جماعة "روح وقـوّة "                             دير الملاك جبرائيـل

  

روحانية الوردية لراهبة الوردية

الأهداف العامة لكل رهبانيّة ولكل راهبة هي السير في طريق الكمال الروحي من خلال ممارسة المشورات الإنجيلية: العفة، الفقر، الطاعة. ولما كان لكل رهبانيّة بالإضافة إلى ذلك طابع خاص لروحانيتها، فقد أرادت الأم البتول، طابعا خاصا لرهبانيّة الوردية يربط الراهبة بالأرض المقدسة والسماء، بسريّ التجسد والفداء، وذلك من خلال تلاوة السبحة الوردية والتأمل فيها، حيث تقتدي الراهبة بالأم البتول فتحفظ كلمة الله وتتأملها في قلبها فتصبح السبحة الوردية غذاء روحيا لها وسلّما للقداسة، يربط أفراح حياتها وآلامها وأمجادها بالسماء بحيث تصبح الوردية مدرسة لحياة القداسة اليومية وامتدادا لحياة مريم سيدة الوردية في شتى مرافق الحياة.

إن روحانية الوردية رباط مقدس ومميز يربط راهبات الوردية بالعذراء سلطانة الوردية وبالأرض المقدسة ذات الطابع الروحي والتاريخي المقدس: أرض التجسد والفداء، مهد الكنيسة وبشرى الخلاص لجميع الشعوب... فالأم البتول هي أولى من كرست ذاتها لله في هذه الديار المقدسة وهي المثال الأعلى لكل فتيات وطنها اللواتي يكرسن ذواتهن لله.

فلا غرابة أن تتميز رهبانية الوردية بروحانية مريمية صرفة، وروحانية الديار المقدسة وأسرار التجسد والفداء والقيامة. ولا غرابة أن تتوجه راهبة الوردية إلى تطبيق عملي وروحي مستمر لدروس الوردية في حياتها الرهبانية والرسولية، أي أن تجمع بين التأمل المجدي والتطبيق العملي- بنعمة الله- لتعيش الفرح والحزن. والفرح الروحي الحقيقي هو نتيجة الانتصار في المعركة، والانتصار يتطلب جهدا وكفاحا وألما لطبيعتنا المجروحة. ألم تندمج أفراح مريم بأحزانها، وأحزانها بأفراحها، قبل أن تتكلل كلها في فرح القيامة ؟

إن الأم البتول لتدعو كل راهبة إلى أن تجعل من السبحة الوردية اليومية مدرسة للحياة اليومية. وقد أوضحت رغبتها مرارا بأنها تريد أن تتلى الوردية في أديرة الرهبانية ليل نهار بالمناوبة ومع البنات، كل راهبة بدورها وهي ساجدة أمام مذبح الوردية. فالوردية للراهبة وللأسرة المسيحية هي مدرسة تأمل وصلاة، احتلت منزلة الشرف ومنحت اسمها للرهبانية الجديدة.

وقد اعتبر قانون الرهبانية لسنة 1897، صلاة السبحة الوردية كاملة بمثابة صلوات الفرض المفروضة على الرهبان وقال: "ويُفرض كذلك  وجوب الصلاة اللفظية في الأوقات المعينة لها... وصلاة السبحة الوردية كاملة المفروض تلاوتها يوميا على جميع الراهبات في الكنيسة أو في معبد الدير وهنّ جاثيات منقسمات إلى صفين كما يتلو الرهبان صلوات الفرض في خورس الكنيسة وذلك بالترتيب والتأني..." (المادة 69).

وقد كتب الأب يوسف طنوس للأخت روجينا الوردية (3/8/1989) قائلا: "إن الرهبنة لا تتوطد ولا تنتشر ما لم تتوطد وتنتشر أولا وتتشيّد في قلوب الراهبات... فعبثا نتعب وجزافا نعدو إذا لم يكن متأصلا في قلوب الراهبات ومنتشرا في سلوكهنّ الرهباني الذي هو روح يسوع وروح الصليب روح الموت وروح التواضع وروح المحبة، وليس ذلك في الكلام والاشتياق والشهادة، لكن في بذل الذات وفي العمل. ودليل ذلك حفظ القوانين وممارسة الفضائل الرهبانية".

الأهداف الرسولية

  منذ تأسيس الرهبانية انحصرت الدعوات فيها في الفتيات العربيات، وكان الهدف ولا يزال مزدوجا وهو تسهيل دخول الحياة الرهبانية على الفتيات الوطنيات كي يقمن بخاصة في أبرشية القدس، من خلال أصلهنّ ولغتهنّ وعاداتهنّ، بأعمال التربية وحمل بشرى الخلاص في الأوساط العربية. إنهنّ من صلب هذا الشعب، يدركن عقليته وأنماط سلوكه ويرضين بمشاركته في فقره وخشونة عيشه، ويتصدين للمشقات والشدائد، ويتدربن على الرسالة ويصبحن أداة فعّالة لتحرير المرأة ورفع مستواها وتثقيفها دينيا واجتماعيا وإنسانيا .

