جماعة "روح وقـوّة "                             دير الملاك جبرائيـل

 

"من رآني رأى الأب"

عظة الأحد للبطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير

"نقتطف ما نقوله اليوم من كتاب البابا بندكتس السادس عشر المعنون: يسوع الناصري. وهو يشرح الفقرة الأولى من الأبانا، أي "أبانا الذي في السماوات".

عندما يعلّم الرب أنه يجب اكتشاف طبيعة الله الآب، انطلاقا من محبة الأعداء، وانه يجب ان يجد المؤمن في ذلك "كماله"، لكي يصبح هو ذاته "الابن"، اذ ذاك تكون العلاقة بين الآب والابن واضحة. وواضح عندئذ أنه، في انعكاس صورة يسوع، نكتشف من هو الله وكيف هو: بواسطة الابن، نجد الآب."من رآني، رأى الآب"، قال يسوع أثناء العشاء لفيليبوس الذي سأل: "أرنا الآب" ( يوحنا 14: 8...). لا نفتأ نردّد على مسامع يسوع، "يا رب، أرنا الآب"، والجواب هو أيضاً ودائماً، الابن: به، وفقط به، نتعلّم أن نعرف الآب. وهكذا ينكشف مدى الأبوّة الحقيقية ومثالها. ولا تعكس الأبانا صورة بشريّة على السماء، ولكنها تظهر لنا انطلاقا من السماء- انطلاقا من يسوع- كيف علينا وكيف بمقدورنا أن نصبح رجالاً.

وباستطاعتنا الآن، مع ذلك، عندما ننظر عن كثب، أن نتأكّد أن أبوّة الله، انطلاقا من رسالة يسوع، تحتوي على بعدين. أولاً، أن الله هو أبونا بما أنه خالقنا. ولأنه خلقنا، فنحن خاصته. فالكيان بوصفه كياناً، يأتي منه. فهو اذن حسن، وهو مشاركة في الله. وهذا يصحّ خاصة على الانسان. ان الفقرة 15 من مزمور 33 (32) تقول في ترجمتها اللاتينية: "هو جابل قلوبهم جميعا... وعالم بأعمالهم كلّها". ان الفكرة التي تقول بأن الله خلق كل فرد، هي جزء من صورة الانسان التي نجدها في التوراة. كلّ انسان بمفرده وكما هو، قد أراده الله، وهو يعرف كلا شخصياً. والكائن البشريّ، بهذا المعنى، وبقوّة الخلق، ان الكائن البشر بصورة خاصة هو "ابن" الله، والله هو أبوه الحقيقي. والقول ان الانسان هو على صورة الله انما هي طريقة أخرى للتعبير عن هذه الفكرة.

ونصل هكذا الى البعد الثاني من أبوّة الله. إن المسيح، بطريقة فريدة، هو "صورة الله" (2قور 4: 4 ؛ كول 1: 15). وانطلاقا من هنا، قال آباء الكنيسة ان الله، بخلقه الانسان "على صورته" نظر فوراً الى يسوع، وخلق الانسان على صورة "آدم الجديد"، الرجل الذي هو مثال البشريّة. ولكن على الأخص،ان يسوع بالمعنى الخاص هو "الابن"، من جوهر الآب وهو يريد أن يُدخلنا في "كيانه الانساني"، وبذلك في "كيانه البنوي" في كمال ملكية الله.

