جماعة "روح وقـوّة "                             دير الملاك جبرائيـل

 

"مجد الله هو الإنسان الحيّ"..

قراءة في الأنثروبولوجيا المسيحيّة عند القديس إيرناوس

بقلم: الأب بسّام آشجي

مقدّمة

تتميّز المسيحيّة بنظرة فريدة، ليس عن الله وحسب، بل عن الإنسان أيضاً. فاللاهوت المسيحيّ (الثيولوجيا) لا يحاول فهم "من يكون الله" إلا لكي يسير نحو فهم "من يكون الإنسان" (الأنثروبولوجيا)، والعكس صحيح: كلّما تساءل الإنسان عن ذاته "من أنا" شدّه السؤال عن الله.

منذ إيرناوس (القرن الثاني) (أنظر الحاشية رقم1) يظهر الإنسان هدف الله في الخلق والغاية (الخلاص): "مجد الله هو الإنسان الحيّ" (2). والإنسان بدوره لا يستطيع أن يتلقّى "مجد الله" وبالتالي "الحياة" بدون اكتشافه وعيشه "المشابهة" معه، يتابع إيرناوس مستكملاً الجملة السابقة: "وحياة الإنسان معاينة الله". هناك ارتباط بين حياة الإنسان ومجد الله من جهة، ومعاينة الله وحياة الإنسان من جهة أخرى. أي أن كافة مظاهر حياة الإنسان تمجّد الله، وكافة مظاهر معاينة الله تحيي الإنسان.. يقول الأب تيار دو شاردان اليسوعي (العالِم في علوم التطوّر والأنثربولوجيا البيولوجيّة والمستحاثّات) :"إذا كنت منذ حداثتي أحببت وسبرت الطبيعة والكون باكتمال وبعقيدة متزايدة، فأني لا أستطيع القول ما فعلت ذلك كعالِم بل كمتعبّد، ويبدو لي أن كل جهد لديّ، وحتى لو تناول شيئاً طبيعيّاً صرفاً، كان أبداً جهداً روحيّاً دينيّاً، ووحيداً بجوهره. وإني لمدرك بأني سَمَوُت في كلّ شيء إلى المطلق. ولو كان هدفي غير هذا الهدف لما كانت لي الشجاعة على العمل، حسبما أعتقد. إن العلم (أي كلّ أشكال النشاط البشري وحيويّة الإنسان) والدين ما كانا في نظري إلا شيئاً واحداً. كلاهما بالنسبة إليّ سعي إلى غاية واحدة" (3).

إنَّ إعجاب إيرناوس بالإنسان المبدع على صورة الله والمدعو إلى التمثُّل به، يدعوه إلى الدفاع عن وحدة الإنسان، أمام الأفلاطونيّة التي تقسّم الإنسان إلى نفسٍ وجسد، وترى أن الجسد هو سجن له. كما يردّ على الغنوصيّة (4) التي كانت تحتقر المادّة وبالتالي الجسد. لقد خلق اللهُ الإنسانَ "في صميم المادة، والمادّة أصلاً من خلق الله، والله لا يصنع ما هو محتقر.. فالإنسان ليس روحاً سقط في جسد، بل هو جسد مقدّس، "مروحَن"، لأن الروح القدس يسكنه فيضمن وحدته وعدم قابليته للفساد (5). لقد أُعجب الله بالإنسان ككلّ، ككيان واحد، وصار إنساناً بيسوع المسيح في عمق المادّة. ولو كانت المادّة سيّئة لما تجسّد المسيح، أو لكان تجسُّده "ظاهريّاً" فقط. حتى لو لم يخطأ الإنسان رغب الله بالتجسُّد لشّدّة إعجابه بالإنسان (ككلّ، ككيان واحد) (6). إن أنثروبولوجيّة إيرناوس هي نفسها خريستولوجيّته (مفهومه لشخص المسيح) ومفهومه للخلاص ولعلاقة الله بالبشر، وبمعنى آخر لم يفهم إيرناوس "العقائد" المسيحيّة كنظريات مجرّدة. إنّ كلّ ما في "الإيمان المسيحيّ" يخصُّ الإنسان وسعادته. وما استعمال الآباء بشكل عام لفكرة "تأليه الإنسان" (Divinisation) سوى تأكيد على توهج إنسانيته بالانتماء العميق لله، بالبنوّة له.

