جماعة "روح وقـوّة "                             دير الملاك جبرائيـل

 

وحدانيّة وعالميّة سرّ المسيح

 

كلمة الكردينال يوسف راتسينغر، حاليا بابا بنديكتوس السادس عشر

1.  في النقاش المعاصر المحتدم بشأن العلاقة بين المسيحية والأديان الأخرى، تنتشر أكثر فأكثر فكرةُ أنّ جميع الأديان هي بالنسبة إلى أتباعها سبل خلاص صالحة بالتساوي. ويعني ذلك اقتناعًا بات منتشرًا ليس في أوساط لاهوتية وحسب، بل أيضًا في قطاعات أكثر فأكثر اتساعا في أوساط الرأي العام الكاثوليكي وغير الكاثوليكي، لا سيّما الرأي العام الأكثر تأثّرًا بالاتّجاه الثقافي السائد اليوم في الغرب، والممكن وصفه، دون خشية من ان يكذبنا أحد، بكلمة: النزعة النسبيّة.

إنّ ما يُسمّى بلاهوت التعدّدية الدينية كان قد ترسّخ تدريجيًّا، في الحقيقة، منذ خمسينيات القرن العشرين، لكنّه لم يكتسب أهمّيّة أساسية بالنسبة إلى الضمير المسيحي إلا اليوم. طبعًا، إنّ أشكاله مختلفة جدًّا، وقد لا يكون من العدل أن نريد مماثلة جميع المواقف اللاهوتية المتعلقة بلاهوت التعدّدية الدينية في نهج واحد. ولذا، فإنّ الإعلان لا يهدف حتّى إلى وصف الملامح الأساسية لمثل هذه التيارات اللاهوتية ولا يدّعي حصرها في صيغة واحدة. بل بالأحرى، إنّ مستندنا يشير إلى بضعة منطلقات فلسفيّة ولاهوتية الطابع القائمة في أساس الأشكال المختلفة والمنتشرة حاليًّا في لاهوت التعدّدية الدينية: الاقتناع بعدم إمكانية إدراك الحقيقة الإلهية والتعبير الكامل عنها؛ الموقف النسبي النزعة من الحقيقة والذي يرى أنّ ما هو حقّ بالنسبة إلى البعض قد لا يكون حقًّا بالنسبة إلى الآخرين؛ التعارض الجذري بين عقلية منطقية غربية وعقلية رمزية شرقية؛ النزعة الشخصية المفرطة لمن يعتبر العقل مصدرًا وحيدًا للمعرفة؛ الإفراغ الميتافيزيقي لسرّ التجسّد من معناه؛ إنتقائية من يختار في التأمّلات اللاهوتية فئات مشتقّة من مناهج فلسفية ودينية أخرى، دون الاهتمام لا بانسجامها الداخلي ولا بعدم قابلية تطابقها مع الإيمان المسيحي؛ وأخيرًا، النزعة إلى تفسير نصوص الكتاب المقدّس خارج تقليد الكنيسة وسلطتها التعليمية (راجع الإعلان «الربّ يسوع»، 4) .

ما هي النتيجة الأساسية لطريقة التفكير والشعور هذه بالنسبة إلى مركز الإيمان المسيحي ونواته؟ إنّها الرفض الجوهري لتماثل الوجه التاريخي الفريد، يسوع الناصري، مع واقع الله عينه، الله الحيّ. إنّ ما هو مطلق، أو بالأحرى من هو المطلق لا يمكنه أبدًا أن يقدّم ذاته في التاريخ في تجلٍّ كامل ونهائي. ففي التاريخ توجد نماذج فقط ووجوه مثالية تعود بنا إلى الآخر بالمطلق، الذي لا يمكن مع ذلك إدراكه في حالته هذه في التاريخ. يعترف بعض اللاهوتيين المعتدلين بأنّ يسوع المسيح هو إله حق وإنسان حقّ، لكنّهم يعتبرون أنّه بسبب محدودية طبيعة يسوع البشرية لا يمكن اعتبار تجلّي الله فيه كاملاً ونهائيًّا، بل يجب اعتباره دائمًا بالنسبة إلى أشكال تجلٍّ أخرى ممكنة لله معبَّر عنها في العبقريات الدينية للبشرية وفي مؤسِّسي أديان العالم. بهذه الطريقة، وبالكلام كلامًا موضوعيًّا، يتم إعطاء الفكرة الخاطئة أنّ أديان العالم متكاملة مع الوحي المسيحي. ولذا، فمن الواضح أنّ الكنيسة أيضًا والعقيدة والأسرار لا يمكن أن تكون لها قيمةُ ضرورةٍ مطلقة. فأَنْ يُنسب إلى هذه الوسائل المحدودة طابعٌ مطلقٌ وأن تُعتبر ـ بالأحرى ـ وسيلةً للقاء فعلي مع حقيقة الله، الصالحة كونيًّا، أمرٌ قد يعني وضعَ ما هو خاص على صعيدٍ مطلقٍ ويعني تشويهَ الواقع اللامحدود لله الآخر بالمطلق.

