جماعة "روح وقـوّة "     دير الملاك جبرائيـل

  

الإفخارستيا حياة الكنيسة

تأمل حول الإفخارستيا في علاقتها بالكنيسة

رسالة البابا يوحنا بولس الثاني 2003

للأسقف عصام يوحنا درويش، مطران الروم الكاثوليك الملكيين في استراليا ونيوزيلاند

أخوتي الكهنة

لم أجد أفضل من رسالة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني التي صدّرها عام 2003 حول "الافخارستيا حياة الكنيسة" لأتأمل معكم بهذا السر العظيم الذي تركه لنا الرب يسوع. فالكنيسة تحيا بالإفخارستيا، إنها الحقيقة التي نختبر من خلالها سر الكنيسة ووعد المسيح لنا: "ها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر" [1]. لقد أعلن المجمع الفاتيكاني الثاني أن الذبيحة الإفخارستية هي " منبع الحياة المسيحية كلها وقمتها" [2]. "إن الإفخارستيا الكلية القداسة تحتوي على كنز الكنيسة الروحي بأجمعه، أي على المسيح بالذات، الذي هو فصحنا والخبز الحي، والذي جسده الذي يحييه الروح القدس ويحيي، يعطي الناس الحياة"  [3]. لذا توجه الكنيسة بصرها على الدوام نحو ربها الحاضر في سر المذبح والذي نكتشف فيه ملء التعبير عن حبه العظيم.

1 -  ولدت الكنيسة من السر الفصحي. لذلك فإن الإفخارستيا تأخذ لها مكانا في وسط الحياة الكنسية: "وكانوا مواظبين على تعليم الرسل، والشركة، وكسر الخبز" [4]. بعد ألفي سنة مازلنا نحقق هذه الصورة للكنيسة. المشهد واضح أمامنا: العشاء الأخير يوم الخميس، يسوع ينحدر من العلية ليجوز وادي قدرون ويذهب إلى بستان الزيتون، في تلك الليلة شعر يسوع وهو يصلي بقلق: "وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض" [5]. هذا الدم وهبه للكنيسة كشراب للخلاص في سر الإفخارستيا، إراقته ستكتمل على الجلجلة: " إن المسيح .. حبرا للخيرات الآتية.. دخل المقادس مرة لا غير، لا بدم تيوس وعجول، لكن بدمه الخاص، بعد أن أحرز لنا فداء أبديا" [6].

2 - ساعة فدائنا: رغب يسوع في أن يؤانسه تلاميذه، لكن على العكس اختبر العزلة والهجر: "هكذا لم تقدروا أن تسهروا معي ساعة واحدة! اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة" [7]. هذه الساعة كانت مدخلا للنزاع على الصليب. ساعة الفداء كانت مقدسة. كل كاهن يحتفل بالقداس يعود إلى تلك الساعة، تصحبه كل الجماعة المسيحية التي تشارك في القداس.

3 - سر الإيمان: عندما يذكر الكاهن في الطقس البيزنطي "وصية المخلص وكل ما جرى لأجلنا: الصلب والقبر والقيامة في اليوم الثالث والصعود إلى السماوات والجلوس عن يمين الآب والمجيء الثاني المجيد" أو في الطقس اللاتيني "إنا نعلن موتك أيها الرب يسوع، ونمجد قيامتك، وننتظر مجيئك في المجد"، تشير الكنيسة إلى المسيح في سر ألامه وتعلن أيضا أن الكنيسة تنبع من الافخارستيا. من المؤكد أن تأسيس الافخارستيا في العلية يشكل برهة حاسمة في تكوين الكنيسة، فيها أوكل يسوع المسيح إلى الكنيسة التأوين المستديم للسر الفصحي. عندما يتلفظ الكاهن بكلمات التقديس: "هذا هو جسدي.. هذا هو دمي.." يضع فمه وصوته في تصرف يسوع الذي لفظ هذه الكلمات في العلية والذي أراد أن يجددها من جيل إلى جيل، جميع الذين في الكنيسة، يشاركون بالخدمة في كهنوته. إن الكنيسة تحيا بالمسيح الإفخارستي وبه تتغذى وتستنير، الافخارستيا سر إيمان، وفي الوقت عينه سر نوراني وفي كل مرة نحتفل بالافخارستيا، يستطيع المؤمنون أن يحيوا من جديد، نوعا ما، اختبار تلميذي عماوس: "فانفتحت أعينهما وعرفاه" [8].