تدبير الله هو سعادة الإنسان:

لقد سعى إيرناوس أن يعطي قراءات لاهوتيّة للعديد من المفاهيم. فنستطيع أن نقول أنه من ابتكر "لاهوت الزمن" و"لاهوت التربية" ولاهوت التدبير"، وفتح الأفق واسعاً لاستعمال تعبير "تاريخ الخلاص". يقول: "إن الله كان يرسم كمهندس مخطّط الخلاص.. وهكذا بطرق متنوّعة كان يُهيّئ الجنس البشري لسيمفونيّة الخلاص" (7). إن هذا "التدبير" (Ico-nomiya باليونانيّة تعني "تدبير البيت") يجعل الله يعير أهميّة "للزمن" و"تدرّجه"، فالمحبوب يعيش في واقع يختلف عن المحب، فالله لا ينفكّ إلا ويراعي "بتربويّة" واقع "الزمن" عند الإنسان (8)، "فكان عليه أن يُصنع أولاً، وبعد أن يُصنع ينمو، وبعد أن ينمو يصير بالغاً، وبعد أن يصير بالغاً يتكاثر، وبعد أن يتكاثر يقوى، وبعد أن يقوى يُمجَّد، وبعد أن يُمجَّد يعاين الله أخيراً" (9).

إصلاح كل شيء وإحيائه بالمسيح (Récapitulation) (10):

سبق بولس، قبل إيرناوس، فعلّم أنّ المسيح، بكر الخليقة الجديدة، قد أعاد إلى الإنسان جماله الأصلي الذي فقده، يقول: "بما أنّ الموت كان بإنسان، فبإنسان أيضاً قيامة الأموات. فكما أنّه في آدم يموت الجميع، كذلك أيضاً في المسيح سيحيا الجميع" (1 كور15: 21 - 22). وهكذا راح إيرناوس، على غرار بولس، يعلَّم أنّ المسيح قد أعاد الاعتبار إلى الخليقة وجدّدها: "لمّا تجسّد المسيح وصار إنساناً أصلح بذاته كلّ البشر، وأعطانا الخلاص مختصراً لنا الطريق بحيث إنّ كلّ ما فقدناه بآدم، أي أن نكون على صورة الله ومثاله، قد استرجعناه بالمسيح يسوع" (11). فالمسألة مسألة اختيار بين آدم وآدم الجديد.

التجسّد من أجل التأليه (Théosis):

يربط إيرناوس هذه الأنثربولوجية بالمفهوم عن المسيح (الخريستولوجيا)، أي أننا لا نستطيع فهم ماهيّة الإنسان إلا بالنظر إلى يسوع "آدم الجديد"، لأنّ الإنسان كُوّن "حتى في جسده على صورة الابن "العتيدة ولادته" (12). وما الغاية من التجسُّد سوى إعادة "المجد" للإنسان، "فالمسيح صار إنساناً، مرئياً وملموساً ليجعل الإنسان يشترك في حياة الله" (13). وهكذا "صار الإله إنساناً ليصير الإنسان إلهاً" (14). أي أنه في إنسانيّته المتشبّهة بالمسيح، آدم الحقيقيّ، يختبر البنوّة لله. وهذا لا ينفي حريّة الإنسان بل على العكس يجعلها أكثر توّهجاً ولمعاناً ويجعلها "تنضج" (15). التألُّه أو البنوّة لله (الخلاص) هو عيش ملء الإنسانيّة على غرار يسوع.

خاتمة

"إن كنت عمل الله فانتظر بصبر الذي يصنع كل شيء في الوقت المناسب، وأعني في الوقت الذي يناسبك أنت الذي صُنِع. فقدِّم له قلباً ليناً وطيّعاً. واحفظ الصورة التي يُعطيك إياها الصانع، وليكن فيك الماء (الذي يرمز إلى الروح القدس) الذي يأتي منه، وبدونه تقسو، وبصمات أصابعه تزول عنك. بمحافظتك على الصورة، ترتقي إلى الكمال، فبالفنّ الإلهيّ، ينحجب الخزف الذي فيك. إن يده قد خلقت جوهرك، وهي التي ستكسوك بالذهب الخالص والفضّة في الداخل والخارج (خروج 25/11)، وتزيّنك بحيث يصبو الملك نفسه إلى حسنك (مز44/12)" (16).