بناءً على هذه المفاهيم، إنّ الاعتقاد أنّ هنالك حقيقة كونية شاملة وملزمة وصالحة في التاريخ عينه تكتمل في يسوع المسيح وينقلها إيمان الكنيسة أمرٌ يُعتبر نوعًا من الأصولية قد يشكّل اعتداء على الفكر الحديث وقد يمثّل تهديدًا للتسامح والحرّيّة. وإنّ مفهوم الحوار بذاته يتّخذ معنًى مختلفًا اختلافًا جذريًّا عن مفهوم المجمع الفاتيكاني الثاني للحوار. إنّ الحوار، أو بالأحرى، إيديولوجية الحوار، تحلّ محلّ الرسالة والضرورة العاجلة للدعوة إلى الهداية: فالحوار لا يعود الطريقَ إلى اكتشاف الحقيقة، والعمليةَ التي من خلالها ينفتح على الآخر العمقُ الخفي لما اختبره في خبرته الدينية، بل إنّه ينتظر أن يكتمل ويتنقّى في اللقاء مع تجلّي الله النهائيّ والكامل في يسوع المسيح؛ أمّا الحوار في المفاهيم الإيديولوجية الجديدة التي ولجت، وللأسف، إلى داخل العالم الكاثوليكي وبعض الأوساط اللاهوتية والثقافية فهو ـ بخلاف ذلك ـ جوهر «العقيدة» النسبية وهو نقيض «الهداية» و«الرسالة». ففي الفكر النسبي يعني «الحوار» وضعَ الموقف الذاتي أو الإيمان الذاتي على مستوى واحد مع اقتناعات الآخرين، وبهذه الطريقة يتحوّل كل شيء إلى تبادل بين مواقف متساوية أساسًا، وبالتالي، نسبية في ما بينها، وبين الهدف الأعلى، هدف الوصول إلى أقصى التعاون والتكامل بين مختلف المفاهيم الدينية.

إنّ تذويب الخريستولوجيا (طبيعة المسيح)، وبالتالي، الإكليزيولوجيا (طبيعة الكنيسة) التابعة لها، ولكنّها متّصلة بها اتّصالا لا ينفصل عنها، يصبح، إذن، النتيجة المنطقية لمثل هذه الفلسفة النسبية الموجودة، يا للمفارقة، سواء في أساس الفكر الغربي ما بعد الميتافيزيائي أو في لاهوت النفي الآسيوي، والنتيجة هي أنّ وجه يسوع المسيح يفقد طابع الوحدانية والكونية الخلاصيّتين. ثمّ إنّ كون النسبية تقدّم نفسها ـ تحت شعار اللقاء مع الثقافات ـ كفلسفة البشرية الحقّة القادرة على ضمان التسامح والديمقراطية، لهو أمرٌ يؤدّي إلى تهميش متزايد لمن يعاند في الدفاع عن الهويّة المسيحيّة وعن ادعائها نشر حقيقة يسوع المسيح الكونية والخلاصية. وفي الواقع، إنّ الانتقاد الموجَّه إلى ادعاء مطلقيّة ونهائية تجلّي يسوع المسيح المعترف به في الإيمان المسيحي يرافقه مفهوم زائف للتسامح. إنّ مبدأ التسامح كتعبير عن احترام حرّيّة الضمير والفكر والدين، والذي دافع عنه المجمع الفاتيكاني الثاني وعزّزه ثمّ اقترحه الإعلان نفسه من جديد، هو موقف أخلاقي أساسي موجود في جوهر فعل الإيمان المسيحي، لأنّه يأخذ على محمل الجدّ حرّيّة القرار الإيماني. غير أنّ هذا المبدأ، مبدأ التسامح واحترام الحرّيّة، يتم اليوم استغلاله وتجاوزه بغير حق، عندما يمتدّ ليشمل تقدير المضامين كما لو كانت جميع مضامين الديانات المختلفة وحتّى المفاهيم اللادينية أيضًا للحياة لِتُوضَعَ على مستوًى واحد، وكما لو لم تكن هنالك حقيقة موضوعية وكونية، طالما أنّ الله أو المطلق قد يتجلّى بأسماء لا تُحصى وقد تكون جميع الأسماء حقيقية. إنّ فكرة التسامح الخاطئة هذه مرتبطة بفقدان مسألة الحقيقة وبالتخلّي عنها، هذه المسألة التي يشعر بها كثيرون اليوم كمسألة لا أهمّيّة لها وتأتي في الدرجة الثانية. هكذا يبرز للنور الضعف الفكري للثقافة الحالية: فبفقدان طلب الحقيقة، لا يبقى فرق بين «جوهر» الدين و«عدم جوهره»، ولا يتميّز الإيمان عن الخرافة، ولا الخبرة عن الوهم. وأخيرًا، من دون ادعاء حقيقة بشكل جدّيّ، فإنّ تقدير الأديان الأخرى يصبح أيضًا غير معقول ومتناقضًا، لأنّه لا نعود نملك المقياس اللازم لملاحظة ما هو إيجابيّ في دينٍ ما وأن نميِّزه عمّا هو سلبي أو ثمرة خرافة وخداع.

