جماعة "روح وقـوّة "     دير الملاك جبرائيـل

  

"الروح القدس يقيم في صميمنا"

(صميم الشخصيّة)

يهب الله لنا ذاته هبة شخصيّة في صميمنا الروحيّ، أي في مركز كياننا، حيث المسيح حاضر أبدا. قال يسوع: "ها ان ملكوت الله فيكم" (لوقا 17: 21). فالروح القدس يقيم في صميمنا ويحثنا على الشهادة لملكوت الله الذي ما لبث ينمي وينتشر. وفي الواقع، يُظهر في الصميم الروحيّ أن اللة خلقنا على صورته ومثاله، وانّ علاقة حميمة تربطنا به. اضافة الى ذلك، نكتشف اننا من خاصة المسيح، ونحقـّق واقعيّا ذلك الانتماء من طريق مشاركتنا في جسد المسيح، بما فيه كنيستنا المحليّة.

كتب ريتشارد ماك براين ،Richard McBrien رئيس قسم اللاهوت في جامعة نوتردام، ما يلي: "انّ هذا الملكوت هو، بالطبع، ملكوت "نعمة ورحمة" في متناول جميع الناس. ومع ذلك، يشقّ كل انسان طريقه اليه من خلال تجدد داخليّ كامل يطلق الانجيل عليه اسم "التوبة". والمقصود بالتوبة التحوّل الباطنيّ التام، أي تغيير العقل والقلب معا تغييرا جذريّا. والكنيسة نفسها قامت لتؤلف جماعة باسم يسوع تجدّ في طلب الملكوت وتبنيه وتعيشه... وما ذلك الا اعلان الملكوت بواسطة الكلمة والاسرار والشهادة والخدمة".

أما تحقيق تجددنا الداخلي، فهو رهن بمدى تجاوبنا مع عمل الروح القدس في شخصياتنا.

فمن تراه الروح القدس، ذلك الاقنوم الثالث السّرّي في الثالوث؟

كيف يمكن ان يصبح حضوره لنا حضورا فاعلا يفوق مجرّد عبارة نردّدها في قانون الايمان؟

في الواقع، ان شبّهنا الروح القدس ببئر ارتوازية تفيض من اعماق كياننا، اصبح حضوره في حياتنا اكثر واقعيّة.

ولكن ما هي البئر الارتوازية؟ نجد نمازج من تلك الآبار في مدينة نيو مكسيكو الصغيرة في ارتيزيا. تتكون البئر الارتوازية من حفرة اصطناعية في الارض بلغت ماء، وبفعل الضغط الداخلي يفيض الماء ويرتفع كنافورة. اما منبع الماء الرئيسي، فهو دوما في موقع أعلى من موقع البئر، في سفح جبل أو تلّ.

فمن ذلك الموقع المرتفع يتسرب الماء في باطن الارض متحولا الى انهار قويّة. فان اردنا استخراج الماء بالحفر، ترتب علينا ان نعمق الحفرة حتى يتصل قعرها بمجرى النهر الجوفيّ، فتدفع قوى الطبيعة حين ذلك الماء في داخل البئر فتمتلئ. ولكيما تبقى البئر فيّاضة، توجّب الحفاظ على نظافة داخلها وفتحتها على النهر.

قال يسوع : "من آمن بي فليشرب، كما ورد في الكتاب : ستجري من جوفه انهار من الماء الحي. واراد بقوله الروح الذي سيناله المؤمنون به، فلم يكن هناك بعد من روح، لان يسوع لم يكن قد مجّد" (يوحنا 7/38-39).

نحن في حاجة الى قوة الروح القدس حتى يتجدد كياننا الداخلي تجددا جذريا وتتحول شخصياتنا فتصبح على مثال المسيح . ولكن تدفق الروح القدس من شخصياتنا قد يبدو لاول وهلة امرا غير مألوف، لذا يحسن ان نمعن النظر بادئ ذي بدء في الطريقة التي يغمرنا الروح القدس بها بمحبة المسيح على نحو متزايد.

ريح قوية عاصفة

بعد مرور ستة اعوام على اهتدائي، كان توقي شديدا الى ان اعيش في قرب يسوع. فمخاوفي وشكوكي غالبا ما انهكتني، وبت انشد القوّة لكي اتبع الرب باخلاص وامانة في نموّ. لقد عرفت محبته معرفة عقلية، ولكني افتقرت الى ثقة واقعية كانت لتوطـّد صداقتي به. فقد بدا احيانا كثيرة وكانه بعيد او غائب عنـّي.

لقد درست الكتاب المقدس قاصدا ان اجد فيه وجهة حياتي، فوقع تحت نظري مجموعة نصوص تتكلم على الحكمة والقوّة والحب يهبها الروح القدس لأولئك الذين هم خاصّة يسوع. فقرأت أنّ الروح القدس هو مصدر الحكمة (يوحنا 14/26- و1قورنتس 12/8)، والقوة الخارقة (لوقا 24/49 ورسل 1/8 ورومه 15/19)، ومحبة الله (رومه 5/3-5 وغلاطية 5/22)، ومعزينا في ضعفنا (رومه 8/26)، فوجدت في تلك الصفات جلّ ما احتاج إليه.