وهكذا أصبحت البنوّة مفهوماً ناشطاً: لسنا بعد بطريقة كاملة أبناء الله، لكنه يجب أن نصبح أبناءه، وأن نكون أبناءه أكثر فأكثر عبر مشاركتنا المتنامية في العمق مع يسوع. أن نكون أبناء، أي أن نتبع المسيح. ان الكلمة التي تصف الله كآب تصبح بالنسبة الينا نداء: اي أن نحيا "كإبن" و "بنت". "كل ما هو لي هو لك"، قال يسوع للآب في الصلاة الكهنوتيّة (يوحنا 17: 10)، ويقول الأب الشيء عينه للاخ الأكبر للأبن الضال (لوقا 15: 31). ان كلمة "أب" تدعونا الى أن نعيش انطلاقاً من هذا الوعي. واذ ذاك نتخطّى جنون التحرّر الكاذب التي نجده في مستهلّ تاريخ خطيئة البشريّة. ذلك ان آدم لدى سماعه كلمة الحيّة، أراد ان يكون هو الله، وان يستغني عنه تعالى. ونرى أن" كينونة الابن" لا تعني أن تكون متعلّقا، خاضعاً، بل أن تكون في علاقة محبة تحمل الكيان الانسانيّ باعطائه ما له من عظمة ومعنى.

ويبقى، قبل النهاية، سؤال وهو: أفليس الله أيضا أمّاً؟. إن محبة الله تشابه محبة الأم: "كمن تعّزيه أمّه، كذلك أنا أعزيكم" (أشعيا 66: 13). "أتنسى الأم ُمرَضعها، فلا ترحم ابن بطنها، ولكن لو أن هؤلاء نسين، لا أنساكٍ أنا" (أشعيا 49: 15). إن سرّ محبّة الله الأموميّة تعود بطريقة مذهلة الى اللفظة العبريّة رحاميم (רחמים) التي تعني "رحم الأم"، ولكنها تنتهي بالدلالة على عطف الله تجاه الانسان، ورأفته به. في العهد القديم، غالباً ما تدلّ أعضاء جسم الانسان على مواقف انسانيّة عميقة، وأيضاً على استعدادات الله، كما أن "القلب" أو "الدماغ" يدلاّن اليوم أيضاً على ما هو من كياننا. وهكذا أن العهد القديم لا يعرض مواقف الوجود الأساسيّة بألفاظ مجرّدة، بل في لغة الجسد المجازية. ورحم الأم هو تعبير حسيّ يعني العلاقة الحميمة بين وجودين، وما تحظى به الخليقة الأضعف من انتباه لحظوتها بجسدها ونفسها بحماية رحم أمّها. إن لغة الجسد المجازية تسمح لنا بأن نفهم فهما عميقاً استعدادات الله تجاه الناس أكثر من أية لغة تصوّريّة أيّاً تكن.

واذا كان في اللغة المتكوّنة انطلاقا من صفة الانسان الجسديّة، تبدو محبة الأم كأنّها مطبوعة في صورة الله، ولكن الله لا يوصف بأمّ، ولا يُدعى على الاطلاق أمّاً، سواء أكان في العهد القديم أم في العهد الجديد. في التوراة، ان كلمة "أم" ليست لقباً لله. لماذا؟ لا يمكننا إلاّ أن نتلمّس تلمّساً في محاولتنا أن نفهم. لا شكّ في أن الله ليس رجلاً ولا امرأةً، بما أنه خالق الرجل والمرأة. إنّ الآلهة-أمهات، التي تحيط بالشعب الإسرائيليّ ككنيسة العهد الجديد، تُظهر صورة عن العلاقة بين الله والعالم، تخالف صورة الله التي تعطيها التوراة عن الله. إن الانسان لدى سمعه كلمة الحيّة وهي تحتوي دائماً، من باب الضرورة دونما شكّ، مفاهيم حلوليّة (أي تقول بأن يحلّ الله في كلّ شيء في الطبيعة) تخفي الفرق بين الخالق والخليقة. ووجود الأشياء والناس تبدو حتماً، انطلاقاً من هذه النظرة، كأنها امتداد من رحم الكائن الأمّ الذي بعد دخوله في الزمن، أصبح مجسّداً في مختلف الوقائع الموجودة.