4 -  الافخارستيا حضور يسوع الخلاصي وسط الجماعة وغذاءها الروحي، هي أثمن ما يمكن أن تمتلكه الكنيسة في مسيرتها على امتداد التاريخ.

5 - أن مشاركة المؤمنين التقية في زياح القربان الأقدس، يوم الاحتفال بعيد الجسد، هي نعمة من الرب تملأ فرحا كل سنة أولئك الذين يشاركون فيها.

الفصل الأول: سر الإيمان

تسلمت الكنيسة الإفخارستيا من المسيح ربها، كعطية بامتياز، عطية شخصية في إنسانيته المقدسة وعطية تدبيره الخلاصي.

عندما تحتفل الكنيسة بالإفخارستيا، ذكرى موت ربنا وقيامته، يصير هذا الحدث حاضرا. فنحن فيه حاضرون وكل مؤمن يستطيع أن يشارك فيها ويتذوق ثمارها بطريقة لا تنضب. هذا هو الإيمان الذي أحيا الأجيال المسيحية على مر القرون.

ما الذي كان يمكن أن يفعله يسوع أكثر من أجلنا؟

في الإفخارستيا، يُظهر يسوع لنا حبا "إلى النهاية" [9] ، حبا لا يعرف مقدارا.

هذا التعبير عن المحبة الشاملة يرتكز على كلام يسوع نفسه. فيسوع لم يكتف بأن يقول "هذا هو جسدي" بل أضاف "الذي يبذل لأجلكم" و "الذي يهراق عن كثيرين"  [10]. "القداس هو في آن واحد وبغير انفصال، التذكار القرباني الذي تستمر به ذبيحة الصليب، والوليمة المقدسة التي فيها نشترك في جسد الرب ودمه".

هذه الذبيحة تتجدد في كل جماعة تقدمها بواسطة يدي خادم مكرس. بهذه الطريقة تؤمن الإفخارستيا لإنسان اليوم المصالحة ولكل البشرية. لأن "ذبيحة المسيح وذبيحة الإفخارستيا هما ذبيحة واحدة" عبر عن هذا القديس يوحنا الذهبي الفم: "إنا نقدم دائما الحمل نفسه، لا حملا اليوم وحملا آخر في الغد، بل دائما الحمل نفسه. لهذا السبب، ليس هناك إلا ذبيحة واحدة.. والآن أيضا، نقدم الضحية التي قُدمت قبلا والتي لن تُستنفذ أبدا"  [11].

القداس يجعل ذبيحة الصليب حاضرة، فلا يضاف إليها ولا يكثرها. ما يتكرر هو الاحتفال بالذكرى، ب "الظهور الذكراني" للذبيحة، الظهور الذي بواسطته تصبح ذبيحة المسيح حاضرة في الزمن.

ذبيحة المسيح تجعل حاضرا ليس فقط سر الآم المخلص وموته، لكن أيضا سر قيامته الذي تجد فيه الذبيحة تتويجها. فالمسيح لكونه حيا وقائما من بين الأموات، يستطيع في الإفخارستيا أن يكون "خبز الحياة" [12]و "خبزا حيا"  [13]. يقول كيرلس الإسكندري عن الاشتراك في الأسرار المقدسة "أنه حقا اعتراف وتذكير بأن الرب مات ومن ثم عاد إلى الحياة من أجلنا ولصالحنا".

الإفخارستيا هي بحق سر الإيمان، سر يفوق فهمنا ولا يمكن أن نتقبله إلا بالإيمان.

