جماعة "روح وقـوّة "                             دير الملاك جبرائيـل

  

هبات الروح القدس

أصلها وإشكاليّاتها

الأب سامي حلاق اليسوعي

الأقنوم المنسي

الروح القدس هو الأقنوم المنسي. قد يكون في هذا الكلام بعض المبالغة، لكنّنا حين ننظر إلى بهجة احتفالات أعياد الميلاد والشعانين والفصح، أو حتّى إلى بهجة احتفالات أعياد بعض القدّيسين أمثال العذراء مريم ومار الياس ومار جرجس والقدّيسة بربارة، وقارنّاها ببهجة الاحتفال بعيد الروح القدس في يوم العنصرة، لرأينا أنّ الفارق كبير جدّاً. ولو سمعنا صلوات المؤمنين العفويّة، وانتبهنا إلى مَن يوجّهونها، لما وجدنا كثيرين يذكرون الروح القدس. ولو أحصينا عدد الكنائس الّتي تحمل اسم الروح القدس أو هباته، وقارنّاه بعدد الكنائس الّتي تحمل اسم العذراء مريم أو ألقابها، لراودنا السؤال: "لماذا يغيب الروح القدس بهذه الطريقة عن ذاكرة الناس؟"

قد يعترض بعضهم ويقول: " لكنّ الروح القدس حاضر في كلّ صلاة. وهو الّذي يحرّكنا من الداخل كي نصلّي (را. روم 8/26). كما أنّنا نذكره مراراً في الصلوات الطقسيّة لجميع الليترجيّات والطقوس." إنّ هذا الكلام صحيح وسنخصّص له حديثاً منفرداً يلقيه سيادة المطران أنطوان أودو. ومع ذلك فإنّ الروح القدس منسيّ، وقلّما يخطر ببال مؤمنٍ أن يوجّه إليه صلاته. ولهذا النسيان أسبابه. فالآب تكلّم في العهد القديم، وتعامل مباشرةً مع شعبه. لذلك يستطيع الإنسان أن يكوّن عنه صورةً في مخيّلته. والابن تجسّد وعاش بيننا، فرأيناه وسمعناه ولمسته يدانا (1يو1/1). لذلك يستطيع الإنسان أن يكوّن عنه صورةً في مخيّلته، حتّى وإن لم يعش معه. أمّا الروح، فلم يقل شيئاً، ولم يجادل أحداً. إنّه كالريح، لا ندري من أين يأتي ولا إلى أين يذهب (يو 3/8).

وبما أنّ الإنسان يحتاج في عبادته إلى ما هو ملموس، أُهمِلَ الروح بدون قصد، فتوجّه في صلاته إلى ما له صورة في مخيّلته، أي إلى الأقنومَين الآخرَين: الآب والابن، اللذَين كشفا عن ذاتيهما بالقول والفعل، فتمكّن الإنسان من تخيّلهما انطلاقاً من تجلّياتهما.

إنّ اسم الروح يشير إلى أنّه غير ملموس، وإلى أنّ الحواس الخمس لا تستطيع أن تدركه. وللتغلّب على هذه المشكلة، استعمل الكتاب المقدّس صوراً كثيرة لإظهار عمله. فهو يريح وينعش (الريح)، ويحيي وينقّي (الماء)، وينير ويهدي (النار)، ويقوّي ويشفي (الزيت)، ويطمئن ويزرع السلام (الحمام).

غائب عن الحواس وحاضر في الخلاص

كان الروح حاضراً منذ بداية الخليقة "يرفّ على وجه المياه"(تك 1/2). وكان حاضراً في النَفَسِ الّذي جعل آدم إنساناً حيّاً (تك 2/7)، وفي الريح الّتي شقّت مياه بحر القلزم (خر 14/21)، وفي النار الّتي التهمت ذبيحة إيليّا (1مل 18/38). وكثيراً ما ذكره الأنبياء والمزامير. وفي حياة يسوع، حلّ على مريم العذراء لتلد مخلّص العالم (لو 1/35)، وظهر في هيئة حمامة عندما تعمّد يسوع على يد يوحنّا المعمدان (متى 3/6)، وقاد يسوع إلى البرّيّة (متى 4/1)، وجعله يرتعش في أثناء حياته التبشيريّة، لأنّ الآب أظهر للصغار ما أخفاه عن الحكماء والفهماء (لو 10/21). وقبل الآلام، وعد يسوعُ تلاميذَه بأن يرسل لهم الروح القدس، وشرح لهم ما سيفعله هذا الروح فيهم (يو 16/7-14)، وأتمَّ وعدَه بعد القيامة (يو 20/22-23).