.2  بهذا الصدد، يستأنف الإعلان تعليـم يوحنا بولس الثاني في رسالته العامّة «رسالة الفادي« (Redemptoris missio) : »ما يفعله الروح القدس في قلوب البشر وتاريخ الشعوب وفي الثقافات والأديان يحل محل تحضير إنجيلي» (رسالة الفادي، 29). يشير هذا النص بصراحة إلى فعل الروح ليس فقط «في قلب البشر»، بل أيضًا «في الأديان». مع ذلك، يضع السياقُ فعل الروح هذا داخل سرّ المسيح الذي لا يمكن فصله عنه أبدًا؛ بالإضافة إلى ذلك، إنّ الأديان تواكب تاريخ الشعوب وثقافاتها، حيث لا يمكن أبدًا الشكّ في الجمع بين الخير والشر. إذن، ليس كل ما هو موجود في الأديان يجب اعتباره تحضيرًا إنجيليًّا، بل فقط «ما يفعله الروح» فيها. من هنا تنتج نتيجة بالغة الأهمّيّة: الطريق إلى الخلاص هو الخير الموجود في الأديان بصفته فعل روح المسيح، وليس الأديان بصفتها أديانًا. وهذا ما يؤكّد عليه، علاوة على ذلك، تعليم المجمع الفاتيكاني الثاني بشأن بذور الحقيقة والصلاح الموجودة في الأديـان والثقافات الأخرى، هذا التعليم المعروض في الإعلان المجمعي: (Nostra Aetate) «إنّ الكنيسة لا ترفض شيئًا ممّا هو حقّ ومقدّس في هذه الأديان. إنّها تعتبر باحترام صادق طرق العمل والعيش تلك والمبادىء والتعاليم تلك التي، ومهما اختلفت في نقاط عديدة عمّا تؤمن به وتقترحه هي نفسها، تعكس في كل حال شعاعًا من تلك الحقيقة التي تنير جميع البشر« (Nostra Aetate, 2) .  إنّ كلّ ما هو حق وخير موجود في الأديان يجب ألاّ يُفقد، لا بل يجب الاعتراف به وتقييمه. فالحق والخير، أينما وُجدا، يأتيان من الآب، وهما من فعـل الروح القدس؛ إنّ بذور الكلمة منتشرة في كل مكان. ولكن لا يمكن إغماض العينين على الأخطاء والخداعات الموجودة هي أيضًا في الأديان. إنّ الدستور العقائدي عينه «نور الأمم» للمجمع الفاتيكاني الثاني يؤكد: «في غالب الأحيان يخالف البشر، مخدوعين من الشرّير، الصواب في أفكارهم وقد استبدلوا الحقيقة الإلهية بالكذب خادمين الخليقة بدلاً من الخالق» (Lumen gentium، 16).