لقد حصلت معرفةّ عن الروح القدس، ولكني اردت ان اختبره بنفسي واوطد علاقتي به. شعرت بالارتباك والتوتر، ومع ذلك عزمت على ان اطلب الى الله ان يقدمني الى الروح القدس .

وفي امسية يوم جمعة، قصدت كنيسة بلدتي وصعدت الى علية فيها، درج المسؤولون عنها على ائتماني على مفتاحها، لاني كثيرا ما كنت اتردد اليها ليلا للصلاة. اتيت في تلك الامسية وكلّني توق الى لقاء الروح القدس من دون ان اعرف كيف اشرع في الصلاة.

كانت تلك الغرفة المظلمة غرفة اطفال، فجلست على كرسيّ اطفال فيها، ثم حنيت راسي اتوسل الى الرب فاقول: " ربي يسوع،

 اريد ان احبك من كل قلبي، غير اني كثيرا ما اجهل حضورك وعملك.

 انا في حاجة الى الشعور بصداقتك حتى اتمكن من ان اخبر الآخرين عنك.

 والكتاب المقدس يقول ان الروح القدس لقادر ان يساعدني وينشر الحب فيّ

 ويهب لي القوة  فهاءنذا!"

بقيت في سكون بضع دقائق، ولما رايت ان شيئا ما لن يحدث ، قررت المغادرة وحين نهضت وهممت بالخروج أنطلق صوت ريح عاصفه تهدر في الردهة وتندفع إلى الغرفة، وأذا بقوة وكأنها شحنة كهربائية تدخلني وتغمرني بفرح لا يوصف- ومن ثم بالخوف! فصرخت للوقت: " توقـّف!"، فتوقفت الريح فورا.

أنا أنسان أعيش بالقرن العشرين، نشأت في ثقافة تقوم على العلم والتحليل العقلي والبراهين الملموسة والتجارب العملية. وحين عشت ذلك الاختبار، لم يكن قد انقضى الا وقت قصير على تسلمي شهادة البكالريوس في العلوم. لقد راودتني حين ذاك الشكوك في أمر الريح القويّه، الروح القدس. كان مقبولا عندي ان أقرأ عن حدث العنصرة في أعمال الرسل، أما اختباره بنفسي، فقد بدا لي ضربا من ضروب الهذيان والهلوسة.

أردت أن اتثبت هل هناك ريح في الخارج، فسرت الى النافذة المقفلة والقيت نظرة على الشارع، فلم أرى أي حركة، بل كان السكون الخامل يعم تلك الليلة الصّيفيّة. ثم ذكرني خفقان قلبي القوي بأن صوت الريح العاصفة كان حقيقيا. فأخذت نفسا عميقا لأستعيد هدوئي، فقررت أن اصلي ثانية وأثق بما اختبرته، مهما كان الأمر.

فقلت للرب : "حسنا يا الهي، هاءنذا مستعد، ان اردت أن ترسل الريح ثانية". وفجأة، هبت الريح وملأ عزيفها المكان، فاستولت علي الروعة والخوف، وتملكتني مشاعر عذبة. واشتدت الريح هبوبا والقوة فعلا حتى اني صرخت مرة أخرى: "توقـّف!" وللوقت، ساد المكان سكون مطبق.

تملكني شعور ازداد تأججا في قلبي وصدري وما لبث ان انتشر حتى وصل الى عنقي وفمي. فراحت شفتاي ترتجفان متمتمتان تمتمة الاولاد الصغار. ووجدت نفسي اخاطب الله بلغة غير لغتي الامّ، لغة درجتُ على تسميتها منذئذ "لغة الصلاة".

لم يكن عقلي مصدر تلك اللغة، بل بدت وكأنها تنبع من قلبي، من صميم كياني. اما الشعور الذي رافق كلماتي، فغلبت عليه الالفة والمخاطبة العفويّة تغمرها البهجة العارمة. دامت صلاتي على ذلك النحو ما يقارب الساعة، ارتفع بعدها الروح القدس عني. فجلست في صمت ونفسي ملتهبة التهابًا.

كفى تلك الليلة ما اختبرته!

فصليت قائلا: " اشكرك يا يسوع لانك اظهرت لي روحك وحبك.

                    آسف على ما اعتراني من خوف،

                    ولكن لم يخطر على بالي ابدا انك كنت لتقوم بما قمت به!

                    اشكر لك قربك مني،

                    واسألك ان تساعدني لأكون صديقك مدى العمر.

                    ساعدني حتى احبك وأخدم الناس الى ان التقيك وجها لوجه".