فالروح القدس حاضر في التاريخ منذ بداية الكون، على الرغم من غيابه الملموس. وسيظلّ حاضراً حتّى نهاية الأزمنة. إنّه الروح الّذي يجدّد الخليقة، ويجعل حياة الإنسان سالمة وسليمة ومستسلمة لله. إنّه الله المقيم فينا. ففي العهد القديم، أظهر الله أنّه مع شعبه، فكان "الله معنا". وفي التجسّد، عاش الكلمة مع الناس، فكان "الله بيننا". وفي العنصرة، حلّ الروح القدس على التلاميذ، فكان "الله فينا". وهو لايزال يعمل في كلّ مؤمنٍ، ليقود الخليقة إلى خالقها. أمّا طريقة عمله، فتتمّ بمنح النفس هباتٍ(1) ورد ذكرها في نبوءة أشعيا.

من ستّ هبات إلى سبع

يقول أشعيا النبيّ في وصفه للمشيح: "ويخرج فرع من جذع يسّى، وينمو فرع من أصوله، ويحلّ عليه روح الربّ، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوّة، روح المعرفة والورع (والتقوى ومخافة الرب)" (11/1-2).

في النصّ العبريّ، لا يذكر النبيّ أشعيا سوى ستّ صفات للروح الّذي يحلّ على مسيح الرب. الأولى هي الحكمة، والخمس التالية: الفهم والمشورة والقوّة والمعرفة والورع، هي تفصيل لروح الحكمة المعطاة. أمّا سبب الانتقال من ستّ صفات للروح إلى سبع صفات فقد وردنا في القصّة التالية:

في القرن الثالث قبل الميلاد، دعا الإمبراطور بطليمُس الثاني الفيلادلفي (285-246) اثنين وسبعين عالم شريعة يهوديّ كانوا يعيشون في مدينة الإسكندريّة، وطلب منهم أن يترجموا الكتاب المقدّس من العبريّة إلى اليونانيّة، لإغناء مكتبة الإسكندريّة الشهيرة. فرحّب معلّمو الشريعة بهذا الطلب، لأنّ غالبيّة يهود الشتات، المنتشرين في حوض البحر الأبيض المتوسّط، كانت تجهل قراءة اللغة العبريّة وفهمها. فقد ولِدَ هؤلاء وتربّوا في أجواء الثقافة اليونانيّة، وأطلِقَ عليهم اسم اليهود الهلّينيّين (را. رسل 6/1). وبوساطة هذه الترجمة، سيتمكّنون من قراءة الكتاب المقدّس، ومن التعمّق في شريعة الرب وتأمّلها وحفظها.

وباشر علماء الشريعة بالترجمة، الّتي سُمّيَت فيما بعد باسم الترجمة السبعينيّة، نسبةً إلى عدد المترجمين. وتقول الأسطورة، الّتي رواها أرسطوبولس اليهوديّ المصري، إنّ المترجمين عمِلوا منفردين، فجاءت ترجماتهم متطابقة. لكنّ الحقيقة هي أنّ عمليّة الترجمة استغرقت أكثر من مئة سنة. وهناك كتب من العهد القديم تُرجِمَت بعد ذلك بكثير، ومن بينها سفر أشعيا.

على كلّ حال، حين وصل المترجمون إلى المقطع الّذي ذكرناه أعلاه من نبوءة أشعيا (11/2)، احتاروا في ترجمة كلمة "ورع" العبريّة، إذ ليس لها ما يكافؤها في اللغة اليونانيّة. فحلّلوا معنى الكلمة، ورأوا أنّها تشير إلى الهيبة والخوف في آنٍ واحد، فترجموها بكلمتين: التقوى ومخافة الرب.

