جماعة "روح وقـوّة "     دير الملاك جبرائيـل

 

الكنيسة والكتاب المقدّس

الأب الدكتور بيتر مدروس

قد يستغرب المرء عندما يقرأ اسم "الكنيسة" قبل "الكتاب المقدّس" كأنها أرفع منه شأنا. خلاف ذلك هو الصحيح. الا ان العبارة تشير الى تقدّم "الكنيسة" زمنياً على كتب العهد الجديد أي ان السيد المسيح أسس الكنيسة (عن متّى 16: 18 الخ) قبل أن يوحي الله بكتابة الانجيل الطاهر بأحرفه الاربعة وبسائر كتابات العهد الجديد. وفعلاً، تأسست الكنيسة في زهرة المدائن سنة 30 للحساب الميلادي ويرجح اهل العلم ان الله ألهم سفر الرؤيا بعد عام 90م. أي ان الكنيسة هي التي حملت البشارة الشفهية عن طريق الرسل وتلاميذهم وخلفائهم الاساقفة والكهنة قبل أن تدوَّن نهائيا وبشكل كامل الكتابات الملهمة الموحى بها في العهد الجديد أي الانجيل المقدس وأعمال الرسل والرسائل والرؤيا.

ما عاش الرسل والتلاميذ الكتّاب الملهمون الموحى اليهم في زمن الطيران ولا الفاكسيميليا ولا الشبكة الدولية (الانترنت) بل كانت الاتصالات شاقة طويلة. عليه، وصلت كل أسفار العهد الجديد السبعة والعشرون الى كل المؤمنين في أنحاء المعمور كافّة بعد سنوات وسنوات.

وتأتي الشهادات على أسفار العهد الجديد في اواخر القرن الميلادي الاول، وهذا أمر طبيعي.

المرجع: التقليد والكنيسة والكتاب المقدس

كانت "الكنيسة" بتقليدها الرسولي الشفهي المرجع قبل أن يُلهم الله كتابة الاناجيل وسائر اسفار العهد الجديد، وذلك لمدة لا تقلّ عن الاربعين عاماً. ويشير العهد الجديد ذاته في رسائل بولس الرسول الى "تقاليد" رسولية. في النص اليوناني الاصلي وردت لفظة "باراذوسييس" التي تعني "تقليد" أو "سُنّة". ويجب نقل كلمة "باراذوسيس" بلفظة "تقليد" لا "تعليم". وهذه هي المراجع: "أمدحكم ايها الاخوة على أنكم تذكرونني في كل شيء وتحفظون التقاليد (لا التعاليم) كما سلّمتها اليكم".

في غلاطية 1: 14 يكتب رسول الامم عن "تقليدات آبائه" أي اليهودية التلمودية الحاخامية الفريسية قبل اهتدائه الى سناء السيد المسيح والانجيل الطاهر. وفي هذا النص تُنقل "باراذوسييس" بصواب "تقليدات". وأيضاً في الرسالة الثانية الى التسالونقيين 2: 15 "فاثبتوا ايها الاخوة وتمسّكوا بالتقاليد (لا بالتعاليم، لان اللفظة هي نفسها "باراذوسيس") التي تعلّمتموها سواء كان بالكلام (أي التقاليد الشفوية) أم برسائلنا". وفي رسالة القديس بولس الثانية نفسها الى التسالونقيين 3: 6 ينصح المؤمنين والمؤمنات بقوله: "ثم نوصيكم ايها الاخوة باسم ربنا يسوع المسيح أن تتجنّبوا كل أخ يسلك بلا ترتيب وليس حسب التقليد (لا "التعليم") الذي أخذه منّا".

ويسرّ المرء عندما يقرأ التعريبات الكاثوليكية والارثوذكسية للعهد الجديد (وقد صدر حديثا تعريب ارثوذكسي عربي في الشرق الاوسط)، ينشرح صدر المرء عندما يرى الامانة في النقل، بحيث تُنقل دائما "باراذوسيس" ب "تقليد" أو "سنّة"، سواء اشارت الى التقاليد اليهودية أو التقاليد المسيحية الرسولية. ان السنن المسيحية الرسولية المتناقلة عن الرسل والتلاميذ  كانت هي مرجع الايمان  قبل تدوين الانجيل الطاهر بالهام من روح الله ووحي منه تعالى.

سينودس الاساقفة الكاثوليك حول الكتاب المقدس

من الرابع الى الخامس والعشرين من تشرين اول الماضي (2008)، كان قداسة البابا بندكتس السادس عشر قد دعا رؤساء أساقفة العالم الكاثوليكي وضيوفا من الكنائس الاخرى وضيوفاً غير مسيحيين- الى تداول رصين طويل عميق في شأن الكتب المقدسة.

