جماعة "روح وقـوّة "     دير الملاك جبرائيـل

  

حركة التجدد بالروح القدس

"عندما قرر البابا الطّوباوي يوحنا الثالث والعشرين أن يعقد المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني،

جمع الكرادلة وأخبرهم بالنّية الكبيرة التي يرغب في تحقيقها، وليطلب منهم المشورة.

فجاءت آراء الكرادلة غير مشجعة ومترددة أمام الرغبة العظيمة التي في قلبه.

فقام البابا وفتح جميع نوافذ القاعة التي كانوا مجتمعين فيها،

فدخلت ريح قويّة أدّت إلى تناثر وتطاير الأوراق من أمام الكرادلة عن طاولة الاجتماع في الجو.

فقال لجلسائه المتوجّسين خوفا من هذه الخطوة:

هذا هو الروح القدس...

فهو إذا هبّ في الكنيسة يعصف بكل شيء ويجدد كل شيء".

تعريف

التجدد بالروح القدس هو تيار روحي، الغاية منه التماس وجه الآب باستحقاقات المخلّص يسوع المسيح وقوة الروح القدس أو بعبارة أخرى هو طلب الكمال الذي أوصى به السيد المسيح جميع المؤمنين به بنعمة الروح القدس ثم المساهمة في بناء شعب الله وجسد المسيح الذي هو الكنيسة ضمن جماعات حيّة تعيش مسيحيّتها بكل أبعادها.

أطلق على هذا التيار اسم "التجدد بمواهب الروح القدس"  Charismatic Renewalوتقتصر تسميته الآن على "التجدد" باعتبار أنّ مواهب الروح القدس تغمر الكنيسة كلّها ولأن كلمة "Charismatic" قد تسبب سوء فهم عند البعض.

فالمواهب، رغم قيمتها الفائقة، ليست خصوصًا في بعض مظاهرها الخارجية غاية التجدد بل هي مجرد واسطة لبناء الجماعة ولخير الكنيسة عمومًا.

أوّلاً: لمحة تاريخية

"جدّد عجائبك (يا رب) في يومنا هذا كما لو بعنصرة جديدة". وردت كلمات البابا يوحنا الثالث والعشرون هذه أثناء صلاه من أجل نجاح المجمع الفاتيكاني الثاني، ونجد فيها بداية لحركة التجدد بالروح القدس. ففي أعقاب هذا المجمع اجتمعت جماعة من الأساتذة والطلاب في جامعة دوكاين في بيتسبورغ (الولايات المتحدة الأميركية) في العام 1967 أثناء رياضة سعوا خلالها لأن يفهموا عمل الروح القدس ومواهبه في الكنيسة الأولى. وفيما هم يتناقشون ويصلّون، اختبروا حضور الله بشكل لم يسبق له مثيل في حياتهم. وبطرق عديدة ومختلفة جعل الله حضوره محسوسًا لكل واحد منهم: اكتشاف فرح جديد، قرب من الله، اختبار لمواهب الروح، رغبة في عبادة الله وتسبيحه، جاءت كلها نتيجة لهذه الرياضة.

هذا الحدث الذي بدأ أولاً وكأنه اختبار فريد عاشته جماعة من الجامعيين لم يلبث أن تحوّل إلى ظاهرة عالمية. ففي مناطق عديدة اختبر الناس الروح القدس يغيّر حياتهم ويشفي ويصالح ويقوّي بطريقة جديدة. انتشر التجدد حتى أنه في غضون عشر سنوات كان معظم الناس في الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا والولايات المتحدة قد سمعوا بالتجدد بالروح القدس.

بحلول العام 1969 وصل هذا التجدد إلى لبنان من خلال أستاذ جامعي من بيروت اختبره أثناء متابعة تخصصه في الولايات المتحدة الأميركية. وسرعان ما بدأت مجموعة من الأشخاص تلتقي في كنيسة مار فرنسيس في شارع الحمرا للصلاة وعيش المحبة الأخوية والخدمة الاجتماعية.

في عام 1984 زارنا في الناصرة، برفقة العم الكبوشي الأب أنج كرم الذي كان يقيم في كنيسة مار فرنسيس في بيروت، الأب شارل سلهب الكبوشي ومعه كاسيت لترانيم جماعة التجدد بالروح القدس في لبنان، فتركه لي كذكرى منه. فتعلقت بترانيم هذه الجماعة وباشرت في عزفها وترنيمها في اللقاءات والإحتفالات الكنسية.