الورع هو مخافة وتقوى

المخافة :

لقد اعتمد المترجمون في اختيارهم لهذه الكلمة على التقليد الكتابي. فمنذ أيّام موسى، يعتبر العبرانيّون أنّ مَن يرى الله يهلك. لأنّ موسى سأل الله أن يريه وجهه، فأجابه الرب: "أمّا وجهي، فلا تستطيع أن تراه، لأنّه لا يراني الإنسان ويحيا" (خر 33/20). وحين رأى أشعيا الله صاح مذعوراً: "ويل لي، قد هلكتُ، لأنّي رجل نجس الشفتين... وقد رأت عينايَ الملك ربّ القوّات" (أش 6/5، را. قض 13/22-23). فبما أنّ الورع يرتبط بالعلاقة مع الله، لابدّ لهذه العلاقة أن تولّد شعوراً بالخوف.

وحين نقل آباؤنا العرب نصوص الكتاب المقدّس إلى اللغة العربيّة، لاحظوا أنّ لكلمة خوف معنىً سلبيّاً. فالإنسان يخاف حين يواجه شرّاً. لذلك صحّفوها وجعلوها "مخافة"، كي لا تعبّر الكلمة عن الشعور الّذي ينتاب الإنسان أمام الشرّ والخطر. لأنّ الحضور أمام الربّ مصدر للسلام والأمان. ولكنّه يُشعِرُ الإنسان في الآن نفسه بالهيبة والرهبة.

التقوى :

وتشير كلمة ورَع أيضاً إلى طريقة في العبادة. فشعور الرعدة الّذي يشعر به المؤمن أمام عظمة الله ليس رعدة عبدٍ أمام سيّده، بل رعدة ابنٍ أمام أبيه. وهو نابع من الاحترام الشديد الّذي يكنّه الابن لأبيه لا من الخوف الشديد الّذي يكنّه العبد لسيّده. وهذا الاحترام هو الهيبة، الّتي عبّر المترجمون عنها باستعمال كلمة تقوى، ليكون لهذه الكلمة طابعاً دينيّاً. فمَن نهابه ونخشع أمامه هو الله لا إنسان.

عندما ظهرت الترجمة السبعينيّة، لم يحتجّ أحد على تحويل صفات الروح من ستّ صفات إلى سبع، بل رأى كثيرون في هذا التحوّل إلهاماً ربّانيّاً. فالرقم سبعة يعني الكمال. وبالتالي، فإنّ مسيح الربّ ينال كمال الروح. وقد أكّد على ذلك يوحنّا الإنجيليّ حين ذكر في رؤياه المصابيح السبعة الّتي هي أرواح الله السبعة (رؤ 4/5).

من روح المعموديّة إلى روح التثبيت

متى ينال المسيحيّ هبات الروح القدس؟ وهل ينالها غير المسيحيّ؟

لا شكّ أنّ روح الله يعمل في كلّ إنسان، سواء كان مسيحيّاً أو غير مسيحيّ، إذا كان هذا الإنسان يسعى إلى الخير، ويقاوم الشر، ويتوق إلى الصلاح (2). إنّه يعمل فيه ويؤازره ويلهمه ويرشده، حتّى وإن لم يعِ هذا الإنسان وجود الروح أو عمله فيه. ففي كتاب أعمال الرسل، حين وصل بولس الرسول إلى أفسس، التقى تلاميذ أتقياء، يعيشون حياة برٍّ وقداسة. فسألهم: "هل نلتم الروح القدس حين آمنتم؟" فقالوا له: لا! بل لم نسمع أنّ هناك روح قدس. فقال: فأيّة معموديّة اعتمدتم؟ قالوا: معموديّة يوحنّا. فقال بولس: إنّ يوحنّا عمّد معموديّة توبة ... فلمّا سمعوا ذلك اعتمدوا باسم الربّ يسوع. ووضع بولس يديه عليهم، فنـزل الروح القدس عليهم، وأخذوا يتكلّمون بلغاتٍ غير لغتهم ويتنبّأون" (رسل 19/2-6).

تبيّن هذه القصّة أمرين هامّين:

1- إنّ الروح القدس يعمل في غير المسيحيّين. لكنّه يعمل في المسيحيّين بطريقة خاصّة ومميّزة من خلال الأسرار.