فعالية الذبيحة الخلاصية تتحقق كليا في المناولة، عندما نتقبل جسد الرب ودمه، نتحد مع المسيح من خلال المناولة: إنا نقبله هو نفسه، هو الذي قدم ذاته من أجلنا، نتناول جسده الذي بذله من أجلنا على الصليب، ودمه الذي أهرقه من أجل كثيرين، لمغفرة الخطايا  [14]. "كما أن الآب الحي قد أرسلني، وأنا أحيا بالآب، فمن يأكلني يحيَ هو أيضا بي" [15]. عندما تحدث يسوع للمرة الأولى عن ذلك الغذاء، تعجب سامعوه وارتبكوا، واضطروا المعلم أن ينوه بحقيقة أقواله: "الحق الحق أقول لكم: إن لم تأكلوا جسد ابن البشر، وتشربوا دمه فلا حياة لكم في ذواتكم"  [16]. فالقضية ليست مأكل بالمعنى الاستعاري: "فإن جسدي مأكل حق، ودمي مشرب حق".

المسيح يمنحنا أيضا روحه، من خلال تناولنا جسده ودمه. كتب القديس أفرام عن ذلك: "دعا الخبز جسده الحي وملأه من ذاته ومن روحه.. فمن يأكله بإيمان إنما يأكل النار والروح.. خذوا كلوا منه كلكم وكلوا معه الروح القدس. ذلك حقا هو جسدي، فمن يأكل منه يحي إلى الأبد" [17]. في استدعاء الروح القدس في الليتورجيا للقديس يوحنا فم الذهب نقول: "نبتهل إليك ونطلب ونتضرع: فأرسل روحك القدوس علينا جميعا وعلى هذه القرابين.. لكي تكون للمتناولين منها لعفاف النفس، لغفران الخطايا، لشركة الروح القدس"  [18]. في القداس اللاتيني: "عندما نتناول جسده ودمه ونمتلئ من الروح القدس، هب لنا أن نصير جسدا واحدا وروحا واحدا في المسيح"  [19]. هكذا يُنمي فينا المسيح موهبة روحه عندما يُعطينا جسده ودمه، ذلك الروح الذي نلناه في المعمودية ووسمنا به في سر التثبيت.

الإفخارستيا هي توق نحو النهاية، إستشعار بملء الفرح الذي وعد به المسيح. هي نوعا ما استباق للفردوس "عربون المجيء الثاني". من يتغذى في الإفخارستيا لا حاجة بأن ينتظر الآخرة كي يسعد بالحياة الأبدية، إنه يملكها منذ الآن على الأرض. فيها نحصل على ضمانة القيامة: "من يأكل جسدي ويشرب دمي فله الحياة، وأنا أقيمه في اليوم الأخير" [20].

التوق الاسكاتولوجي الذي تسببه الإفخارستيا يعبر عن الشركة مع كنيسة السماء ويوطدها. لذلك نذكر مريم الدائمة البتولية والدة الإله والملائكة والرسل والشهداء.. إن الإفخارستيا حقا زاوية من السماء تطل على الأرض..

لقد أراد الرب أن يسكن معنا في الإفخارستيا لنساهم على ضوء الإنجيل في بناء عالم يكون بمقياس الإنسان ويتجاوب كليا والتدبير الإلهي وفي حل معضلات العالم وترسيخ التضامن بين الناس كما يعلن الرسول بولس أنه "لا يليق" بجماعة مسيحية أن تشارك في عشاء الرب فيما هي غارقة في انقسامات ولا تبالي بالفقراء (1كو 11: 17 22، 27- 34).

الذين يشاركون في الإفخارستيا يتطلب منهم الالتزام بتبديل الحياة كي تصبح بطريقة ما كلها "إفخارستية".

الفصل الثاني: الإفخارستيا تبني الكنيسة

ذكر المجمع الفاتيكاني الثاني بان الاحتفال الإفخارستي هو في وسط مسيرة نمو الكنيسة فقال إن "الكنيسة التي هي ملكوت المسيح الحاضر حضورا سريا، تنمو في العالم نموا ظاهرا بقدرة الله" (الدستور العقائدي، نور الأمم العدد 3). كيف يحصل هذا النمو؟ "كل مرة تقام على المذبح ذبيحة الصليب التي بها "ذُبح المسيح فصحنا" (1 كو 5:7). كل مرة نقدم الذبيحة تتحقق وحدة المؤمنين الذين يؤلفون في المسيح جسدا واحدا (1 كو 10: 17).