في عام 1986 عُيّنت مديرا للدعوات في حراسة الأراضي المقدسة، فأخذت أنشر هذه التراتيل بين الشباب، والتي يمكن سماعها اليوم على الإنترنت (www.tarateel.net/hymns/holy_spirit_renewal.htm).

في شهر تموز عام 1989 إنطلقت المسيرة الفرنسيسكانية الأولى في الأرض المقدسة (الجمعة- تجمع على جبل الطور، السبت- مشيا إلى كفركنا، الأحد   إلى الرينه فالناصرة). بعد المسيرة سافرت الى أسيزي للإشتراك في المسيرة الفرنسيسكانية العاشرة التي ضمت أكثر من ألف مشترك من جميع أنحاء إيطاليا، أنهيناها في لقاء مع البابا في مقره الصيفي "كاستيل غاندولفو". خبرة المسيرة زادت من نشوة الروح القدس ومواهبه بعد أن تملكت من التراتيل الفرنسيسكانية الحديثة في المسيرة التي كانت ترافقها الحركات والتداخلات الصوتية وعلى الأخص المسرحية الفرنسيسكانية الغنائية "Forza venite genti".

وبعد المسيرة أشتركت في دورة لمركزي الدعوات في دير سيدة الملائكة مع الأب "ماريني" وغيره، كانت تتويج لكل الذي اكتسبته في المسيرة. فرجعت إلى القدس بزوادة كافية لتنشيط الدعوات الفرنسيسكانية في الأرض المقدسة، وهذا ما تجلى في اعداد المسيرة الفرنسيسكانية الثانية - 1990 حيث انطلقت من الناصرة فصفوريه وكفركنا فجبل الطور. سبعة أيام حافلة مع مئة وعشرين مشترك من الشباب والشابات أعطت دعوات لعدة مؤسسات تشهد حتى اليوم لنعمة الروح القدس التي هبت على المشتركين في المسيرة، حيث كنت أقول لهم: "أننا نضعهم على المسار والروح القدس هو الذي يدفعكم إلى الأمام" هللويا.

بعد المسيرة طلب مني أن أرافق جماعة من حركة التجدد بالروح القدس من مدينة "Enna" الايطالية، كان يقودها السيد Ignazio Cichirillo الذي من خلاله تعرفت على الأب Dino Foglio رئيس حركة التجدد بالروح القدس في إيطاليا ومساعده السيد Salvatore Martines الرئيس الحالي للحركة (RNS-Italia.it). وقد اشتركت في الاجتماع الإقليمي في استاد مدينة Palermo عام 1998  وبعد ذلك في اللقاء الوطني في مدينة Rimini حيث ضم كل الوفود من جميع أنحاء إيطاليا، وعام 2006 دعيت لأقود صلاة التحرير في لقاء الشبيبة في استاد كرة السلة في مدينة باليرمو. عام 2007 في عظة القداس الاحتفالي للحركة في بازيليكا البشارة في الناصرة، في حج ضم المسؤولين بما فيهم السيد "سالفاتور مارتينس"، سيادة المطران بولس مركوتسوا قدمني كممثل للحركة في الأرض المقدسة.

على المستوى المحلي، عام 1996 حين كنت رئيس دير "مزار الآية الأولى" وكاهن الرّعيّة في كفركنا اتصل السيد نادر بشوتي من حيفا ودعاني للانضمام إلى جماعة "يسوع حي" المواهبيّة "Charismatic" فلبيت الدعوة وأصبحت كاهن الجماعة. وبعد أن عُيّنت عام 1998 نائبا لكاهن الرّعيّة في الناصرة،  اشتركت عام 1999 مع جماعة من الرعية في المسيرة الفرنسيسكانية التي انطلقت من الرملة الى اللطرون، فدير رافات وبيت اجمال، وانتهت في بيت لحم، وقد دعوت السيد نادر فاشترك هو أيضا. وعلى أثرها كونت جماعة "روح وقوّة" والتي لا زالت إلى الآن في دير الملاك جبرائيل وهي اليوم بمثابة الجماعة الأولى "للتجدد بالروح القدس" في الأرض المقدسة، وقد استوحيت الاسم من البشارة: "إن الروح القدس سينزل عليك وقوّة العلي تظللك" (لوقا 1: 35)، وسيادة المطران بولس مركوتسو أعطاها الصفة الرسولية فأصبحت تدعي: جماعة "روح وقوّة" الرّسوليّة.

