جماعة "روح وقـوّة "                             دير الملاك جبرائيـل

  

الروح القدس مجهول كبير

حديث ألقاه الأب ليف جيلله (1892- 1980) في طرابلس - لبنان يوم 9 حزيران 1967

ونقله إلى العربية الأستاذ سليم البيطار، ونشر في مجلة النور عدد9 لسنة 1967.

أجاب قوم الرسل عندما سألوهم يوما "هل قبلتم الروح القدس؟":

"لا نعلم بوجود الروح القدس" (أع 19: 2).

أما نحن فنذكر ما جرى يوم العنصرة فندرك بوضوح ما هو الروح القدس:

"وكانت ريح عاصفة" (أع 2: 2).

إن الروح القدس هُبوب عاصف يهُزنا فيولِّد فينا هزّةً داخلية عظيمة.

عندما قصَدَت حاملات الطيب القبر تساءلن: من يدحرج لنا الحجر؟

وقد تم هذا بزلزال (متى 28: 2).

هكذا يفعل الروح القدس، يسكن فينا بِهَزّة داخليّة.

من جهة ثانية تبدو حادثةٌ من حوادث العهد القديم

مخالفةً لهذه الصورة العاصفة للروح القدس:

فبينما كان إيليا منتظِرا إعلانَ الله هبّت ريح عاتِية عاصفة

ثم عقبتها هزة أرضيّة ولم يكن الله لا في هذه ولا في تلك.

أخيرا مرّ نسيم وكان الله في هذا النسيم الخفيف الهادئ (1ملوك 19: 12).

إن هذا التناقض بين الصورتين ظاهريٌّ فقط

إذ يجب أن يُعلَن الروح القدس كريح عاصفة ليحركنا

وحينئذ يمكن أن يتكشف لنا كالهمس.

قال يسوع لنيقوديمُس وكان يحدّثهُ عن الروح القدس: "الريح تهبُّ حيث تشاء".

هذا يعني أن الإنسان أمام الروح القدس ورقة في مهبّ الريح.

فقبول الروح القدس قبولُ للمغامرة، كفر بالإرادة.

وبهذا المعنى كتب القديس بولس الرسول:

"والآن ها أنا أذهب إلى أورشليم مُقيَّدا بالروح" (أع 20: 22).

الروح القدس هو نفخة الله وصوته ويسوع المسيح هو كلمة الله المتجسد.

ولكن ليس من كلام دون صوت، دون نفخة تنقل هذا الكلام.

إن الروح القدس نفخة تنقل لنا يسوع المسيح.

وهكذا يُحضِر لنا الروح القدس المسيح يسوع.

وقد أعلن الروح القدس نفسَه أيضا بشكل ألسنة.

هذا يعني أنه يعطي لسانا جديدا ليتكلم عن الله.

فهو الذي يُعلمِّ الصلاة وهو الذي يشفع في نفوسنا إلى الآب.

هو لسان الله نفسه إذ لا يمكن أن يُلفَظ الكلام دونَ لسان.

الروح القدس هو اللغة المشتركة التي يمكن أن تُصلِح كارثة برج بابل.

فقد فهم جميع الذين سمعوا الرسل يتكلمون، على اختلاف لغاتهم، يوم العنصرة.

يهبنا الروح القدس اللغةَ التي بواسطتها نَلِج القلوب كلها.

قد لا نلامس أحيانا قلوب الآخرين بكلامنا

بينما يسمح لنا الروح القدس أن نتجرد عن أنفسِنا لنصل إلى الآخرين.

يظهر الروح القدس كنار لأن لغة الروح مشتعلةً محبة فتلامس القلوب.

لقد قاسى إيليا صعوبات مع كهنة البعل فتحداهم ودعاهم كي يصلوا إلى إلههم

ليُنزِل النار على الذبيحة الموضوعة على المذبح،

ولكن عبثا ابتهلوا ومزّقوا أجسادهم بالسكاكين.

أما النبي إيليا فأخذ حطبا رطبا زاده رطوبة بصب الماء عليه وصلى

فانحدرت النار من السماء واشتعل الحطب الرطب.

هكذا النفس البشرية كالحطب الأخضر الرطب

تُشعِلها نارُ الروح القدس الداخلية.

والروح ملازم للسيد، يُحضِرهُ كما يُحضِرُ الصوت الكلمة.

ولأنه ناري فهو يعطي كلام السيد قوّة خاصة، يجعله مُحرِقا.

وكما تُظهِر الحركات معنى الكلمة في اللغة العربية

كذلك يضع الروح القدس الحركات على كلام السيد.

وكما يختلف معنى مجموعة من الحروف بسبب حركاتها

كذلك يختلف معنى أي رسالة إلهية بالنسبة لهذا أو ذاك

لأن الروح القدس أسبغ عليه الحركات المناسبة.

ويُمحى الروح القدس دائما أمام السيد.

إنه يتوارى إن جربنا أن نطلبه دون المسيح.

ولكن حين نسمع كلمة للمسيح في داخلنا تكشفُ لنا قوّة هذه الكلمة الروح القدس.

الروح القدس هبة نُعْطاها.

ولا يدع مجالا لتأكيد نفسه فينا خارج المسيح الذي يعطينا إياه.

وإذا كان الأمر كذلك ألا نستطيع القول بأن الروح القدس شخصي؟

نعم الروح القدس شخص مُعطى.

أعطى الآب ذاته كلياً للإبن الحبيب وفي حُبِّه اللامتناهي أراد منحَه شيئا آخر

ولكنه لا يقدر أن يمنحه سوى شخص هو نفسه هبة.

هذا الشخص هو الروح القدس.

إن ثمة آلاما للروح القدس.

إنه، وهو فينا غير منظور، يلهمنا وقلما نصغي إليه.

الروح القدس كائن ينعطف علينا ويفعل فينا بملاطفة الإلهام

ولذا علينا أن نعي من الروح القدس محبّةً هي من الرِّقة بحيث يَعسُرُ لمسَها.

فينبغي من جهتنا أن نعطيه حبنا.

لو سألنا الروح القدس الحلول علينا فهو لا بد آت.

ردّدوا الصلاة التالية في قلوبكم،

آمنوا إيمانا حارا أن الروح فيما بينكم

وهو يستجيب لدعائكم ويمتلك كل واحد منكم:

"أيها الملك السماوي،

المعزي، روح الحق،

كنز الصالحات ورازق الحياة،

هلم واسكن فينا

وطهرنا من كل دنس،

وخلص، أيها الصالح، نفوسنا".