لقد تقبل الرسل في العلية دعوة يسوع: "خذوا فكلوا.. اشربوا من هذا كلكم.." (متى 26: 26، 28) انطلاقا من تلك اللحظة وحتى آخر الأزمنة، تُشاد الكنيسة عبر الشركة الأسرارية مع ابن الله الذي ذُبح لأجلنا: "اصنعوا هذا لذكري.. اصنعوا هذا، كلما شربتم، لذكري" (1 كو: 24-25)، (لو 22:19).

الاندماج بجسد المسيح يجعلنا نقول ليس فقط بأن كل واحد منا يتقبل المسيح، بل أيضا بأن المسيح يتقبل كل واحد منا. إنه يوثق عرى الصداقة معنا: "أنتم أصدقائي" (يو 15:14). أما نحن فنحيا بفضله: "فمن يأكلني يحي هو أيضا بي" (يو 6: 57). في الإفخارستيا يتحقق ثبات المسيح وتلميذه" "أثبتوا فيّ وأنا فيكم" (يو 15:4).

باتحادنا بالمسيح نصبح نور العالم وملح الأرض (متى 5: 13- 16)، لأجل فداء الجميع. رسالة الكنيسة تكمل رسالة المسيح: "كما أرسلني الآب، كذلك أنا أرسلكم" (يو 20: 21). لذلك تنال الكنيسة القوى الروحية لتتميم رسالتها من ديمومة ذبيحة المسيح ومن تناول جسده ودمه، هكذا تظهر الإفخارستيا في آن معا كمصدر وقمة لكل الدعوة بالإنجيل.

ماذا نعني بالشركة الإفخارستيا؟

"الخبز الذي نكسره أليس هو شركة في جسد المسيح؟ فبما أن الخبز واحد، فنحن الكثيرين جسد واحد" (1 كو 10: 16-17). والقديس يوحنا الذهبي يفسر هذا قائلا: " ما هو إذا هذا الخبز؟ إنه جسد المسيح. ماذا يُصبح الذين يتناولونه؟ جسد المسيح: لا عدة أجساد، بل جسد واحد. لمّا كان الخبز واحدا أحدا، مع كونه مؤلف من بذرات عديدة كائنة فيه مع أنّا لا نراها، وقد اختف فوارقها بسبب اندماجها الكامل بعضها ببعض، كذلك نحن، بالطريقة نفسها، متحدون بعضنا ببعض، وكلنا متحدون معا بالمسيح" (عظة في الرسالة الأولى إلى الكورنثيين).

علينا أيضا أن نشجع إكرام الإفخارستيا خارج القداس، بالأخص صمد القربان الأقدس والسجود له أمام المسيح الحاضر في الأجزاء الإفخارستية. كما علينا إكرام الأجزاء المقدسة المحفوظة بعد القداس.

إن الإفخارستيا كنز لا يُقدر بثمن: إنها تسمح لنا أن ننهل من ينبوع النعمة نفسه، باحتفالنا بها، بل بالسجود لها خارجا عن القداس.

الفصل الثالث: رسولية الإفخارستيا والكنيسة

الكنيسة هي واحدة ومقدسة وكذلك الإفخارستيا: واحدة وجامعة وأيضا مقدسة.

يتحدث البابا في هذا الفصل عن رسولية الإفخارستيا والكنيسة.

الكنيسة رسولية أي مؤسسة على الرسل، ويميز التعليم المسيحي ثلاثة معاني لهذا التعبير.

1) لقد بنيت ولا تزال مبنية على أساس الرسل" (أفسس 2: 20)، فهم شهود مختارون ومرسلون من قبل المسيح نفسه ويسوع أوكل سر الإفخارستيا إليهم، وبهم وبخلفائهم انتقل إلينا.

2) الكنيسة "تحفظ وتنقل، بمساعدة الروح الساكن فيها، التعليم، الوديعة الخيّرة، الأقوال السليمة التي سمعتها من الرسل". وفقا لهذا المعنى نجد أن الإفخارستيا هي رسولية لأنه يُحتفل بها طبقا لإيمان الرسل.