ثانيًا: عمل الروح القدس في المؤمنين

إنّ الروح القدس، الذي هو المحبة-العطاء، يوزّع مواهبه على المؤمنين بالمسيح بسخاء إلهي عجيب، فهو عدا "المواهب" و"الثمار" التي يعرف بها:

أ) يجذبنا إلى الإيمان ويساعدنا على إنمائه: فالروح يشهد على حقيقة الإنجيل ويجذبنا إليها ويعطي الحقائق التي نسمعها باستمرار الحياة ويجعلنا نعيشها ونركز عليها حياتنا. ولهذه الغاية يشفي عقولنا المجروحة بالخطيئة والمشوّهة ويمنحنا معرفة عميقة وأساسية نبني عليها حياتنا.

ب) يعلمنا، من خلال توحيدنا مع المسيح وجسده، من هو الآب بالنسبة إلينا ويمنحنا الوعي لحضوره في حياتنا، يعلّم حتى الخاطئ منا أن يصرخ "أبّا"، ويتعامل مع الآب كابن فيحترمه ويخدمه ويحبه كأب ويعي في الوقت عينه عظمته كإله خالق.

أما اتحادنا مع يسوع وجسده فيبدأ بالمعمودية ويكتمل بالافخارستيا. ففي المناولة نتحد روحيًا وجسديًا بيسوع وهذا أيضًا من عمل الروح.

ج) يقوي الإنسان الباطني: في القيامة أظهر الروح القدس ذاته روحًا محييًا. وقد وضع في الإنسان أصل الحياة الدائمة (حك 15/3 + رو 8/9) الذي منه تنبع الحياة الجديدة. بانسكاب الروح ينضج الإنسان الباطني ويتقوى. فالروح يخلّصه ويقدّسه ويدخله الحياة الجديدة فيتحوّل إلى حال فائقة الطبيعة، حال الحياة الإلهية ويصير مسكنًا للروح القدس وهيكل الله الحيّ (1قور 8/9) فيعيش الإنسان في الله ومن الله، يعيش حسب الروح ويفكّر فيما للروح. وهكذا تكمل صورة الله في الإنسان (رسالة القديس البابا يوحنا بولس الثاني "الروح المحيي" رقم 58).

د) يحوّل ويحرّر: عندما يقرب الله ذاته عطيّة للإنسان في الروح القدس، يتحوّل هذا الإنسان بكامله، في عقله وضميره وعاطفته، ويكتشف ملء الحرية البشرية لأنه "حيث تكون روح الرب تكون الحرية" (2قور 3/17) والمسيحيون بطاعتهم للروح يسهمون في تجديد وجه الأرض (مز 104/30).

ثالثًا: التحرر بالروح والمواهب والثمار

يتّضح إذًا من تعاليم الكنيسة أنّ خلاصنا الذي صنعه الرب يسوع قد تمّ بقوّة الروح القدس وكذلك قداستنا وأنّ عمل الروح الذي بدأ منذ الخلق وتجلّى في العنصرة بولادة كنيسة المسيح لم ينقطع أبدًا بل هو مستمر إلى انقضاء الدهر. بقي علينا أن نعي حضور الروح فينا وقد أخذناه في العماد وأن نتجاوب مع عمله. وهذا ما يسعى إليه "التجدد" والخطوة الأولى هي تحرير الروح والتحرر به.

نعرف من الكتاب أنّ كل من اعتمد بالمسيح يقبل، مع نعمة التبرير والتبني، الروح القدس ومواهبه. إلا أنّ هذه المواهب إذا أهملت، لا تعمل في حياة المسيحي ولا تؤثّر على علاقته بالرب. وما يريد "التجدد" هو أن نسأل الرب بواسطة صلاة كلّها إيمان وبالاتكال على مواعيد المسيح (لو 11/9-13 + يو7/37-39).

أن يتحوّل ما قبله المؤمنون في العماد إلى فعل أو بعبارة أخرى يسعى الراغب بالتجدد إلى أن يتجاوب بإيمان راسخ وواثق مع الروح الذي قد أعطي له في العماد لكي تستطيع حياة الروح ومواهبه وثماره أن تأخذ كل مفعولها في أحد أعضاء جسد المسيح السري. وهذا ما يسمّى "بتحرير الروح".

وهكذا فعلى المسيحي أن يحرّر الروح من كل العوائق التي تقف في وجه عمله لكي بدوره يحرّره من كل أنواع العبودية ويقدّسه.

