جماعة "روح وقـوّة "                             دير الملاك جبرائيـل

 

الحوار سبيل المسيحية

المونسنيور بيوس قاشا- العراق

تحت شعار "كلمة سواء" وبرعاية رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي أقام إتحاد علماء المسلمين في العراق يوم الاثنين 3 تشرين الثاني 2008 مؤتمر الحوار الاسلامي المسيحي في فندق الرشيد ببغداد بهدف تحقيق أفضل صور التواصل والحوار بين علماء الاسلام وعلماء المسيحية ولتعميق اواصر الوحدة الوطنية بين أبناء العراق. وفي هذا السبيل كان هذا المقال من المونسنيور بيوس قاشا، راعي كنيسة مار يوسف للسريان الكاثوليك في بغداد:

نعم، لا زالت الإنسانية بأسرها تحت صدمة أحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001، وأقولها خائفاً أن الكثير من أبناء شرقنا العزيز لا زالوا يتألّمون من جرّاء ذلك، وأصبحوا مهجَّرين، بل مضطهدين من أناس أصوليين، وأصبحت الأقليات الأصيلة الأوطان بلا وطن، كما أصبح وجودهم قضية موت أكثر منه حياة، بل موت شنيع ومؤكَّد، ولا زال الإرهاب والنزاعات والحروب الإقليمية تعمل من أجل تدمير الإنسان، كل إنسان.

وفي هذا الشرق، المسيحيّون والإسلام توأمان لا ينفصلان في مجتمعاتِنا، وأيّ مساسٍ بأحدهما يضرّ الآخر ويشوّه وجهَه وحقيقة إيمانه. وفي هذا تكون مصداقيّة الأديان على المحكّ، كما يقول رئيس المجلس الپاپوي للحوار بين الأديان، الكاردينال بول بوبار (في رسالته بمناسبة ختام شهر رمضان، 20 تشرين الأول 2006): "ويبقى الكثيرون يتساءلون عن مدى إنسجامنا مع ذواتِنا كرجال ونساء يسجدون لله.. إنّ العالم اليوم بحاجة إلى مسيحيين ومسلمين يتبادلون الإحترام، كما يؤدّون شهادة المحبة ويعملون معاً وقدماً في درب الحوار عبر حوارٍ أكيد بل واجب من أجل عيش السلام في بلاد الله الشاسعة بل الواسعة لمنع دخول الحقد والكراهية والعدوانية قلب الإنسان الذي يضيع كل شيء، وتبدأ العنصرية والطائفية والأنانية والأصولية بحصادها ودمارها للحياة كما يفعل الجراد وتحرق الأخضر واليابس، وتدمّر ما بنته الإنسانية المتطلعة إلى حياة آمنة، وتهدم أركان السلام، وتشوّه وجه الحقيقة السماوية.. من هنا تبدأ رسالتنا في سلوك درب الحوار. إذ العالم بحاجة إلى مسيحيين ومسلمين يتبادلون الإحترام والتقدير، وعليهم العمل معاً والمضي قُدُماً في درب الحوار.

والدين حوار ورسالة السماء إلى الأرض من أجل الإنسان في عيش مبادئ وقيم الحق والحب والتسامح والإخاء عبر تكريس القيم والمثل العليا، ولكنه ينقلب إلى حالة سلبية عندما يدار بأيدي مجموعة من المتعصبين ممّن نصبوا أنفسهم ناطقين بلسان الحق، يحلّلون ويحرّمون، يفسّرون جانباً ويغفلون جوانب، فيرفعون شعارات التعصب والإنكفاء وإلغاء الآخر، ويدعون إلى فرض لائحة من اللاءات والمحرّمات، عندئذٍ يصبح هذا الدين أداة سلبية وليس غاية حميدة كما ينبغي أن يكون. ولا يجوز أن يتحول إلى قنابل عنقودية مؤقتة لتفجير التناقضات والصراعات الدينية والطائفية كافة. ومن خلال تصميم أنا التديّن المستندة على ما يسمى الوثوقية التي تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، ثم القضاء على مفهوم مساواة البشر أمام الله ورفض الآخر وإقصائه.