من المفهوم أن تتلاقى الأديان والثقافات هي أيضًا في عالم ينمو معًا أكثر فأكثر. وهذا الأمر لا يؤدّي فقط إلى تقارب خارجي بين أناس من أديان مختلفة، بل أيضًا إلى نموّ اهتمام بعوالم دينية مجهولة. بهذا المعنى، أي بالنسبة إلى المعرفة المتبادلة، من المشروع الكلام عن إثراء متبادل. مع ذلك، لا علاقة البتّة بين هذا الأمر والتخلّي عن ادعاء الإيمان المسيحي بأنّه قد تلقّى كعطيّة من الله في المسيح الوحيَ النهائي والكامل لسرّ الخلاص، لا بل يجب أيضًا استبعاد تلك العقلية اللامبالية المستوحاة من نزعة نسبية دينية تحمل على الاعتبار «أنّ دينًا يساوي آخر» (الرسالة العامّة «رسالة الفادي» ، ( 36 .

 إنّ التقدير والاحترام لأديان العالم، وكذلك للثقافات التي حملت إثراءً موضوعيًّا لتعزيز كرامة الإنسان ولإنماء الحضارة، لا يقلّلان من أصالة ووحدانية تجلّي يسوع المسيح ولا يحدّان بأيّة طريقة من مهمّة الكنيسة الإرسالية: «إنّ الكنيسة تبشّر وهي ملزمة بأن تبشّر بدون انقطاع بالمسيح الذي هو الطريق والحق والحياة (يوحنّا 14، 16) والذي يجد البشر فيه ملء الحياة الدينية والذي فيه صالح الله كل الأشياء معه (Nostra Aetate، 2). وفي الوقت نفسه، تدلّ هذه الكلمات البسيطة إلى سبب الاقتناع الذي يعتبر أنّ ملء وكونيّة وتمام وحي الله موجودة في الإيمان المسيحي فقط. ولا يكمن هذا السبب في تفضيل مزعوم أعطي لأعضاء الكنيسة، ولا يكمن في النتائج التاريخية التي بلغتها الكنيسة في مسيرتها الأرضيّة بل في سرّ يسوع المسيح، الإله الحقّ والإنسان الحقّ، الموجود في الكنيسة. إنّ إعلان المسيحية للوحدانية والكونية الخلاصيتين يأتي جوهريّا من سرّ يسوع المسيح الذي يواصل حضورَه في الكنيسة، جسدِه وعروسِه. ولذا، تشعر الكنيسة بأنّها ملتزمة بطبيعة تكوينها، في تبشير الشعوب. وفي السياق الحالي أيضًا، المتّسم بتعدّدية الأديان وبمقتضى حرّيّة القرار والفكر، تدرك الكنيسة أنّها مدعوّة «إلى تخليص وتجديد كل خليقة، لكي تكون جميع الأشياء مجمَلة في المسيح ولكي يشكّل البشر فيه عائلة واحدة وشعبًا واحدًا ) »المرسوم  Ad gentes، (1   .

مع تأكيده من جديد على الحقائق التي نادى بها دائمًا إيمان الكنيسة وحافظ عليها حيال هذه المواضيع، ومع صيانة المؤمنين من أخطاء وتفسيرات ملتبسة ومنتشرة حاليًّا، يقوم إعلان «الربّ يسوع» لمجمع عقيدة الإيمان، الموافق عليه والمؤكّد من الأب الأقدس ذاته، certa scientia e apostolica auctoritate، بدورين: إذ يُقدّم نفسه من جهة كشهادة أخرى ومجدَّدة ذات سلطة نافذة، ليبيّن للعالم «بهاءَ إنجيل المسيح المجيد» (2 إلى أهل كورنتس 4، 4)؛ ومن جهة أخرى، يدلّ إلى الأساس العقائدي الذي لا تخلّي عنه بأنّه ملزم للمؤمنين، هذا الأساس الواجب أن يهدي ويوحي ويوجّه سواء التفكير اللاهوتي أم العمل الرعوي والإرسالي لجميع الجماعات الكاثوليكية المنتشرة في العالم.

Copyright Libreria Editrice Vaticana - 00120 Cittą del Vaticano

جميع الكلاسيكيات المسيحية    Ratzinger_Dominus_Iesus.pdf