جماعة "روح وقـوّة "                             دير الملاك جبرائيـل

  

عاشقة العذراء ورائية السماء

كلمة غبطة البطريرك فؤاد الطوال في قداس إعلان تطويب الأم ماري ألفونسين

بازيليك البشارة في الناصرة، 22-11-2009

حضرة صاحب السيادة رئيس الأساقفة أنجلو آماتو،

الإخوة الأساقفة والكهنة والرهبان والراهبات،

الأم اينيس اليعقوب الرئيسة العامة لرهبانية الوردية،

أيُها الأبناء المباركون والإخوة المؤمنون من أبناء الناصرة،

أيها الضيوف الكرام القادمون إلينا من كل مكان.

فيما نحييكم في الرب يسوع وأمه العذراء المباركة من هذه الكنيسة الزاخرة بعبق التاريخ ورائحة الوحي والتنزيل والتي شهدت وقائع الحدث الذي تبدل له التاريخ، حدث تجسد ابن الله في أحشاء مريم البتول، فإننا معكم وباسمكم جميعاً نرفع إلى الله أسمى آيات الشكر والحمد والثناء على هذا الحدث الفريد في تاريخ كنيسة أورشليم أم الكنائس، ألا وهو حدث تطويب "عاشقة العذراء ورائية السماء"، الأم ماري ألفونسين، بنت بلادنا ومؤسسة رهبانية الوردية المقدسة، العزيزة على قلبها وقلوبنا، والتي نقيم يوم تكريمها في مصاف الطوباويين. ونحن نأمل أن يكون هذا اليوم نقطة تحول في بلادنا لمزيد من السلام والعدل والقداسة.

نشكر لسيادة رئيس الأساقفة أنجلو أماتو حضوره بيننا كمندوب عن قداسة البابا ليتلو علينا في المرسوم البابوي نبأ تطويب الأم ماري ألفونسين. نشكر لقداسة البابا الذي بتطويب الأم ألفونسين، أنعش أرواحنا، وأسعد قلوبنا، وجدد كنيستنا، وبعث فيها روحا جديدا وأملا سعيدا في  إمكانية أن نكون على مثالها قديسين.

ان الكنيسة التي لا تنجب للرب قديسين وقديسات من الكهنة والعلمانيين والراهبات كنيسة فاشلة وأم عاقر. ولا ينفعها عند الرب أنه تقوم بالنشاطات الكثيرة والمشاريع الكبيرة. القداسة هي مصداقية الكنيسة، وأوراق اعتمادها. والقديسون هم التفسير الصحيح لإنجيل المسيح. والأم ماري ألفونسين هي التفسير الكبير والترجمة العربية المقدسية الرائعة للإنجيل المقدس.

ولدت سلطانة غطاس في كنف عائلة مؤمنة تقية فاضلة، تعمل معا، وتصلي معا. شعرت منذ نعومة أظفارها بأن الله يدعوها إلى أمر عظيم، ويريدها أن تعتنق الحياة الرهبانية. وما كانت لتكتشف دعوة الله لو أنها لم تكتشف أنها أهل لدعوته. كاشفت والديها باختيارها وقرارها. وقوبلت بالرفض. واجهت من والدها صعوبات كثيرة وممانعات مريرة حالت دون تحقيق رغبتها في الترهب، ولكن إلى حين. لم يتخيل أبوها أن تفارقه سلطانة وأن تسافر إلى الغرب للدراسة. لكنها بحبها وإيمانها حصلت على موافقة والدها. فالتحقت برهبانية القديس يوسف للظهور. وبعد نذورها الرهبانية الأولى وكلت إليها الرئيسة مهمة التعليم المسيحي في مدرسة راهبات مار يوسف في بيت لحم. فكانت المعلمة البارعة، والمربية المتواضعة، والرسولة التي لا تعرف الراحة. وأسست أخوية الحبل بلا دنس، وأخوية الأمهات.

ولله في مُحبيه وخائفيه شؤون. فالحظوة عند الله بمقدار ما يلتمس الإنسان حبه ورضاه.

وقد حظيت الأخت ماري ألفونسين، وهي في رهبنة القديس يوسف، بظهورات متتالية من الأم السماوية، أوحت فيها إليها أن تؤسس لها، من بنات بلدها، رهبانية يكون اسمها "رهبانية الوردية المقدسة". وأوحت إليها أن تسترشد في هذا الأمر لدى كاهن ورع هو الأب يوسف طنوس، أمين سر البطريركية اللاتينية آنذاك، كي يساعدها على تحقيق رغبة العذراء والقيام بهذا المشروع الحيوي لكنيسة القدس. فمضت إلى الأب يوسف طنوس، تخبره بكل ما رأت من العذراء، وبكل ما سمعت من وحي السماء.

باشر الأب يوسف طنوس بإنشاء الرهبنة عام 1880. ونجح نجاحا عظيما. وكيف لا ينجح ومن ورائه العذراء، ومعجزاتها تملأ الأكوان. وما من أمر تريده العذراء وتباركه إلا كان بفضلها مقضيا. وانضمت الأم ماري ألفونسين إلى الرهبنة الجديدة بعد قيامها بثلاث سنوات.

إن رهبانية الوردية الأورشليمية المقدسة مرتبطة في أصولها ارتباطاً عضوياً وجذرياً بالبطريركية اللاتينية. هي وليدة التلاقي الروحي والرسولي بين الأب يوسف طنوس والأم ماري ألفونسين. وسيظل هذا الارتباط مستمراً، لأنه يشكل الملامح الأساسية لرهبانية الوردية المقدسة، التي كانت ولا تزال وستبقى الساعد الأيمن للبطريركية في رعاياها ومدارسها ومؤسساتها، تنشر معها خبر الإنجيل لكل جيل، وتوطد ايمان الشعب المسيحي في مختلف أرجاء الأبرشية والبلاد العربية.

