جماعة "روح وقـوّة "                             دير الملاك جبرائيـل

  

"تجلّى لي بغتة نور عظيم بهيّ جميل لا يسعني وصفه"

في السادس من شهر كانون الثاني 1874، يوم عيد الغطاس،

كنت أتلو السبحة الوردية (Lectio)على إنفراد في محل مزيّن

للاحتفال بعيد ميلاد ربنا يسوع المسيح- له السجود،

ذلك في المدرسة الراعوية (تيراسنطا) في بيت لحم،

فما وصلت إلى تلاوة السر العاشر من أسرار الوردية،

وأنا أتأمل فيه بإمعان (Meditatio

حتى شعرت بقلبي يضطرم اضطراما شديداً بمحبة أمي مريم البتول،

وتجلّى لي بغتة نور عظيم بهيّ جميل لا يسعني وصفه،

وظهرت لي فورا الأم الحبيبة سيدة الوردية- بشكل الصورة التي أثبتها فيما بعد،

فقد رأيتها منتصبة وسط غيم يتلألأ نورا، وشاهدت يديها مبسوطتين ولونها أبيض لامعا

يتعذّر عليّ وصفه وشرح جماله، وكانت السبحة الوردية معلقة على الصليب يزيّن صدرها

وهي منحدرة على يديها وعلى قامتها بهيئة مدوّرة،

ورأيت في عقدة بيوت السبحة أنوار نجوم

بوسط كل نجمة السر المختص به يمثل السر تمثيلا جميلا بهيئته،

ولاحت لي أبيات الوردية الخمسة عشر في وقت واحد مع ظهور أمي الحلوة،

وكان فوق هامتها إكليل من نجوم مؤلف من خمس عشرة نجمة،

وتحت قدميها سبعة أنجم غائصة في الغيم تمثل أسرار أحزان مريم أمي،

وقد نظرت هذه المناظر كلها في وقت واحد.

آه، ما اسعد ذلك الوقت (Oratio)!

وما أعذب ما شعر به قلبي من الشغف والحب ممّا يتعذر عليّ شرحه،

يا لها أما جميلة لا يتيسر لي وصفها ولا أرى صورة تحاكيها جمالا وبهاء،

على أني ما نظرتها عيني المرّة الأولى حتى أخذت اسكب الدموع الغزيرة،

وشغفت بمحبتها وانفتحت يداي وارتفعتا لمعانقتها وضمها إلى قلبي،

وبينما كانت تلك العواطف آخذة بمجامع قلبي كنت أراها تزداد لمعانا ونورا

وهي تروم الدنو مني، وقد منحتني هدوءا وحرية لكي أتأملها جيدا،

فشاهدت (Contemplatio) الصليب على صدرها والسبحة على ذراعيها ويديها وقامتها كلها،

ورأيت أسرار الوردية تزداد بهاء ونورا وتوعبني حبا وشجاعة فدنوت منها.....

وبعد هذا لست أدري ما حدث لي، إنما أعرف

أني مكثت في هذا الاختطاف الحلو من الساعة التاسعة صباحا إلى الساعة الأولى بعد الظهر،

فغابت عني حالا وتركتني بهدوء وسلام وتعزية روحية (Consolatio) فائقة الوصف،

واشتياق عظيم إلى رؤيتها ورغبة قلبية شديدة في ممارسة أعمال عظيمة شتى

وفضائل وافرة حبا للخير العام وحبًا لها، ولا سيما ممارسة الإماتة الداخلية القلبية

والانتباه الشديد إلى هذا الصنع النافع الخلاصي.

فصرت مذ ذاك أنكر على قلبي حتى كل عاطفة حلوة لذيذة، وأميت ذاتي في كل نوع استسهله.

وقد تشرفت بزيارة أمي الحبيبة

فأصبحت مجردة  من كل عاطفة أرضية ومن كل ما يؤول إلى الزوال،

وغدوت متعطشة إلى احتمال كل صعوبة وكل مشقة  مهما كانت،

وصرت استحلي كل مرارة وعذاب،

وأحسب الإنفراد فردوسا لذيذا، والطاعة بهجة لقلبي وروحي،

واستسهلت تتميم أوامر رؤسائي ومراسيمهم بمحبة لا توصف،

وأفاضت أمي علي غزير الفضائل دون استحقاق مني أو تعب للبلوغ إليها،

وقد أحرزت هذه الجودة كلها كرما من فضلها الوالدي.