الشروط للتحرّر بالروح وهي:

 أ ) التوبة التي تتضمّن العزم على إجراء تغيير جذري في حياتنا بقوّة الروح والاستسلام المطلق لمشيئة الرب.

ب) الالتزام نحو شخص يسوع بأن نعطيه ذاتنا وبدون تحفّظ مع الإقرار بأنّه رب ومخلّص.

ج) الرغبة في الانفتاح على الروح وعمله فينا بواسطة مواهبه وثماره.

مواهب الروح

هذه المواهب، كما قلنا، تعطى لنا في العماد. إنّها عديدة وقد ذكرها القديس بولس في رسائله، وأهمّها هي تلك التي عدّدها (1قور 12/8-10)، وهي: كلام الحكمة، كلام المعرفة، الإيمان، الشفاء، القدرة على الإتيان بالمعجزات، النبوءة، التمييز ما بين الأرواح، التكلّم باللغات وترجمتها، وقد أضاف إليها في أمكنة أخرى: الخدمة، التعليم، الكرم، الإرشاد، الرحمة، البشارة بالإنجيل.

هذه المواهب التي يذكرها الرسول ليست في الواقع سوى أمثلة عن مختلف أنواع العطايا التي يمنحها الروح لخدمة الكنيسة. (من الخطأ الاعتقاد بأنهّا تعطي مكافأة لحياة قدّيسة)، إنّما اختبار السنوات العشرين المنصرمة على أنّ هذه المواهب تمنح بوفرة وهي تلعب، مع ثمار الروح دورًا عظيمًا في تجدّد حياة كنيسة المسيح. والروح سيعطي مواهب أوفر وفقًا لاحتياجات هذه الكنيسة.

ثمر الروح

المواهب تمنح لكل شخص لكي ينمو فيه ثمر الروح: المحبة، الفرح، السلام، الصبر، اللطف وكرم الأخلاق، والإيمان، والوداعة، العفاف (غلا 5/22) هذا الثمر يجعل المؤمن شبيهًا بالمسيح ويساعده في علاقاته مع إخوته البشر.

ثمر الروح هو علامة المسيحي وتبقى المحبة الثمرة الأولى. ويسعى الملتزمون في الحركة لأن يعيشوا كإخوة محبين ومحبوبين وهم على مثال المسيحيين الأولين "بقلب واحد ونفس واحد" (أع 4/32).

ومن الثمر الذي يمنحه الروح، وقد أعطي منذ يوم العنصرة، الجرأة والشجاعة للشهادة للرب ولعمله ثم الفرح الناجم عن معرفتنا بأنّنا ملكوت الله: "فليس ملكوت الله أكلاً وشربًا بل بر وسلام وفرح في الروح القدس"( رو 14/17) وهذا الفرح الذي يعطيه الروح القدس وحده يرافقنا في زمن الآلام والشدة: "افرحوا بقدر ما تشاركون المسيح في آلامه، حتى إذا تجلّى مجده كنتم بفرح وابتهاج" (1بط 4/13) ومن الثمر الكرم وهو لا يعني فقط الكرم المادي بل الاستعداد لأن نعطي كل شيء للرب. من المسلّم به أنّ كل مسيحي له الحق وعليه الواجب بأن يبشّر بالمسيح. فالروح يعطينا المعرفة لكي يدخل كلامنا إلى القلوب وهو ينمّيه: نحن نزرع البذور والروح يمنحها النمو. فالروح وعدنا بآيات وعجائب تثبت كلامنا (مر 16/17-18). وفي الواقع، الروح يعطي هذه القوّة الآن في "التجدد" بالشفاءات الجسديّة التي تحدث غالبًا، والروحية. والروح يعطي الحكمة لنقول للناس الكلام المناسب الذي يصل إلى أعماق قلوبهم.

رابعًا: البعد الجماعي

إنّ أهمية الجماعة تأتي من إرادة الرب يسوع. فهو قد مات عن كل إنسان ليفتديه لكنه أراد أيضًا أن يكوّن له شعبًا يبرم معه عهدًا جديدًا كما فعل في العهد القديم مع الشعب اليهودي. هذا الشعب هو شعب الله الذي يقول عنه بطرس الرسول: "أمّا أنتم فإنّكم ذرية مختارة وجماعة الملك الكهنوتية وأمة مقدّسة وشعب اقتناه الله للإرشاد بآيات الذي دعاكم من الظلمات إلى نوره العجيب. لم تكونوا بالأمس شعب الله، فأمّا الآن فإنّكم شعبه" (1بط 2/9-10).