3) الكنيسة رسولية بمعنى أنها "لا تزال يُعلمها الرسل ويقدسونها ويسوسونها حتى عودة المسيح بفضل من يخلفونهم في مهتهم الراعوية: هيئة الأساقفة، "يساعدهم الكهنة، بالاتحاد مع خليفة بطرس، راعي الكنيسة الأعلى (مجمع الإيمان). الإفخارستيا تعبر عن معنى الرسوليةهذا " فالمؤمنون على حد ما يعلم المجمع الفاتيكاني الثاني، يشتركون بكهنوتهم الملوكي في تقديم الإفخارستيا"(نور الأمم). لكن الكاهن هو الذي يقيم الذبيحة في شخص المسيح ويقربها إلى الله باسم الشعب كله". (الكاهن وحده يتلو الصلاة الإفخارستية بينما يشارك المحتفلون والشعب بإيمان وصمت).

عندما نقول أن الكاهن يقدم الذبيحة في شخص المسيح يعني أكثر من "باسم المسيح" أو بدلا من المسيح. في شخص: أي في التماهي النوعي، السري، مع الكاهن الأعظم، صانع ذبيحته الخاصة وعنصرها الأساسي والتي لا يمكن أن ينوب عنه فيها أحد.

إذا ما كانت الإفخارستيا محور وقمة حياة الكنيسة فهي أيضا كذلك للخدمة الكهنوتية. الإفخارستيا هي "علة وجود سر الكهنوت الأساسية والمركزية، الكهنوت الذي أنشئ، في الواقع، لحظة تأسيس الإفخارستيا ومعها" (الرسالة الرسولية).

عديدة هي خدمات الكاهن الراعوية. إذا فكرنا في أوضاع العالم المعاصر الاجتماعية والثقافية، لسهل علينا أن نفهم كيف أنه يتربص بالكهنة خطر التشتت في مهام عديدة مختلفة. لذلك من المهم لخير الكنيسة والعالم بأن نضع موضع التنفيذ توصية المجمع بالاحتفال يوميا بالإفخارستيا، "لأن القداس، وإن لم يستطع المسيحيون حضوره، هو عمل المسيح والكنيسة" (القرار: خدمة الكهنة العدد 14). هكذا يتسنى للكاهن التغلب على كل المشادات التي تتنازعه طيلة أيامه.. هكذا تصبح ايامه كلها إفخارستيا.

هذا كله يبين كم هو مؤلم وشاذ وضع جماعة مسيحية تفتقر إلى كاهن يقودها.

الفصل الرابع: الإفخارستيا والشركة الكنسية

الإفخارستيا هي قمة جميع الأسرار لأنها تقود الشركة مع الله الآب، إلى كمالها. لذلك يجدر بنا أن ننمي في القلوب الشوق الدائم على سر الإفخارستيا. هذه هي المناولة الروحية التي تحدثت عنها الققديسة تريز الأفيلية في كتابها طريق الكمال: "عندما لا تستطيعون أن تتناولوا القربان في القداس الذي تحضرونه، تناولوا روحيا. عن في ذلك لطريقة بالغة المنفعة.. إنكم تطبعون هكذا في ذواتكم حبا أعمق لربنا".

هذه الشركة تنمو بممارسة فضائل الإيمان والرجاء والمحبة والثبات في حضن الكنيسة "بالجسم" و "بالقلب".

القديس بولس: فليختبر الإنسان إذا نفسه، وعندئذ فقط، فليأكل من الخبز ويشرب من الكأس" (1 كو 11: 28).

القديس يوحنا فم الذهب: "وأنا أيضا، أرفع الصوت وأضرع وأصلي وأتوسل إليكم ألا تقربوا من هذه المائدة المقدسة بضمير ملطخ فاسد. لأن مثل هذا الوضع لن يسمى البتة مناولة، حتى ولو تناولنا الف مرة جسد الرب، بل بالأحرى يسمى دينونة وعذابا ومزيدا من العقوبات".

الإفخارستيا والتوبة مترابطان ارتباطا وثيقا: "نناشدكم بالمسيح أن تصالحوا مع الله" (2 كو 5: 20). إذا كانت خطيئة ثقيلة ترهق ضمير المسيحي، فطريق التوبة، من خلال سر المصالحة، يصبح الممر الواجب سلوكه للبلوغ إلى شركة كاملة في ذبيحة الإفخارستيا.