إذا كانت قد نشأت على مرّ القرون منازعات وعداوات كثيرة بين المسيحيين والمسلمين فالمَجْمَع الفاتيكاني المقدس يحثّ الجميع على أن يتناسوا الماضي، ويتصرفوا بإخلاص إلى التفاهم المتبادل، ويصونوا ويعزّزوا سوية العدالة الإجتماعية والخيور الأخلاقية والسلام والحرية لفائدة جميع الناس (تصريح "في عصرنا"، رقم 3).

نعم، طريق الحوار دعت إليه الكنيسة ولا زالت عبر أحبارها العِظام وعلى مرّ أزمنة التاريخ وبالخصوص الإلتفاتات الإنسانية والكنسية التي بدأها نبي الرجاء وخادم الله البابا يوحنا بولس الثاني طوال فترة حبريته تجاه جميع الأديان غير المسيحية، وبالخصوص مؤمني الديانة الإسلامية، ومن هؤلاء الأحبار أيضاً البابا بندكتس السادس عشر المالك سعيداً الذي يعمل جاهداً على تنمية الحوار بين الشعوب والديانات المختلفة إيماناً منه بأن السلام يصنعه الحوار. وحاثّاً جميعَ سامعيه وقارئيه ومشاهديه إلى سلوك السبيل الوحيد للعيش المشترك، ألا وهو الحوار.. نعم، الحوار الصادق والحقيقي، والمبني على إحترام كرامة كل كائن بشري، وبالخصوص بين أبناء الديانات المختلفة.

إنّ العلاقات مع المسلمين قد تنامت في السنوات الاخيرة، وأصبح من الضرورة أنْ يكون الحِوار الحلّ السلمي والأكيد للتفاهم والتعايش على جميع الأصعدة.. وغربلةَ كلّ شيء لإنتخاب ما هو أفضل، وفيه تكمن أمور إيجابية نحافظ عليها، وأمور سلبية علينا التخلّي عنها لكي نُصبح قادرين على إقامةِ حوارٍ حقيقي بين الحضارات والأديان.. وإيماناً منه بحقيقة حمل سلاح الحوار، فقد أَعْرَبَ قداستُه، منذ تسنّمِه رئاسة الكنيسة الجامعة، عن رضاه على تقدّم الحوار بين المسلمين والمسيحيين على الصعيد المحلّي أو العالمي، فقد قال: "أُعرِبُ عن رِضايَ على تقدّم الحوار". كما يؤكد دائماً: "إنّ الكنيسة تريد متابعة بناء جسور الصداقة بهدف نشدان الخير الحقيقي لكلِّ إنسان". فجهود التلاقي والحوار هما مساهمة قيّمة في بناء السلام، لأنّه قد غدا لِزاماً على المسلمين والمسيحيين الإنخراط في حوار نابع من العقل النيّر، حوار صادق وأصيل، حوار مبنيّ على الفكر، حوار مبنيّ على محبة الله ومحبة القريب، حوار مبنيّ على احترام كرامة وحرية كل شخص، لأن الإنسان -حسب إيماننا المسيحي- خُلِقَ على صورة الله ومثاله، حوار يرتكز على الحقيقة وتُحرّكه الرغبة الصادقة في التعرّف على بعضنا البعض، في التعرّف على الفوارق والقبول بها عِبْرَ الغفران والمسامحة.

ففي الحوار وتبادل الآراء بالحُسنى تزول الفوارق وتتلاشى الأحقاد، ويرى كلّ إنسان في الآخر تتميماً له وليس نقيضاً. فالحوار وحده يعبّر عن إحترام الآخرين، ويحفظ المصالح المشتركة دون الحاجة للجوء إلى العنف. وهو وحده يجعلنا أنْ نتخطّى كافة التوتّرات بروح تفاهم ومثمر من أجل بناء وإقامة علاقات حقيقية وصادقة، كما يحثّ الجميع إلى سبيل الصفح والغفران والمصالحة، وتُتَوِّجُهُنَّ المحبة.. ودون هذه الصفات الأساسية في ركيزة الحياة، لا يمكن بناء السلام الحقيقي الذي تنشده شعوب الأرض قاطبة.