ونحن نعتقد، واستنادًا إلى الكتاب المقدس وإلى خبرتنا، بأننا عندما نعطى الروح لا نعطاه فقط ليدخلنا في اتحاد شخصي مع الله وإنما أيضًا في اتحاد جديد مع بعضنا البعض. كان من أهم نتائج العنصرة أن المسيحيين أصبحوا إخوة وأعضاء عائلة واحدة (أع 4/32-35).

الحركة هي سند للذين ينتمون إليها. إنها تساعدهم بالإرشاد والنصح، بالصلوات، بالمثل الحي، بالتشجيع في الصعاب، بتقديم كل الخدمات الروحية والمادية التي تستطيع تقديمها.

خامسًا: الدعوة إلى الوحدة

على مدى العصور شكّلت الأرض المقدسة مكان لقاء وتسامح وتفاهم متبادل حتى ولو بدا أنّ هذه القيم مهدّدة بسبب الحروب ومخلّفاتها فنحن كمؤمنين نشعر أنّنا مدعوون مرة أخرى لنكون مصدر مصالحة وليس مصدر انقسام. منذ بدء التجدد بالروح القدس جمعت هذه الحركة رجالاً ونساء من شتى الطوائف من منطلق رسالتها المسكونيّة لذلك نجد بيننا الأرثوذكسي والكاثوليكي يشهدون معًا لوحدتهم في المسيح كما يتعلّمون التغلّب على المخاوف وسوء الفهم فيدعون الناس حولهم إلى النمو في الاحترام والتفاهم.

في يوم العنصرة استمع جمع من الناس من أمم ولغات مختلفة كثيرة إلى خطبة بطرس وامتلأوا جميعًا من الروح القدس (أع 2/1) لذلك ليس مستغربًا أن ينتشر التجدد بالروح القدس بسرعة ليبلغ كل بلدان العالم تقريبًا. وبهذا نرى أشخاصًا ينتمون إلى حضارات ولغات وألوان مختلفة يجدون أنفسهم موحدين في عمل الروح في حياتهم ويلتقون بالرب من خلال إخوة من أصول مختلفة. بهذا يكمل الرب عمل المصالحة والوحدة اللتين تكلّم عنهما بولس في الرسالة إلى أهل أفسس إذ يقول: "وهدم في جسده الحاجز الذي يفصل بينهما، أي العداوة" (أف 2/14). إنّنا نختبر في الأماكن المقدسة ومع إخوة من كل أنحاء العالم على حدّ سواء، أنّ الله يجمع كنيسته لتلتئم كقطيع واحد.

سادسًا: مدعوون إلى الشهادة

منذ أن بدأ التجدد بالروح القدس وفيما صار الناس يختبرون الله بطريقة جديدة، شعروا برغبة عميقة في مشاركة خبرتهم مع الآخرين وعلى غرار ما كان يحدث في الكنيسة الأولى، فإنّ الذين يتأثرون بالحركة يذهبون إلى أصدقائهم وأقربائهم وزملائهم في العمل ويقولون لهم: "تعالوا وانظروا" (يو 1/46).

لذلك إنّ كل عضو مدعو ليعي إيمانه ويفهمه بطريقة أعمق ثم يشاركه مع الآخرين. وهذا الأمر لا يحصل على صعيد فردي فقط إذ أنّ الحركة تقدّم أيضًا لقاءات صلاة دورية ورياضات روحية تتضمّن صلوات ومشاركات وأحاديث ومحاضرات تهدف جميعها إلى تجديد الإيمان المسيحي وعيشه ضمن المجتمع، ممّا يساعد المسيحيين كي يعوا نعمة المعمودية ومواهبها ويفهموا دعوتهم في الكنيسة وفي العالم. وبهذا يشارك العلمانيون الإكليروس في عمل التجدد في الكنيسة فيتجدّد شعب الله بكامله، ويؤدّي الرسالة بدوره.