وقد عبّر قانون الرهبانية لسنة 1897 في الصفحة الأولى والثانية منه، عن هذه الحقائق قائلا: "فالإقتداء بمثل السيد المسيح له المجد، قد كثّر في هذه الأقطار عدد البنات التقيات اللواتي رغبن بإلهام رباني في اعتناق العيشة الرهبانية ليبذلن ذواتهنّ في سبيل خلاص القريب ولا سيما الفقير والمسكين وجعلن منهاجهنّ تثقيف الفتيات المخذولات بمبادئ الدين والتقوى لئلا تبقى بنات هذه القرى والأماكن الصغيرة في حيز النسيان... ولما كان عدم معرفة اللغات الأجنبية مانعا لكثير من بنات المشرق عن حسن القيام بفروض الطريقة الرهبانية إذا انخرطن في سلك إحدى الأخويات الموجودة في هذه البلاد أحوج الأمر إلى إنشاء رهبانية جديدة ينتظم في عقدها كل من أرادت من بنات أورشليم والمشرق أن تتخلص من عراقيل هذا العالم الغرار وتعكف على تمجيد الله... وذلك تحت ظل البتول المجيدة سلطانة الوردية وفي جوارها المنيع".

لقد كانت حاجة الرعايا كثيرة في القرى والمدن الفلسطينية والأردنية في البطريركية اللاتينية لراهبات وطنيات يقمن بمهمة تثقيف النساء والفتيات وتعليمهنّ التعليم الديني.

ففقد حققت رهبانية الوردية المقدسة بكل فخر واعتزاز هدفا رئيسيا من الأهداف التي توختها الكنيسة من إعادة تأسيس البطريركية اللاتينية. فمنذ تأسيس الرهبانية خدمت راهبات الوردية في رعايا الأبرشية ومدارسها بإخلاص وقدمن تضحيات كبيرة. فكانت الراهبات سندا للكهنة في المجالات التربوية للإناث. ويرى كهنة البطريركية وراهبات الوردية في هذا التعاون تدبيرا من العناية الإلهية، وكان لصلاة السبحة الوردية فعلها في العمل الرعوي في أبرشيتنا المقدسية.

حقا إن ما اتصفت به راهبة الوردية من الغيرة وسلامة القلب وحب الخدمة الرسولية واحتمال المشاق وشظف العيش وحبها للأم البتول ومواظبتها على تلاوة الوردية والتأمل فيها، كل ذلك كان عاملا فاعلا قرّب النساء والفتيات من الله ومن الكنيسة وغيّر الكثير من العوائد الناجمة عن الجهل. إن نجاح راهبات الوردية في هذا المجال ظاهر كالشمس للقاصي والداني في فلسطين والأردن ولبنان والخليج وروما ومصر وسوريا. وقد تخرّج على أيديهنّ من مدارسهنّ عشرات الآلاف من البنات منذ تأسيس الرهبانية حتى اليوم.

فقد تأسست الوردية لتشمل بعنايتها وخدمتها المرأة العربية، في أرجاء الوطن العربي الغالي بروح البذل والتفاني والإخاء، لا هدف لها سوى انتشال الفتاة والمرأة من حمأة الجهل، وهوة الضياع، وبئر التهميش السحيقة، من خلال تثقيفها وترسيخ مبادئ الصدق والأمانة والمواطنة الصالحة فيها، وغرس بذور الفضائل الإنسانية، والأخلاق الحميدة في نفسها وتنميتها بماء البذل والتضحية.

وتقوم رسالة الوردية ومنذ نشأتها،على خلق جيل منتم واع وأصيل، دون تمييز على أساس الجنس أو اللون أو الدين، مع تقدير ومراعاة واحترام الاختلافات والانتماءات والمعتقدات الدينية، منتهجة بهذا - كما هو سبرها وسيبقى- سياسة متزنة صادقة تخدم رسالتها الإنسانية والتربوية والاجتماعية دون محاباة أو تحيز أو تفريق .

فالوردية أُنشئت لتعليم وتثقيف الفتاة العربية وتسليحها بكل ما من شأنه أن يحفزها ويساعدها على القيام بدورها، على أكمل وجه، وتبؤ مكانتها الحقيقية في مجتمعها، وتهيئتها لأن تكون عضوا نشيطا فاعلا، وأمّاً صالحة جيدة الأعداد، لترفد الوطن العربي، أنى تواجدت وحيثما حلت، بأبناء وبنات قادرين على التفاعل الواعي، وتحدي الصعاب والمعيقات، واستيعاب كل ما يستجد على الساحة العالمية في عصر تفجّر المعرفة وتعدِّد مشاربها، وتشعب مصادرها وتنوع أهدافها.

rosary-cong.com/alrahbana.htm