وخلافاً لذلك، إنّ صورة الأب كانت وتبقى دائمًا بامكانها أن تعبّر عن غيريّة الخالق والخليقة، وعن سيادة فعله الخالق. وإن العهد القديم، برفضه الآلهةمّهات، استطاع ان يُنضج صورة الله التي هي متسامية كل التسامي. ولو كنا لا نستطيع أن نقدّم تبريراً مقنعاً، فالقاعدة يجب أن تبقى بالنسبة الينا لغة صلاة التوراة بأجمعها، وقد تحققنا من ذلك، على الرغم من صور المحبّة الوالديّة الكبيرة. فان لفظة "أم" لا تظهر بين ألقاب الله، وليس هي اسماً باستطاعتنا أن نتوجّه به الى الله. وهكذا إننا نصلّي مثلما علّمنا يسوع على أساس الكتاب المقدّس، وليس على أساس ما يأتينا من الهام أو على هوانا. وهذه هي الطريقة التي نصلّي معها كما يجب.

وفي النهاية، يجب أن نفكّر بكلمة "نا-نحن". إنّ يسوع وحده كان باستطاعته أن يقول بحق" أبي" لأنه هو حقاً ابن الله الوحيد، ومن جوهر الآب عينه. ونحن جميعاً، خلافا لذلك، يجب أن نقول "أبانا". ان كلمة "نا-نحن" وحدها، الخاصة بالتلاميذ تجيز لنا أن نسمّي الله الآب، لأننا فقط عبر اشتراكنا مع يسوع المسيح، نصبح "أبناء الله".وهكذا فان هذه كلمة "نا-نحن" تستجوبنا: فهي تقضي علينا بأن نخرج من سياج "الأنا" وتقضي علينا بأن ندخل في مجموعة سائر أبناء الله، وتقضي علينا بأن نتخلّى عن كلّ ما هو خاص بنا، ويفصلنا عن سوانا. وتقضي علينا بأن نقبل سوانا، الآخرين، وأن نفتح لهم أذننا وقلبنا. ومع لفظة "نا" من الأبانا، نعلن انضمامنا الى الكنيسة الحيّة، التي أراد الربّ أن يجمع فيها عائلته الجديدة. وهكذا، إن الأبانا هي معاً صلاة شخصيّة وكنسيّة. وعندما نقول الأبانا، يصلّي كلّ منّا من كل قلبه، ولكننا نصلّي في الوقت عينه بالاشتراك مع عائلة الله، مع الأحياء والأموات، مع الرجل في الحالات الاجتماعيّة والثقافات، وجميع الأجناس والأعراق. ان الأبانا تجعل منا عائلة فوق جميع الحدود.

وانطلاقا من "نا" في الأبانا نفهم أيضاً الأضافة الثانية التي هي "الذي في السماوات". بهذه الكلمات، لا نضع الله الآب على كوكب بعيد، ولكننا نعلن أننا، ولو كان لنا آباء أرضيون مختلفون، نتحدّر من أب واحد هو مقياس كل أبوّة وأصلها. "أيها الأخوة، أجثو على ركبتي للآب، الذي منه تسمّى كل أبوّة في السماوات وعلى الأرض"، يقول بولس الرسول (أفسس 3: 14..). وفي النهاية نسمع كلمة الرب: "لا تدعوا لكم على الأرض أباً، لأنّ أباكم واحد، وهو الذي في السماوات" (متى 23: 9).

إن أبوّة لله هي حقيقية أكثر من الأبوّة البشريّة، لأننا في آخر المطاف، نستمدّ منها كياننا،لأنه منذ الأزل قد فكّر بنا، وأرادنا. ولأنّه يهبنا البيت الأبويّ الحقيقيّ، الذي هو أبدي. واذا كانت الأبوّة الأرضيّة تفصل، فان الأبوّة السماويّة تجمع. وكلمة سماء تعني اذن هذا الحجم الأخر، حجم عظمة الله الذي منه أتينا جميعاً، واليه يجب أن نعود جميعاً. ان "الأبوّة" في السماء تحيلنا على هذا الـ "نحن" الأكبر الذي يتخطّى كلّ الحدود، والذي ينقض كلّ الحواجز، ويهدم كل الأسوار، والذي يخلق السلام.

الاثنين 24 نوفمبر 2008 (zenit.org).