شركة الجماعة الإفخارستية هي شركة مع أسقفها (ومع الحبر الروماني) لأن الأسقف هو مبدأ الوحدة الظاهرة واساسها في كنيسته الخاصة (المجمع الفاتيكاني الثاني، نور الأمم). يقول القديس أغناطيوس الأنطاكي: "لتُعتبر وحدها شرعية تلك الإفخارستيا التي يُحتفل بها برئاسة الأسقف أو برئاسة من عهد إليه بذلك" (رسالة إلى أهل أزمير).

كل احتفال إفخارستي يتم ليس فقط مع الأسقف، بل أيضا مع البابا والهيئة الأسقفية، مع الإكليرس كله والشعب أجمع، لأنه يُعبر عن تلك الوحدة الشاملة مع بطرس ومع الكنيسة جمعاء.

الإفخارستيا تولد الشركة وتربي على الشركة. "أنتم جسد المسيح وأنتم أعضاء الجسد"(1كو12: 27؛راجع1كو11: 17-43).

باعتبار أن الإفخارستيا سرا للشركة الكنسية، يجب أن ننمي في ذواتنا الرغبة في البلوغ إلى الوحدة. في الذبيحة نتوسل إلى الله أن نصبح جسدا واحدا وروحا واحدا.

الفصل الخامس: كرامة الاحتفال الإفخارستي

بدأ هذا الإكرام في تضميخ يسوع بالطيب في بيت عنيا ويقول يوحنا أن امراة يرى فيها مريم أخت لعازر أفاضت على رأس يسوع قارورة طيب نفيس جدا، مما سبب عند التلاميذ وبالأخص عند يهوذا ردة فعل احتجاج. لكن يسوع أجاب "فإن الفقراء عندكم في كل حين" (متى26: 11). هذا الإكرام هو استباق للإكرام الذي سيظل جسده يُحاط به حتى بعد موته.

في الأناجيل الإزائية نرى أن يسوع يأمر بدقة بإعداد "العلية الكبيرة" الضرورية لتناول العشاء الفصحي. تليه رواية تأسيس الإفخارستيا. الرواية مقتضبة ولكنها احتفالية.

إن الوليمة المقدسة هي حقا وليمة مقدسة. لذلك نحتفل بها في مكان لائق: من بيوت الأسر المسيحية إلى بازيلكات القرون الأولى ثم إلى الكاتدرائيات العصر الوسيط وأخيرا إلى الكنائس الكبيرة والصغيرة..

نقول ذلك عن الموسيقى والتراتيل والفن ورسم الأيقونات

هناك منافسة بين الكنائس على جمالية الطقوس. (الطقس البيزنطي).

علينا أن نُعيد الطاعة للنظم الليتورجية وإظهارها كشعاع وشهادة للكنيسة الواحدة والجامعة، الحاضرة في كل احتفال إفخارستي.

الكاهن الذي يقيم القداس بأمانة، وفقا للنظم الليتورجية، يظهر محبته للكنيسة، بطريقة صامتة ولكن بليغة.

الفصل السادس: في مدرسة مريم، المرأة "الإفخارستية"

عندما نتكلم عن علاقة الكنيسة والإفخارستيا لا يمكن أن ننسى مريم أم الكنيسة ومثالها فمريم تقود خطانا نحو هذا السر الأقدس، لما يوجد بينهما علاقة عميقة.

في رواية التأسيس لا حديث عن مريم، لكننا نعلم أنها كانت حاضرة بين الرسل المواظبين على "الصلاة بقلب واحد" في الجماعة الأولى الملتئمة بعد الصعود في انتظار العنصرة.

إن مريم امرأة إفخارستي في حياتها كلها، لذلك الكنيسة مدعوة إلى التسبه بها أيضا في علاقتها مع هذا السر الكلي القداسة.

مارست مريم نوعا ما إيمانها الإفخارستي قبل تأسيس الإفخارستيا، بمجرد أنها قدمت حشاها البتولي لتجسد كلمة الله.