 

الحواشي

1)    ولد إيرناوس ("سلام" بالعربيّة) في مدينة إزمير حوالي سنة 140، وكان منذ صغره يتردّد إلى كنيسة المدينة ليستمع إلى إرشادات القدّيس بوليكاربوس تلميذ يوحنا الرسول. رُسم كاهناً في عهد الإمبراطور مارك أوريل، ثمّ ذهب إلى مدينة ليون بفرنسا لأسباب نجهلها، وصار أسقفها فيما بعد. يذكر أوسابيوس المؤرّخ صاحب كتاب "التاريخ الكنسي" (القرن الرابع) مؤلَّفََين مهمّين وضعهما إيرناوس: "إيضاح التعليم الرسوليّ"، و"كشف الغنوصيّة الباطلة والكاذبة ودحضها"، أو "ضدّ الهراطقة" وهو العنوان الأكثر شهرة.. توفّى حوالي سنة 203 أيَّام الإمبراطور سبتيموس ساويرس، ولا يستبعد أن يكون من عداد الشهداء الذين قُتلوا في مدينة ليون آنذاك.

2)     إيرناوس، كتاب "الإيضاح الرسوليّ": 4، 20، 7 ؛ بقي هذا الكتاب مفقوداً لا يعرف عن فحواه شيء إلى أن أخرجه إلى النور العلاّمة الأرمنيّ درمكردجيان سنة 1907.. نقلاً عن: QUASTEN (J.), Initiation aux Pères de l' Église; Cerf, Paris, 1955.

3)    عن نشرة "عالمي"، عدد 14/4/ 1918

4)    أن كلمة "غنوصيّة" متحدّرة من أصل يوناني (غنوسيس) وتعني المعرفة وتسمّى أحياناً "العرفانيّة". وهي هرطقة نشأت في القرن الثاني وهدّدت المسيحيّة آنذاك. ترجع جذورها إلى عهد الإسكندر المقدونيّ (334 – 324ق.م) يوم غزا الشرق ونشر في كل أرجائه الفكر اليوناني . وقد تكونت النواة الأولى من مزيج من الديانات الشرقيّة القديمة، خصوصاً في بلاد فارس، ومن الفلسفة اليونانيّة أيضاً، السائدة آنذاك. كما ورثت عن الديانات الشرقيّة القديمة مبدأ الثنائيّة (Dualisme) المطلقة بين الله والكون، وبين النفس والجسد، وبين الشرّ والخير، وبالمقابل فقد حصلت على قوتها النظرية ومتانتها من الفلسفة اليونانية. تنطلق الغنوصيّة من فكرتين أساسيتين: فكرة "الله المتسامي المتعالي" المأخوذ عن الديانة الوجوديّة، التي تركّز على الهوّة القائمة بينه وبين الإنسان؛ وفكرة "المادة السيّئة بحد ذاتها"، لأنها تؤثّر على الإنسان وتُبعده عن الله. تهدف الغنوصيّة المسيحيّة إلى إضفاء صبغة عقليّة وفلسفيّة على الأسرار والتعاليم المسيحيّة. فالمعرفة (gnosis) ينبغي أن تحلّ محلّ الإيمان وأن تفسّر كلّ شيء على ضوء العقل، وبدل أن تُستعمل الفلسفة في خدمة الإيمان، استعملت المعطيات المسيحيّة في دعم النظريّة الغنوصيّة.

5)    أدَلبيرت.ج. همّان،"دليل إلى قراءة آباء الكنيسة"، ترجمة أ. صبحي حموي اليسوعي، دار المشرق، بيروت2002، ص 38

6)     أنظر:  EVDOKIMOV (P), L’Orthodoxie, Théophanie, Paris, 1979, p146

7)    إيضاح... المرجع السابق، 4، 33، 15

8)     Houssiau (Albert), La Christologie de Saint Irénée, Louvain, 1955,p 98

9)     إيضاح...، 4، 38، 3

10)   التعبير في النص الأصليّ اليونانيّ: Anakefalaiosis

11)    كتاب "ضد الهراطقة"،211.. نقلاً عن:

CF. IRÉNÉE DE LYON, Adversus Haereses, coll. Sources Chrétiennes, , Paris, Cerf, 1974, p 343

12)    المرجع نفسه.

13)    إيضاح.. 4، 14، 2

14)   أنظر:CF, ALTANER (BERTHOLD), Précise de Patrologie, Paris, 1961, p 216.

15)   إيضاح 5، 29، 1

16)  المرجع نفسه 39، 4، 2