وكان قداسته في الثمانينات من القرن الماضي رئيس "اللجنة الحبرية للكتاب المقدس" (وكان للداعي شرف التخرج عن يد نيافته سنة 1984 بنيل الدكتوراة في علوم الكتب المقدسة). وبالفعل، اجتمع مئات الاساقفة. وكان لغبطة المنسنيور فؤاد بطرس الطوال، بطريرك المدينة المقدسة وسائر فلسطين والاردن وقبرص للاتين، دور ذو شأن، اذ لفتت كلمة غبطته الانظار خصوصاً عندما قال ان الارض المقدسة، ولاسيما القدس "هي الانجيل الخامس" (عن صحيفة الفاتيكان الرسمية "رقيب الفاتيكان"، عدد الحادي عشر من اكتوبر، على الصفحة الاولى). وذكر غبطته "الحجارة التي تتكلم" وهو يشير الى الاثار الكثيرة التي تصرخ شاهدة للسيد المسيح والكنيسة الاولى في أرض الفداء.

المعاهد العليا للكتاب المقدس في القدس وسائر فلسطين

في التقرير الكامل الذي قدّمه غبطة البطريرك الطوال ذكر مفصّل لمعاهد الكتاب المقدس العليا التي أسستها الكنيسة الكاثوليكية منذ القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين وهي بالذات "مدرسة الكتاب المقدس" للاباء الدومنيكان، ومعهد "حبس المسيح" للاباء الفرنسيسكان، والمعهد البيبلي للاباء اليسوعيين في القدس الغربية.

ومنذ الثمانينات أيضاً أسس لفيف من الكهنة وعلى رأسهم الارشمندريت لطفي لحّام (وهو اليوم غبطة البطريرك غريغوريوس الثالث للروم الكاثوليك) والاب رفيق حنا خوري من البطريركية اللاتينية وسواهما "معهد مار كيرلس" للتثقيف العالي في الكتاب المقدس وسائر مواد اللاهوت وتاريخ الكنيسة وأصبح هذا المعهد لاحقاً "قسم الدراسات الدينية المسيحية في جامعة "الفرير" اي جامعة بيت لحم التي أسسها الفاتيكان لمنع هجرة الادمغة  الفلسطينية.

المنهاج الفلسطيني للتعليم المسيحي

بمبادرة كريمة من السلطة الوطنية الفلسطينية وبتجاوب حميد أخوي من الكنائس، تمت كتابة منهاج التربية المسيحية بأسلوب مسكوني عام لكل المسيحيين من غير تمييز، وعمل على هذا المنهاج نفر من أهل العلم والتقوى من الكنيسة الكاثوليكية والارثوذكسية ومن الانكليكان واللوثريين وغيرهم (مع حفظ الاسماء والالقاب)، بانسجام أخوي ووئام مسيحي صميم. فخرج ذلك المنهاج المسيحي المسكوني الوطني الفلسطيني (وأحسب ان في سوريا ومصر والاردن مناهج مسكونية مماثلة)- تحفة في التربية وفي التعاون الاخوي "وتقوى المسيح" كما يوصي رسول الامم الاناء المختار بولس. ويبدأ كل درس بمقطع من الكتاب المقدس الذي له الصدارة في كل وحدة.

"كنت في الكنيسة وكنت أجهل الكتاب المقدس!"

سل الكنيسة، ايها الاخ والابن العزيز! عد الى الكنيسة واطلب منها كلمة الله المكتوبة! سل الكهنة وسيعطونك بدل الكتاب مئة لتفسير الكلمة الالهية تفسيراً صحيحاً بالعلم والرسوخ لا التفسير الفردي (عن بطرس الثانية 1: 20 ، ثم 3: 15 وتابع). لا تريد الكنيسة أن يبقى ابناؤها جهلة بالكتاب ولا مصلحة لها بذلك! واليوم تستفيد الكنيسة من وسائل الاتصال والاعلام الحديثة ولاسيما مواقع الشبكة الدولية اي الانترنت.

خاتمة

أعلن بطرس الرسول للسيد المسيح: "الى من نذهب وعندك وحدك كلام الحياة الابدية؟" وكتب يوحنا الحبيب بالوحي الرباني ان المسيح هو الكلمة الازلية الابدية! وهذا ما تعلّمه الكنيسة مصلية كي "يكونوا بأجمعهم واحدا"، ساعية لتجمع لا لتفرق، مع ما في رجالها وسائر مؤمنيها من نقائص وحدود وهفوات. انها "عروس المسيح" التي "تخضع له في كل شيء" (عن أفسس 5). فلبسألها الحيارى قبل أن يتركوها: انها معروفة بتاريخها، بحلوه ومرّه، أصيلة عريقة حافظت على "وديعة الايمان" وستحافظ عليه دوماً. ولكن أفكاراً غير واضحة سادت أحيانا فشوّهت وجه الكنيسة وبعض عناصر من تاريخها. واليوم زمن الحوار لا التحوير والوحدة لا الانقسام "كي يكون الله الكل في الكل"!

[email protected]