2- قام بولس الرسول بعملين: المعموديّة ووضع الأيدي. وهبة الروح حلّت عند وضع الأيدي.

يقول كتاب أعمال الرسل إنّ الكنيسة بدأت تعمِّد منذ يوم العنصرة. "فانضمّ في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف نفس" (رسل 2/41). وقد قامت بذلك عملاً بوصيّة المخلِّص قبل صعوده إلى السماء: "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس، وعلّموهم أن يحفظوا كلّ ما أوصيتكم به" (متى 28/19-20). فالمؤمن ينال الروح القدس في المعموديّة. يقول كتاب التعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة:

"إنّ الثالوث القدّوس يهب المعتمد النعمة المقدّسة ... وهي:

- تمكّن المعتمِد من أن يتوجّه إلى الله بالإيمان والرجاء والمحبّة، وذلك عن طريق الفضائل الإلهيّة.

- وتقوّيه ليحيا ويعمل بحفزٍ من الروح القدس، عن طريق مواهب الروح القدس.

- وتتيح له أن ينمو في الخير بواسطة الفضائل الأدبيّة" (تعليم 1266).

انطلاقاً من هذا التعريف، لابدّ لنا من طرح السؤال: إذا كان المؤمن ينال جميع هذه الهبات من الروح القدس في المعموديّة، ما هو دور سرّ التثبيت (الميرون) إذاً؟

تاريخ الالتباس ونتائجه الظاهريّة

في القرون الأولى، كان سرّ التثبيت يُمنَح عادةً مع المعموديّة في احتفالٍ واحدٍ، أسوةً بما فعل القدّيس بولس مع الجماعة الّتي نالت معموديّة يوحنّا (رسل 19/2-6)، فيكوِّنُ السرّان "سرّاً مزدوجاً "، كما يقول القدّيس قبريانُس. وكان الأسقف هو الّذي يمنح هذا السرّ المزدوَج. ومع ازدياد عدد المسيحيّين، وكثرة معموديّة الأطفال في كلّ وقتٍ ومكان، لم يعد الأسقف يستطيع أن يقوم بهذه المهمّة وحده. ففصلت كنيسة الغرب المعموديّة عن التثبيت، وأوكلت مهمّة المعموديّة للكهنة، وخصّت الأسقف بمنح سرّ التثبيت في وقتٍ معيَّن، وباحتفالٍ مهيب يضمّ عدداً كبيراً من المعمّدين. بينما حافظت الكنيسة الشرقيّة على السرّين معاً، ومنحت الكاهن حقّ منحهما.

إنّ وجود السرّين معاً منذ بداية المسيحيّة جعل المعموديّة تهمّش بعض السمات المميّزة لسرّ التثبيت. فأصبح يبدو وكأنّه إضافةً يستطيع المسيحيّ أن يستغني عنها أو يغتني بها. ففي كتاب التعليم المسيحي، ورد في شأن مفاعيل سرّ التثبيت:

يعمل سرّ التثبيت على إنماء نعمة المعموديّة وترسيخها:

- يرسّخنا ترسيخاً أعمق في البنوّة الإلهيّة ...

- يزيدنا ثباتاً في اتّحادنا بالمسيح.

- يجعل ارتباطنا بالمسيح أكمل" (تعليم 1303).

يُلاحَظ في هذا النصّ استعمال صيغة التفضيل: أعمق، أكمل، أكثر ثباتاً، وكأنّ لهذا السرّ دوراً ثانويّاً، تابعاً، إضافيّاً أو مكمّلاً لسرّ المعموديّة. المعموديّة هي الأساس والتثبيت سرّ مظلوم. لكنّ الحقيقة هي غير ذلك. فبالمعموديّة نصبح مسيحيّين، وبالتثبيت نصبح مرسَلين. هذه هي إحدى الفوارق بين السرّين. وهذا الفارق جوهريّ. إنّه الانتقال من حياةٍ تهتمّ بالأنا إلى حياةٍ تهتمّ بالآخر. ومن السعي لخلاص النفس إلى السعي لخلاص الآخر. ومن حالة الطفل المتمحور حول ذاته إلى حياة البالغ المسؤول.