منذ ذلك الحين إلى اليوم أخذت انظر إلى سلوكي وعيوبي وأخطائي نظرة أكثر إنسانية، وفي الوقت نفسه، لا تلبث قوة الحب في داخلي تضمد جروحي وتضرم نار الايمان فيّ، والروح القدس يضيء  نفسي ويجذبني الى توطيد علاقة بالله الآب ويسوع الابن أكثر متانة ودفئا وألفة.

ينبوع النعمة في داخلنا

كتب الكاهن والعالم النفسي "أدريان فان كام"Adrian van Kaam  هذه السطور: "سنرى كيف حوّل ينبوع النعمة في داخلنا إنساننا الباطنيّ ليصبح على مثال المسيح، وسنعبّر عن شكرنا من أجل ذلك مدى الأبديّة. وسنرى كيف يتألق الينبوع الداخليّ فينا روعة وإشراقا باهرا طوال الأبديّة".

إن ثقتنا بالروح القدس المقيم في صميمنا يعني حصولنا على قوّة الله لكي نصبح أنفسنا ونرتبط بالآخرين ارتباطا سليما. ومن طريق الجمع بين فهمنا أنفسنا ونعمة الله، يمكننا أن نتخلص تدريجيا من القلق والذنب والكبرياء. فالروح القدس يزيد من شجاعتنا لكي نكون أنفسنا في المسيح.

إن ما سميته هنا الصميم، يسميه الكتاب المقدس القلب، والمقصود بالكلمة هو مركز الحياة طبيعتنا كلها وفهمنا. أما النواحي المهمة في صميم الذات فهي:

-   الثقة بحكمتك العليا الداخليّة - الباطنيّة بالمسيح في شأن اتخاذك القرارات.

-   قدرتك على استخدام ذكائك بعقل منفتح وبدون أحكام سابقة.

-   الرغبة في الشعور بجميع ما يعتريك من مشاعر، بما فيه ذلك الحب والجزم والضعف والقوّة، والرّغبة في التعبير عنها.

-   الثقة بالإيحاءات والأحاسيس الباطنية والحدس لأنها غالبا ما تتوافق ومشيئة الله.

-   الانفتاح في الحياة اليومية على الطرق الخفية التي يتدخّل الله من خلالها في حياتك وشخصيتك.

-   الجرأة على أن تكون انسانا يتغيّر باستمرار ويتقدم في حب الحياة بنعمة الله.

-   موقف صلاة باطني حتى يعضدك الروح القدس ويعزيك.         

إن إحدى المفارقات اللافتة في النمو الشخصي هي عجزنا عن النمو قسرا. فنحن في حاجة إلى أن نتحلى بالصبر في معاملة أنفسنا والآخرين، لأن لكل إنسان طريقة سير خاصة في نموّه بحكمة الله.

مواصلة النموّ بفعّاليّة

عندما نثق بالروح القدس المقيم في صميمنا، نخضع للنموّ المتواصل حتى نصبح على مثال المسيح. وما دمنا منفتحين على ذلك النموّ، يهب لنا الله أن نشتد بروحه (أفسس 3: 16). فذلك الروح يشفينا ويلهمنا ويعزّينا ويرشدنا. هو يساعدنا على أن نواجه ما فينا من ميّزات لا تدعو إلى الإطراء، وعلى أن نعترف بعيوبنا بدون أن نشعر بالحكم علينا. فموقفنا الصادق الصحيح من أنفسنا يدفع نموّنا إلى الأمام.

بالطبع، ما من أحدٍ يعيش من صميمه طوال الوقت، ولربّما لم نعش على ذلك النحو في غالبية الوقت. فالخطيئة والإرادة الذاتية يسِماننا جميعا، والنمو في الشخصيّة الحقيقية يتم ببطء، إذ لا يسعنا أن نغيّر أنفسنا فجأة حتى لو أردنا ذلك. في الواقع، يكون التغيير حقيقيا وثابتا إن جرى بصورة تدريجيّة، مثله مثل بصلة زنبق زرعت في حديقة شتويّة تأخذ تتفتّح في الربيع على ضوء الشمس.

يتغذى نموّنا الداخلي بقبولنا ذواتنا بشجاعة، بما فيها من قوّة وضعف وجزم وحب. ان لم نتابع نموّنا الشخصي فعليا، فقد لا ننمو على الإطلاق، لأن الله يحترم إرادتنا. وهي تضم ميزات خاطئة كالعناد والقسوة وتصلب القلب والوقاحة والسخرية. لكن الروح القدس يشجعنا على الانتقال من المقاومة إلى فرح النمو بالنعمة. فهو يساعدنا على ان نخضع له ونصبح أكثر واقعية ونطور فينا حبا سليما ونبتهج بالحياة اليومية. فجل ما يترتب علينا هو الشجاعة لننمو.

 

الفصل الثالث من كتاب: دع الله يكمّل شخصيتك

God & your Personality

تأليف الدكتور دان مونتغُمريDr. Dan Montgomery  

نقله الى العربية: الأب صلاح أبو جوده اليسوعي

دار المشرق، بيروت، لبنان الطبعة الخامسة 2005