سابعًا: الحاجة إلى التجدد المستمر

الكنيسة مقدّسة وتشارك في الطبيعة الإلهية لكنها في الوقت نفسه بشرية تشتمل على خطأة بحاجة إلى تجدد مستمر. لذلك ما انفكّ الله يسكب نعم التجدد عليها، من أيام آباء الصحراء إلى يومنا هذا مرورًا بالقديسين "فرنسيس الأسيزي" و"يوحنا كرونستادت" (St. John of Kronstadt)، ونحن ندرك أنّنا إحدى أدوات التجدد لكنّنا لسنا بأيّ حال من الأحوال الأداة الوحيدة التي يستعملها الرب لتجديد الكنيسة في أيامنا. إنّه عمل ينشأ من الداخل وهو لا يحاول أن يقيم بنى جديدة لتحلّ مكان البنى القديمة، بل بالأحرى يسعى إلى العودة إلى جذور الإيمان الحيّة ويستمدّ منها حياة جديدة في ممارسة الصلاة والأسرار والليتورجيا.

ثامنًا: أهمّ التزامات أعضاء "التجدد"

أ) الصلاة: كل عضو ملتزم يأخذ يوميًا وقتًا للصلاة الشخصية، وذلك طبيعي لأنّ غايتنا القصوى هي الاتحاد مع الله أي القداسة. وهذه لا تتحقّق إلاّ بالصلاة. من هنا الأهمية العظمى التي يوليها "التجدد" لحياة الصلاة، ليس فقط صلاة الطلب أو التشفّع، رغم أهمية هذه الأخيرة بل خصوصًا صلاة التسبيح أو الاحتفال بحضور الرب وسط شعبه (رؤ 4).

ولا تقتصر الصلاة على الوقت اليومي الذي نخصّصه لهذه الغاية، بل نحن نتعلّم أن نصلّي بلا انقطاع كما أوصى الرسول (1 تس 5/17) فإلى جانب الصلاة الفردية الشخصية هناك الصلاة الجماعية التي تمجّد الرب الذي وعد بأنّه حيث ما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمه فهو يكون بينهم.

ومن طرق صلاتنا في "التجدد" تلك المستوحاة من نصّ الرسول بولس (قول 3/16 + أف 5/18-20) "دعوا الروح يملأكم واتلوا معًا مزامير وتسابيح وأناشيد روحية...".

ب) الإفخارستيا: قمّة الصلاة هي الاحتفال بالإفخارستيا التي فيها يتجدّد كل مرّة سريًا مجيء المخلّص وحضوره في الذبيحة وفي التقرّب، الأمر الذي يتمّ بفعل الروح القدس. بالإفخارستيا يقوّي الروح القدس الإنسان الباطني (أف 3/16) ويتعلّم الأفراد والجماعة، بإلهام الروح القدس، أن يكتشفوا معنى الحياة. لأجل ذلك كان المسيحيون الأولون الذين شهدوا مجيء المسيح "مواظبين على تعليم الرسل والمشاركة وكسر الخبز والصلوات" (أع 2/42). والإفخارستيا هي سر التقوى وعلامة الوحدة ورباط المحبة ("الروح المحيي" رقم 62). لذلك يحرص أعضاء "التجدد" على حضور ذبيحة القدّاس كلّما تسنّى لهم ذلك، ويتناولون القربان المقدّس بكل خشوع وتقوى.

ج) الصوم: في الزمن الأوّل للكنيسة كثيرًا ما كان المسيحيون يقرنون الصوم بالصلاة. وقد أمر الرب بذلك في الأمور المستعصية. وفي حركتنا، يسعى الأعضاء للصوم يومًا أو أكثر في الأسبوع. ويلعب الصوم دورًا مهمًا في التشفّع من أجل احتياجات الكنيسة والأفراد.

د) الكتاب المقدّس: هو السند الكبير لحياتنا الروحية ولتقدّمنا في هذه الحياة. نقرأه كل يوم ونتأمّل به وندرسه بشغف كبير ونشعر بأنّ الله يتحدّث إلينا من خلاله بواسطة روحه القدوس. إنّه يمنحنا كلمته التي هي ينبوع الحياة والمصباح الذي يقود خطانا نحو الرب (مز 119).

هـ) الرسالة والخدمة: تتخذ رسالتنا شكلها من خلال حياتنا معا كجماعة من التلاميذ. من هنا نشهد للمحبة من خلال خدمة مجتمعنا حيثما نكون سواء في المدرسة أو في العمل أو في العائلة، وخاصة في رعايانا عبر التجاوب مع الدعوات لإقامة الرياضات الروحية ولقاءات الصلاة في مناطق مختلفة.