فالروح القدس الّذي يحلّ في سرّ المعموديّة ينقّي المعتمِد ويحوّله ويجدّده، من أجل أن يعيش حياةً جديدة مع الله، حياة ابنٍ لا حياة عبد. ولكن، قد يصبح هذا الابن كسولاً متقاعساً، يهتمّ بنفسه ولا يكترث لغيره، كما كان الغنيّ في مثل الغني ولعازر (لو 16/19-31)، أو كالابن الّذي لم ينفّذ أوامر أبيه في مثل الابنين (متى 21/28-32). لذلك فإنّ الروح القدس الّذي يحلّ في سرّ التثبيت، يضع على عاتق مَن يناله مسؤوليّة تجاه غيره. إنّه يعطيه مواهب معيّنة كي يتمكّن بوساطتها من أن يكون عضواً فعّالاً نشطاً في الكنيسة، وأن يكون عضواً منتجاً لا عضواً مستهلكاً.

سرّان متكاملان في العمل ومتمايزان في المفعول

إنّ المعموديّة والتثبيت هما كالبذرة والشجرة المثمرة. ففي البذرة المزروعة كلّ طاقة الحياة. ولكن، ما فائدة هذه الطاقة إذا نمَت البذرة، وأصبحت شجرة، لكنّها لم تعطِ ثمراً؟ إنّها تعيش لنفسها. تتغذّى وتورق وتنمو، وتلبس حلّةً بهيّة، لكنّها كالتينة المورقة الّتي لم يجد يسوع فيها ثمراً (متى 21/18-19).

المعموديّة هي سرّ الدخول في العهد مع المسيح. إنّها الولادة الجديدة. ويُعطى سرّ التثبيت لكي ينبع من هذا العهد عمل من أجل الملكوت، ولكي تأتي هذه الولادة الجديدة بثمر. فهو السرّ الّذي يضمن الإثمار. لذلك عمّد القدّيس بولس تلاميذ يوحنّا ثمّ وضع عليهم يديه. وعند وضع الأيدي، "نزل الروح القدس عليهم، وأخذوا يتكلّمون بلغاتٍ غير لغتهم ويتنبّأون" (رسل 19/6). ونعلم من رسائل القدّيس بولس أنّ غاية النبوءة والتكلّم باللغات هي بنيان الآخر (1قور 14/1-5). فمفاعيل الروح القدس الّذي حلّ على هؤلاء التلاميذ هي مفاعيل سرّ التثبيت، لأنّ سمات العنصرة فيها واضحة بيّنة.

خلاصة القول: إنّ الروح القدس يحلّ في جميع الأسرار. لكنّ مفاعيله تختلف من سرّ إلى آخر. فهو كالمحرّك الكهربائيّ: يجعل آلةً تمشي وأخرى تدور وثالثة ترفع الأحمال ورابعة تضخّ المياه ... وهذا ما نسمّيه المفاعيل، أي الأثر الناتج من حلول الروح القدس في سرٍّ ما. فما يرجوه المؤمن من الروح القدس حين يُمسَحُ بزيت الميرون هو أن ينال هبات الروح السبع.

الحواشي

(1) نفضّل استعمال كلمة "هبة" بدل كلمة "موهبة"، لتمييز الهبات السبع الّتي ذكرها النبي أشعيا عن المواهب الّتي ذكرها القدّيس بولس في رسالته الأولى إلى أهل قورنثس (1قور 12)، الّتي سنأتي على ذكرها في أحاديث هذا الفصل مع سيادة المطران يوحنّا جنبرت.

(2) إنّ الإيمان بعمل الروح القدس في غير المسيحيّين هو إيمانٌ كاثوليكيّ يعتمد على الكتاب المقدّس (را. 1طيم 2/4). وقد أكّد المجمع الفاتيكاني الثاني ووثائق الكنيسة، خصوصاً وثيقة "الربّ يسوع"، هذه الحقيقة الإيمانيّة. بينما تتحفّظ باقي الكنائس في هذا الموضوع، ومنها مَن يرفض قبول عمل الروح في غير المعمّدين.