فالحوار لا يمكن أنْ يكونَ خياراً إضافياً، يقول البابا بندكتس السادس عشر، بل هو ضرورة حيويّة يتوقّف عليها مستقبلنا. إذن، الحوار وليس دائماً سهلاً وخالياً من الصِعاب، بل ربما سوء التفاهم والأحكام المسبَقَة قد يشكّلان عائقاً في وجه هذا الحوار، وقد تُقابَل اليد الممتَدّة بِمَوَدَّة وصداقة إلى الشخص الآخر بالرفض. وبما ان الحوار ضرورة حيوية فهو يتطلّب صبراً لا حدود له، ومثابرةً يومية حياتية، وإلى هذا فالمسيحيون والمسلمون مدعوّون جميعاً للمُضي قُدُماً مهما إشتدّت الصِعاب، ومهما عَلَت الأصوات، في بناء حوار حقيقي مبنيّ على الحقيقة. فالحياة، يقول بندكتس السادس عشر، لاسيّما الحياة البشرية، هي مُلْكٌ لله وحده، ولذا فكلّ مَن يتعدّى على حياة الإنسان فكأنه يتعدّى على الله نفسه. وعندما يفقد الإنسان معنى الله، فهو يجنح إلى فقدان معنى الإنسان أيضاً وكرامته وحياته. حياة الإنسان هِبَةٌ من عند الله وهي عطيّته وصورته، والله هو إذن وحده سيد الحياة، ولا يسوغ للإنسان أنْ يتصرّف بها، فعلينا أنْ نحب ما يحبّه الله ويرضاه ونبتعد عمّا لا يحبّه.

ومهما كان الحوار طويلاً أو قصيراً، صعباً أو سهلاً، فهو رسالة سماوية رسمها الله لنا من أجل العيش بالمحبّة والمسامحة والغفران، وهناك أمثلة كثيرة في كتبنا المقدسة حيث الحوار هو الركيزة بين ربّ السماء وابن الأرض. فالمسيح عيسى الحي يقول في الانجيل الطاهر:"أذهب وصالح أخاك ثم عد وقدم قربانك يعني اذهب وحاوره لكي يتطهر القلب وتصفى النية ثم تقدم الذبيحة" (إنجيل لوقا- إنجيل الحوار).

وهذا يتطلّب منا ثَلم أَسِنَّة الرماح، وكَسْر كبرياء السلاح، والإبتعاد عن أعمال العنف والدمار، من أجل تعزيز وتمتين وصقل سلاح الحوار في إبعاد السياسة عن سموّ رسالة السماء، لتكون رسالة الإعتراف بحضور الآخر وحقوقه في المحبة والغفران، لأنهما أساسان جوهريان لبناء السلام عبر فتح قلوبنا للآخرين، والسير معهم في الطريق التي أعدّها الله لنا، كما يدعو إلى ذلك پولس رسول الأمم. وكفانا تدميرَ الحوار الأخوي الذي فيه نحارب سلاحَ الحوار، ونطرده من دروبِنا، ونَنْقَضُّ عليه لنفترسَه، وندمّر معالِمَه ومعانيه، ونقضي على حاملي راياتِه، ومبشّري اسمِه، بل علينا أنْ يكون حوارُنا حوارَ المحبة، لأن الله محبة.

نحن اليوم بحاجة ماسة وعميقة جداً لتفعيل الحوار وتوسيعه وفق الإقرار بالتعددية والإيمان بها، لذا كان من المنطق والعقل أن يتوصل البشر إلى قانون أو عقد إنساني يمنع التعرض لمقدسات الناس جميعاً ما دام جميعهم مؤمنين بأنبيائهم ورسلهم وإله واحد، حتى الذين يؤمنون على طريقتهم ينبغي أن يشملهم هذا العقد الإنساني تماشياً لزرع الفتن الكبرى التي تعمل عليها أيادٍ بغيضة وسوداء وحاقدة ومعتاشة فقط على صناعة الفتن والحروب. ففي ذلك يقول الإمام علي بن أبي طالب:

والله ... لو واليت لي الوسادة لحكمتُ بأهل القرآن بقرآنهم، وأهل الإنجيل بإنجيلهم، وأهل التوراة بتوراتهم، وأهل الزبور بزبورهم ... وأخرى: الناس صنفان: أما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق، مما يعني تجسيداً حقيقياً لعدم جواز تكفير الآخر، وبالتالي القبول الإنساني المتبادل بين الناس.

نَعَم، إنّ دعوتَنا في الحقيقة تكمن في حوارٍ مشترك، حوار المحبة. فنحن وكلاء لرسالة السماء، وعلى الوكلاء أنْ يكونوا أُمَناء في حمل سلاح الحوار ليس إلا وإلا سنكون في عداد تجار الحروب باسم الله والدين.

[email protected]