أما عن بطولة الأم ماري ألفونسين في الفضائل, فحدّث ولا حرج. ولقد ترعرعت على كل فضيلة في بيتها الأبوي. فالعائلة المسيحية هي المدرسة الأولى التي تغرس القيم الإنسانية والروحية في قلوب الأبناء. وهذا ما حظيت الطفلة الملهمة سلطانة. كان أفراد العائلة يجتمعون كل مساء حول تمثال العذراء ويصلون المسبحة. وبعدها يصغون الى الوالد وهو يحدثهم عن المسيح والعذراء. في هذا الجو العائلي والديني, ومن هذا الينبوع الصافي ,انتهلت الأم ماري ألفونسين التقوى الحقيقية، والإيمان بالعناية الإلهية، والاتكال البنوي على العذراء.

هناك فضيلتان تميزت بهما سلطانة: حُبها للصمت والخفاء، وحُبها للصليب والتضحية.

حُبها للصمت والخفاء: الصمت هو الامتناع عن الكلام. والخفاء هو الجو المناسب الذي تنمو فيه الفضائل. فرغم ما حظيت به الطوباوية الجديدة من ظهورات ومكالمات، ورؤى متتالية وتعليمات خاصة بالتأسيس، فأنها ظلت صامتة عن كل ما جرى، ولم تعلم بذلك أحداً، لا راهبات مار يوسف، ولا راهبات الوردية الجديدات. لكنها بناء على طلب العذراء, اطلعت مرشدها والبطريرك. ولم تطلع غيرهما على ما رأت وسمعت أحدا. وجعلت ما عندها سرا دفينا. وانطبق عليها في هذا المجال القول المأثور: "اذا كان الكلام من فضة فالصمت من ذهب". وهنا كان صمتها تعبيرا عما في نفسها من قداسة عميقة وتواضع مذهل.

حُبها للصليب والتضحية: إن الحياة المسيحية المكرسة، إذا خلت من الصليب والألم، كانت ضرباً من الأوهام. لقد شغفت الأم ماري الفونسين بالصليب وبالألم. وقد كتبت تقول: "غدوت عطشى الى احتمال كل صعوبة ومشقة، وبت أستعذب المر والعذاب، وأحسب العزلة لقلبي فردوساً لذيذاً، والطاعة لروحي جنة ونعيما. واستسهلت العمل بأوامر الرؤساء بمحبة لا توصف" (مخطوط أول ص 6،7). أخذت تمارس الزهد والتقشف والكفر بالذات. وكانت تقضي الساعات الطويلة على جبل الجلجلة تستلهم آلام المعلم، حب المشاركة في آلامه، قناعة منها ويقينا بأن الألم والموت في سبيل الرب أروع برهان عن الحب، لأنه "ليس حبّ أعظم من أن يبذل الإنسان نفسه في سبيل أحبائه".

في فترة الابتداء في رهبانية الوردية تجرعت الأم ماري ألفونسين كأس الألم بالصمت والخفاء. وكانت على صليب الوردية هي الذبيحة والضحية: فلا بد لكل مشروع إلهي ناجح من ذبيحة وصليب. وقد صارحت مرشدها, كم عانت من أناس كان من المفروض أن يكونوا لها سندا. والعبرة مما عانت, أن الله دون سواه, هو السند. "إذا كان الله معنا فمن يكون علينا"؟

المسيح دعانا أن نحمل وراءه كل يوم صليبا, على مقدارنا من المتاعب والمصاعب والهموم. والصليب إذا حملناه مع المسيح ومن أجل المسيح لا يكون ثقيلا. الأم ماري ألفونسين حملت صليبها بحب. وحملت صليبها بصمت ووقار. لا تشكو لأحد صعوبة. ولا تشكو عذابا. وكان صمتها فوق عذابها، وصبرها فوق صليبها. ووقارها فوق كل اعتبار. بآلامها الصامتة أصبحت الأم ماري ألفونسين للوردية شجرة عالية، ذات ثمار يانعة، وأغصان مترامية، تستظل تحتها الأبرشية والكنيسة والأديار، ويتفيأ في ظلالها المؤمنون والمتألمون.

"فيا أيتها الطوباوية المباركة،

 يا عاشقة العذراء ورائية السماء،

 يا من قبلت من العذراء وحي السماء،

 وقلت معها نعم دون تحفظ أو تردد أو إبطاء،

 وأقمت رهبانية الوردية للبذل والعطاء،

 وكنت عن العذراء صورة جميلة مشرقة،

 في عفتها وعفافها، في حبها وحنانها،

 في صمتها واتزانها، في بذلها وعطائها، في صبرها ووقارها،

 نسألك فارمقي كهنتنا وشعبنا وراهباتنا.

 وباركي من تبعنك من بناتنا على وردية العذراء،

 ووهبن ذواتهن للمسيح بحب وزهد وسخاء.

 واحفظي رهبانية الوردية صرحا مجيدا للبر والهدى،

 ونهجا سعيدا للعبادة والصلاة.

 وعلمينا أن نحب الصمت والخفاء، وأن نستعذب البذل والعطاء.

 وألقي في قلوبنا للإنجيل والدين حماسا لا ينقطع، ونشاطا لا يستكين.

 واذكرينا لدى المسيح في كل حين". آمين.