هناك تشابه عميق بين "فليكن لي بحسب قولك" جوابا من مريم عن أقوال الملاك "أمين" التي نلفظها عند تناول جسد ودم الرب.

عندما حملت في حشاها الكلمة المتجسد، أصبحت "خباء لبيت القربان" - أول بيت في التاريخ- فيه قُدم ابن الله الذي لم تره بعد أعين البشر التي بشرت به اليصابات.."طوبى للتي آمنت.."(لو 1: 45).

على مدى حياتها حملت مريم يسوع ليس فقط على الجلجلة: تقدمة يسوع إلى الهيكل.. فيه أعلن مسبقا مأساة ابنها المصلوب "سيفا يخترق قلب أمه" (لو 2: 34).

كل ما أتمه المسيح تجاه أمه، يتمه أيضا لصالحنا، لقد عهد إليها بالتلميذ الحبيب، وبشخص ذلك التلميذ يعهد إليها ايضا بكل واحد منا: "هوذا ابنك!" وكذلك يقول لكل واحد منا: "هي ذا أمك!"

هذا يعني أن نأخذ باستمرار إلى بيتنا الخاص على مثال يوحنا تلك التي تعطى لنا كل مرة كأم. وهذا يعني أن نتتلمذ لها.

عن مريم حاضرة في كل احتفالاتنا الإفخارستية، مع الكنيسة وكأم للكنيسة. هذا ما يجعلنا نذكر دوما مريم العذراء كل مرة نقيم الإفخارستيا.

 (نذكر هنا صلات الباب وتحضير الذبيحة، إنه واجب، إن البرايا..)

خاتمة

لنتذكر، كما تذكر البابا، قداسنا الأول ونركز أعيننا على الخبز والكأس

ولنتذكر أننا مثل تلميذي عماوس في حج مع يسوع فهو سار معهما ليفتح أعينهما على النور وقلبهما على الرجاء.

إننا مدعوون، إلى التقدم في الحياة المسيحية، بفعالية متجددة.

كل التزام نحو القداسة، كل عمل يهدف إلى اكتمال رسالة الكنيسة،

كل تطبيق لمخططات راعوية، عليها جميعا أن تنهل من السر الإفخارستي القدرة الضروري

وأن تتوجه إليه كما إلى القمة.

في الإفخارستيا نملك يسوع وذبيحته الفادية وقيامته وعطية الروح القدس، نملك العبادة والطاعة والمجد للآب.

المسيح يسير معنا، تحت أعراض الخبز والخمر الوضيعة، المتحولة جوهريا إلى جسده ودمه،

صائرة لنا قدرة وزادا أخيرا، إنه يجعل منا ، من أجل جميع أخوتنا، شهود رجاء.

ينهي البابا رسالته بهذه الصلاة:

أيها الراعي الصالح، الخبز الحقيقي،

يا يسوع ارحمنا.

غذّنا، إحمنا

إجعلنا نرى الخير الأعظم، في أرض الأحياء.

انت الذي يعرف كل شيء ويقدر على كل شيء،

انت غذاؤنا على هذه الأرض،

إجعل منا مدعويك في العلى،

ووارثين لك إلى الأبد، في أسرة القديسين.

 

حاضرة الفاتيكان، الثلاثاء 30 مارس 2010 (Zenit.org)

استراليا، الأربعاء 31 مارس 2010 (Zenit.org

استراليا، الخميس 1 مارس 2010 (Zenit.org)

 

 

 [1]  متى 28/20

 [2]  الكنيسة نور الأمم، 11

 [3]  خدمة الكهنة الراعوية وحياتهم، 5

 [4]  أع 2/42

 [5]  لو 22/44

 [6]  عب 9/11-12

 [7]  متى 26/40-41

  [8]لو24/31

[9]  يو 13/1

 [10]  لو 22/19-20

 [11]  عظة حول الرسالة إلى العبرانيين

 [12]  يو 6/35، 48

[13]  يو 6/51

[14]  متى 26/28

[15]  يو 6/57

[16]  يو 6/53

[17]  العظة 4للسبوع المقدس

[18]  انافورا القديس يوحنا فم الذهب

[19]  الصلاة الافخارستية الثالثة

[20]  يو 6/54