جماعة "روح وقـوّة "     دير الملاك جبرائيـل

  

صوت غير مسموع في الأراضي المقدسة

مقابلة مع بطريرك القدس للاتين

القدس، الجمعة 5 مارس 2010 (Zenit.org) على الرغم من أن العرب المسيحيين يشكلون أقلية ضئيلة في الأراضي المقدسة، إلا أنهم يستطيعون أن يكونوا جسراً مهماً في الصراع الذي قسّم المنطقة لفترة طويلة، على ما يقول البطريرك فؤاد طوال.

مع ذلك، يأسف بطريرك القدس للاتين لتضاؤل أعداد المسيحيين مع تباطؤ الأسرة الدولية في أخذهم بالاعتبار. ويشير إلى أن جزءاً من المشكلة يكمن في الجدار الإسرائيلي الذي يرتفع 20 قدماً حول الأراضي الفلسطينية والذي يجعل الحياة اليومية شبه مستحيلة.

تجدر الإشارة إلى وجود حوالي 50000 مسيحي في قطاع غزة والقدس الشرقية والضفة الغربية، إضافة إلى 200000 في إسرائيل.

في حديثه مع البرنامج التلفزيوني "حيث يبكي الله" الذي تنتجه الشبكة الكاثوليكية للإعلام المرئي والمسموع بالتعاون مع "عون الكنيسة المتألمة"، يناقش البطريرك مختلف التحديات التي يواجهها المسيحيون المقيمون في الأراضي المقدسة. كذلك يدعو إلى الصلاة والتخطيط والضغط.

هل بإمكانكم إطلاعنا على وضع المسيحيين في الأراضي المقدسة في هذه الفترة؟

البطريرك طوال: يجب أن نتذكر أن البطريركية اللاتينية تشمل ثلاث دول هي الأردن وفلسطين وإسرائيل، وحتى قبرص. لذا ليس سهلاً التحدث عن دولة واحدة لأن الأوضاع تختلف من دولة إلى أخرى. فهناك في العالم عدة أبرشيات في دولة واحدة، كما نعلم عموماً، إلا أن وضعنا مختلف مع وجود أبرشية واحدة ضمن عدة دول.

إن واقع عيشنا في حالة صراع يعني أن الحدود الفاصلة بين هذه الدول تخلق المشاكل. فعبور الحدود يسبب المشاكل، ونقل كاهن من رعية إلى أخرى يبدو أمراً صعباً. نحن نحتاج إلى تصاريح من إسرائيل للتنقل بين هذه البلدان، أي ضمن بطريركية القدس.

كيف تصفون مشاعر السكان في القدس، في الأراضي المقدسة، ومشاعر المسيحيين بخاصة؟

البطريرك طوال: إنها مدينة مميزة، مدينة رائعة ومؤثرة بكى الرب فيها. وما نزال نحن أيضاً نبكي حتى الآن. هذا ليس سهلاً. توحد القدس جميع المؤمنين اليهود والمسلمين والمسيحيين إلا أنها تفرقهم جميعاً حتى الموت. فكل فئة تريد أن تكون القدس عاصمتها، لكنني أرى أن القدس يجب أن تكون أم الكنائس، أم جميع المؤمنين، لا أم شعب واحد.

يسعدني من جهة أن أرى القادمين لزيارة الأماكن المقدسة، ويؤلمني من جهة أخرى أن أرى الكنيسة المحلية، المسيحيين المحليين غير قادرين على زيارتها. فلا يستطيع كاهن رعية من بيت لحم أن يأتي بأبناء رعيته في رحلة حج إلى هذه الأماكن المقدسة. والوضع مماثل في رام الله والأردن والرعايا الأخرى، بحيث أنها غير قادرة على التحرك بسهولة في ظل وجود نقاط التفتيش العديدة والجدار الفاصل.

