت الانا عن الساحة. وحال يسوع يقول لهم أنتم شركاء في الحل }اعطوهم انتم لياكلوا{. ينبغي ان يكتمل المثلث (أنا وأنت وهو) أما التوقف عند اقتراحات خلت من مشاركة الأنا هذا امر لا يفضي الي حل المشكلات، ولا يعين على تخطي العقبات.

فالانسان قادر ان يقترح على الله نفسه اقتراحات (مثل: لماذا لا يمنع الله الحرب... وفي الوقت نفسه يكون صاحب الاقتراح فاقد كل رغبة في الغفران لأخية الذي أغضبه، أو ان يقترح على الله ان يزيل المرض من الأرض... ويكون هو نفسه شريك بشكل او بآخر في تلوث الارض وتفاقم المرض. أو يصرخ بصلوات واقتراحات قوية المنطق طالبا من الله ان يرفع عنه ظلم الناس... وهو لا يأبه بمن ظلم ولا يريد ان يعترف بمواقف ظلم فيها نفسه وآخرين... الخ ويرى في اقتراحاته حكمة تفوق حكمة العلي  له المجد. انها اقتراحات من الانا الهاربة من المشاركة الفعلية اي ان تكون هي جزء من الحل، يبدو صاحب الاقتراح منطقي وعملي!! وهو في الحقيقة غير ذلك فهو يبحث دائما عن حل بعيد عنه، فذلك سهل. لذلك فالمعنى الاعمق لسر التجسد ان الله ذاته صار جزء من حل مشكلة الانسان.

}فقالوا له ليس عندنا ههنا الا خمسة ارغفة وسمكتان{.

رغم صيغة النفي }ليس عندنا ههنا{التي توحي بعدم الجدوى، إلا ان التلاميذ ذكروا ما عندهم رغم انه قليل!

}فقال ائتوني بها الى هنا{

الرب طلب القليل الذي بين ايدينا، لنقدمه بثقة تفوق الحسابات، لنشارك في التقدمة ولا نتوقف عند الاقتراحات.

}فامر الجموع ان يتكئوا على العشب{

عندما يأمر الرب علينا ان نطيعه، ليجلس الجميع على الارض، ولترتفع التقدمة الي العلاء، لتشخص العيون الي الخبزات ولتهتف القلوب سائلة بركة السماء بالمسيح وفيه ومعه. وحال المسيح يقول احبائي قد تعبتم طوال النهار وعملتم حسنا اذ اصغيتم الي، الآن اجلسوا ودعوا الرب القدير يتمم عمله ويبارك ما بين ايديكم

}ثم اخذ الارغفة الخمسة والسمكتين{

ورفع نظره نحو السماء... هذا هو دور المسيح الرئيسي ودور كل تلميذ حقيقي ليسوع المسيح، ان لا ينظر الي الارض فحسب ولا الي السماء فحسب بل يجمع الارض لتشخص الي السماء.

}و بارك{ قدم ما عندك والرب يبارك لا تنس: الخوف يطرد البركة.

}و كسر واعطى الارغفة للتلاميذ والتلاميذ للجموع {. هنا مشاركة الطراف الثلاثة (أنا وانت وهم) بعد التجسد لن ينزل الله خبزا من السماء كما فعل ايام موسى، بل تجسد ليبارك ما عندنا ويمنحنا شرف المشاركة معه.

في القديم ارسل الله كتاب الشريعة وفي الجديد ارسل ابنه متجسدا، في القديم انزل الطعام من السماء (المن) وفي الجديد بارك القليل الموجود بين ايدينا.

 لقد تمت المعجزة، وشبع جميع الجياع وفضل عنهم الطعام }فاكل الجميع وشبعوا ثم رفعوا ما فضل من الكسر اثنتي عشر قفة مملوءة. والاكلون كانوا نحو خمسة الاف رجل ما عدا النساء والاولاد{.

نلتقي في حياتنا اليومية بأشخاص يتبنون "نظرية ينبغي" ولا سيما ان كنا على وشك اتخاذ قرار ما او مكلفين بمسؤولية ما، عندها سيغمرنا اصحاب هذه النظرية بالكثير من الاقتراحات مع الايحاء بالعواقب الوخيمة التي سنجنيها من جراء عدم الاخذ بنصائحهم!!

بالتأكيد لا اعني بهذا الكلام ان ادعو الاشخاص إلى عدم تقديم النصح الاخوي والمشورة... ولكن ادعو الي ان نتبنى منهج المسيح ذاته... ان نصبح نحن جزء من الحل المقترح، وان نبتعد ونتحرر من هذه الصيغة (عليك انت وينبغي عليهم هم) مع اغفال دور الفعلى واهمال المشاركه الحقيقية .

وراينا كيف تعامل المسيح مع التلاميذ حينما استخدموا هذه النظرية ، إنه اشركهم في الحل أعطوهم انتم...  أي كونوا جزء من اقتراحكم ، جزء من الحل.

كما انه أنار أذهانهم الى الانطلاق من القوة الكامنة في تقدمة ما نملك وان كان قليل فهنا ياتي دور الرب وتعمل البركة.

صلاة

ربي

اجعلني دوما غير خائف

من ان ازج بنفسي في مصاعب الحياة لأجل مجدك

ألا وهو الانسان الحي بفرح الايمان.