تاسعًا: البنية

ترعى هيئة إدارية حاجات الحركة بجملتها وتسعى إلى مرافقة كل الأعضاء نحو النضج المسيحي والخدمة المثمرة. وتساندها في مهمتها جماعة أوسع من المسؤولين. كما تحافظ الحركة على علاقة وثيقة مع المسؤولين الكنسيين، لا سيما بالنسبة للكاثوليك عبر مرشد روحي وعبر المشاركة الفعالة في المجلس الرسولي العلماني، بينما يحافظ الأعضاء الأورذكسيون في الحركة على صلات وثيقة مع أساقفة كنيستهم. إننا نسعى لنكون أعضاء نشيطين وفاعلين في كنائسنا كما نريد أن نتعاون بعضنا مع بعض في طوائف مختلفة بشركة المحبة ويحافظ كل منا على تقاليد كنيسته وتعاليمها.

عاشرًا: حركة "التجدد" والكنيسة الكاثوليكية

لما ظهرت حركة "التجدد" في أميركا، قابلها الأساقفة في تلك البلاد، وبعدئذ في سائر البلدان التي دخلتها، بشيء من الحذر كما يحصل في حركات مماثلة وعيّنوا مراقبين لكي يعطوا رأيهم فيها وسرعان ما اطمأنوا إلى أنّ كل شيء يسير وفقًا لمشيئة الرب. وتحوّل الحذر إلى تشجيع خصوصًا بعد أن رأوا الثمار الطيّبة تظهر في كل مكان والتقوى تنتعش.

ولمّا علم الطيب الذكر البابا بولس السادس بأمر الحركة، سأل الكاردينال سوننس، رئيس أساقفة بروكسل وأحد المدبّرين السابقين للمجمع الفاتيكاني الثاني، رأيه وكان قد تعرّف إلى الحركة أثناء أسفاره إلى الولايات المتحدة "وطلبت، (يقول الكاردينال)، من قداسته أن يدخل هذه النفحة في الكنيسة". وظلّ الكاردينال البلجيكي يرعى الحركة ويشجّعها واعتبر كمرشد عام لها سنوات عديدة.

وكان التكريس الرسمي "للحركة" إن صحّ التعبير لما رئس البابا بولس السادس سنة 1975 القداس الاحتفالي الذي أقامه "التجدد" وقال كلمة تاريخية: "إنّ هذا التجدد الروحي هو فرصة سعيدة للكنيسة وللعالم". "سيكون حظًا عظيمًا لزمننا أن يطّلع جيل هو جيلكم الفتيّ ليصرخ في وجه العالم ممجدّا ومعظمًا إله العنصرة".

وبعد ستة أعوام علّق قداسة البابا يوحنا بولس الثاني على كلام سلفه بقوله: "كان البابا بولس السادس يعتبر حركة التجدد بالروح فرصة سعيدة للكنيسة وللعالم والسنوات الست التي مرّت على ذلك المؤتمر أثبتت صحّة الآمال لقد رأت الكنيسة شهادة حرارتكم في الصلاة مقرونة بمجهود عظيم نحو قداسة الحياة ومحبة كلام الله. ولدينا أدلّة على سخائكم إذ تتقاسمون بحب وعدل مواهب الله مع بؤساء هذا العالم حتى يستطيع كل البشر أن يختبروا الكرامة التي منحهم إياها المسيح".

ولا يترك قداسته مناسبة إلاّ ويظهر عطفه على "التجدد" ويعتبره من الحركات والمنظّمات القلائل في الكنيسة التي تحافظ بأمانة كليّة على نص وروح المجمع الفاتيكاني الثاني. ومن الدلائل على محبته "للتجدد" انه حرص على الاتطلاع شخصيًا على الإعداد لرياضة الكهنة الدولية التي نظّمها المكتب الدولي للحركة في العالم (تشرين الأول 1984) وأصرّ على أن تجرى في الفاتيكان فوضع تحت تصرّفها لمدة 5 أيام "قاعة بولس السادس" التي تتّسع لـ 7000 شخص وكنيسة مار بطرس. اشترك في تلك الرياضة 6000 كاهن بالإضافة إلى 100 أسقف و60 شماسًا وقد توافدوا من مئة بلد وبلد، ومن بينهم 17 مشاركًا من لبنان من أساقفة وكهنة.