السؤال الأساسي هو التالي: هل ساء الوضع بالنسبة للمسيحيين في الأراضي المقدسة نتيجة بناء الجدار؟

البطريرك طوال: بالتأكيد لأن الجدار يفرق العائلات. فهو لا يفصل فقط بين هذه الأماكن المقدسة، وإنما أيضاً بين العائلات. والحال أن بعض الشباب لا يستطيعون زيارة أجدادهم وجداتهم في الجانب الآخر من الجدار. ولا يستطيعون الذهاب إلى أراضيهم وحقولهم وبساتين الزيتون في الجهة الأخرى. المشكلة كبيرة لا تقتصر فقط على هذه الأماكن المقدسة بل تشمل كرامة العائلات، والفصل بين الشباب وكبار السن. كما لا يمكن زيارة شخص يحتضر في الناحية الأخرى.

هل تسافرون بجواز سفركم الدبلوماسي المعطى لكم من الفاتيكان؟

البطريرك طوال: هذا صحيح. هكذا أزور المؤمنين في الدول الثلاث الأردن، إسرائيل وفلسطين التي تشكل بطريركية واحدة. لكن المشكلة تكمن في نقل كاهن من رعية إلى أخرى بحسب عملنا الرعوي واحتياجاتنا الرعوية. هنا يتطلب الأمر تفكيراً في احتمال حصوله على الإذن بالمجيء أو عدم حصوله عليه، مما يعتبر مشكلة كبيرة.

في الأردن القسم الأكبر من البطريركية ومصدر كهنتنا وإكليريكيينا وراهباتنا نتساءل دوماً عن إمكانية إحضار البعض إلى فلسطين. ويتمحور العائق الآخر الذي يعترض طريق الإكليريكيين الشباب المتواجدين في بيت جالا قرب بيت لحم، حول إمكانية الذهاب في عطلة إلى الأردن لرؤية عائلاتهم.

لرؤية عائلاتهم؟

البطريرك طوال: أجل، إنها مشكلة. نحن نتحمل نتائج الصراع. لسنا بحاجة إلى هذا التصريح بل إلى السلام. نحتاج إلى حياة طبيعية، إلى حرية التنقل بسلام من دون مشاكل أو تصاريح. حتى ولو أعطتنا إسرائيل التصريح إلا أننا لسنا ممتنين لها. سنكون ممتنين فعلاً عندما نشعر بالسلام ونعيش حياة طبيعية ونتنقل من دون مشاكل.

في الواقع أن الصراع مستمر منذ أكثر من 60 عاماً، ولم نشهد حتى الآن أي تقدم نحو المزيد من السلام والكرامة والحرية. لم يحصل ذلك لكننا لا نفقد الرجاء في الصلاة وطلب المساعدة من الخارج لتحقيق السلام.   

المسيحيون عالقون بين الإسلام المتطرف والصهيونية المتطرفة. هل توافقون على حس العدائية تجاه الجماعة المسيحية من قبل الطرفين؟

البطريرك طوال: أوافق على ضرورة أن يعيدنا هذا الوضع المؤثر إلى الإنجيل. يقول الرب في الإنجيل: "من أراد أن يتبعني، فليحمل صليبه ويتبعني".

هذا هو "خبزنا اليومي" أن نحمل الصليب في الأماكن التي حمل فيها صليبه. ولا يهمنا نحن المسيحون "الأقلية" إن كان هذا الصليب ناتجاً عن اليهود أو المسلمين أو ذواتنا. ففي الواقع أننا لا نستطيع أن نعيش في الأراضي المقدسة، ونحبها ونعمل فيها من دون الصليب. من هنا يعود بنا وضع الجدار إلى أخذ الإنجيل على محمل الجد. في الوقت عينه، يقول الرب في الإنجيل: "لا تخافوا أنا معكم ولن أتخلى عنكم أبداً".

لذلك فإن اندفاعنا وفرح عيشنا وعملنا وتبشيرنا ونشاطنا الرعوي لا يعتمد على الوضع السياسي إن كانت الحكومة معنا أو ضدنا بل ينبع من مصدر آخر: من الرب، من قدرته ومحبته ومغفرته.