ولعلّ أكبر دليل على تقدير قداسته لحركة التجدد ما جاء في رسالته العامة "الروح المحيي" (رقم 65). فبعد أن نوّه بأهميّة الصلاة وبالعديد من الرجال والنساء الذين نذروا أنفسهم، عبر التاريخ، للصلاة أضاف: "في هذه السنوات يتزايد مع الأيام عدد الذين، في حركات وجمعيات متنامية، يضعون الصلاة في رأس اهتماماتهم، ملتمسين فيها تجديد حياتهم الروحية. إنّها لظاهرة ذات مغزى بعيد ومليئة بالتعزية، على أن يسفر عن مثل هذه الخبرة ما ينعش حقًا قوى المؤمنين ويساعدهم على أن يروا بشكل أصح في الروح القدس الروح الذي يثير في قلوبهم الشوق الشديد لبلوغ القداسة".

وفي اليوم التالي لصدور الرسالة أوضح الكاردينال الذي قدّمها إلى الصحافيين أنّ الأب الأقدس يقصد في الدرجة الأولى حركة "التجدد بالروح القدس"، ومن النادر جدًا أن يلمّح البابا في رسالة عامة إلى مؤسسة معيّنة.

الختام: لماذا ظهرت الحركة في هذا الوقت؟

كثيرون يطرحون هذا السؤال والجواب يأتينا من قداسة البابا يوحنا بولس الثاني الذي قال في إحدى لقاءاته مع "التجدد": "العالم بحاجة ماسة إلى عمل الروح والروح بحاجة إلى أدوات لخدمته. الوضع العالمي خطر وخطر جدًا. المادية كل أشكال المادية تتناقض مع البعد الحقيقي للكائن البشري: المادية هي إنكار للروح، نحن بحاجة إلى عمل الروح القدس".

واليوم، يكفي التأمل في عظة البابا بندكتوس السادس عشر في الذبيحة الالهية الإختتاميّة ليوم الشبيبة العالمي في سدني 2008: "إنّ العالم بحاجة لهذا التجديد!... إنّ الكنيسة بحاجة أيضا إلى هذا التجديد!... وهي بحاجة إلى أن تنمو بقوّة الروح، التي تمنح اليوم الفرح لشبابكم، وتلهمكم لخدمة الرب بسرور. إفتحوا قلوبكم لهذه القوّة!".

وفي الواقع الكنيسة والعالم يشهدان أزمات خطيرة وثورات دينية وسياسية واقتصادية. الأخلاق في انحطاط مريع، إذ تستباح كل الحرمات فنرى حتى الدول التي تدّعي أنّها مسيحية أو ذات جذور مسيحية تبيح مثلاً تدمير العائلة بالطلاق وقتل كائنات بشرية بالإجهاض أو بالقضاء على من لا أمل بشفائهم.

هناك شيع تدعي أنّها مسيحية وهي في الواقع تدمّر المسيحية، تنكر ألوهية المسيح والثالوث الأقدس. هذا إلى جانب ممارسات مأخوذة عن ديانات الشرق الأقصى وفي أعماقها عودة إلى الوثنية. وفي داخل الكنيسة حركات تمرّد على السلطة التي أقامها المسيح واستغلال للحرية وتحريف متعمّد لنصوص المجمع الفاتيكاني الثاني للخروج بتعاليم مضللة تصل إلى حد الشك بقيامة المسيح وإلى تبرير الخطيئة والاستسلام للغرائز الجنسية.

إنّما القديس بولس يقول: "حيث كثرت الخطيئة فاضت النعمة" (رو 5:20). فلمّا كانت الجهود البشرية غير كافية لمكافحة هذه الآفات، سكب الله روحه القدوس بغزارة لم تعرف لها المسيحية مثيلاً منذ عهدها الأول. وهو يحدث في الكنيسة تحوّلاً نوعيًا يتمثّل في العودة إلى الصلاة وإلى العبادة الواعية والتعمّق في معرفة الكتاب المقدّس وتعاليم الكنيسة وإلى ممارسة الحياة المسيحية الأصيلة. ويصحب ذلك في أماكن عديدة من العالم علامات وعجائب وشفاءآت روحية وجسدية لا سبيل لإنكارها.

وجلّ ما تصبو إليه حركة "التجدد بالروح القدس" هو أن تكون أداة في يد الرب لتجديد كنيسته وواسطة ليتعرّف المؤمنون من خلالها إلى الرب ويختبروا محبته فيمجّدوه ويحبّوه ويخدموه ويسيروا في طريق القداسة بقوة الروح القدس واستحقاقات مخلّصنا يسوع المسيح، له المجد إلى دهر الدهور - آمين.