لقد شبهتم المسيحيين العرب بجسر بين الشرق والغرب. ما هو الدور الذي يؤديه المسيحيون في هذا السياق؟

البطريرك طوال: ينبغي علينا أولاً أن نحافظ على هويتنا كعرب وكمسيحيين. لا يمكننا نسيان هذه الهوية. كعرب، نتشارك التقاليد واللغة عينها مع المسلمين. يمكننا التحدث إليهم ونشعر أننا عرب أكثر منهم. فقد كان العرب موجودين قبل قرون عديدة من وصول الإسلام إلى الشرق الأوسط. نحن فخورون بالقول بأننا عرب قادمون من الصحراء. أقول ذلك بسرور من دون أي مشكلة.

وفي الوقت عينه، نحن مسيحيون نتمتع بثقافة مسيحية، وثقافة غربية. نحن قادرون على تشكيل عامل تغيير ومصالحة، أو جسر بين الطرفين المتنازعين. أما السؤال هنا فهو عما إذا كانت الأسرة الدولية تقبلنا أو ترانا بهذه الطريقة.

كثيراً ما نُنسى. وكثيراً ما تُتخذ قرارات بشأن الشرق الأوسط من دون التفكير بهذه الأقلية المسيحية الضئيلة في هذه المنطقة. وكثيراً ما ندفع ثمن القرارات لأن لا أحد يأخذنا بالاعتبار ويفكر في وجودنا بين أغلبية مسلمة وأغلبية يهودية.

إن أردتم توجيه دعوة إلى الشعب الكاثوليكي، ما هي الدعوة التي تختارونها من أجل المسيحيين في الأراضي المقدسة؟

البطريرك طوال: الدعوة سهلة جداً. أدعو إلى ثلاثة أمور.

الصلاة: سألنا الكنيسة جمعاء بجماعاتها وكهنتها ومؤمنيها أن تصلي من أجل السلام في الأراضي المقدسة لأننا ما نزال نؤمن بقوة الصلاة. لقد قال الرب: سلامي أعطيكم. هذا السلام الذي لا يستطيع العالم أو السياسيون أن يعطوه أو ربما لا يريدون إعطاءه، سيأتينا من الله. هذا السلام يعني الطمأنينة والإيمان والمحبة واحترام الجميع.

التخطيط: أرجو أن تختاروا مخططاً اجتماعياً أو دينياً أو ثقافياً. بإمكانكم تبني المدارس والإكليريكيين والبطريركية. يجب عليكم أن تقدموا المساعدة.

والضغط على الحكومات من أجل بناء السلام الذي نحتاج إليه أكثر من أي شيء آخر. إننا بحاجة إلى السلام، إلى الوقت للتخلص من نقاط التفتيش والجدار. ويجب أن نعيش في سلام مع الجميع.

نريد أن نؤكد للجميع أن الأسلحة والجدران ونقاط التفتيش لا تصنع السلام والأمن. فالسلام والأمن إما يُبنيان للجميع وإما لا يسودان أبداً. فلا الشعب الإسرائيلي ولا الشعب الفلسطيني قادر على التوصل إلى سلام أو أمن من طرف واحد. إما أن يتمتع الاثنان بالسلام والأمن، وإما يستمران في التقاتل من دون الخروج من دوامة العنف هذه. ونحن لا نريد ذلك، بل نريد السلام والأمن للجميع: لليهود والمسلمين والمسيحيين.

***

هذه المقابلة أجراها مارك ريدمان للبرنامج التلفزيوني والإذاعي الأسبوعي "حيث يبكي الله" الذي تنتجه الشبكة الكاثوليكية للإعلام المرئي والمسموع بالتعاون مع الجمعية الكاثوليكية الدولية "عون الكنيسة المتألمة".

على شبكة الإنترنت: للمزيد من المعلومات: www.WhereGodWeeps.org

ترجمة وكالة زينيت العالمية (Zenit.org)