جماعة "روح وقـوّة "     دير الملاك جبرائيـل

  

"الحياة في الروح: المواهب"

السبت ٢ أيار ٢٠٠٩، في كنيسة مار يوسف التقى كهنة أبرشية أنطلياس المارونية في المطرانية- قرنة شهوان ليصغوا الى الخوري موسى الحاج يتحدث عن "الحياة في الروح: المواهب"

يُجمع الباحثون على تحديد المواضيع الرئيسيّة التي عالجها الرسول في معظم رسائله وهي ثلاثة أساسيّة: شخص المسيح، الكنيسة جسد المسيح السرّيّ، حياة المؤمن في المسيح. أمّا المواضيع الأخرى فهي بمعظمها مرتبطة بهذه المحاور الثلاثة الرئيسيّة.

أهميّة رسائل بولس ليست فقط في أنَّها ترسم واقع الجماعات المسيحيّة الأولى، بل لأنّها أيضًا كلام لأيَّامِنا. من هنا فإنّ هدف شرح رسائله مزدوج:

أوّلاً، فهم الرسالة في واقعها التاريخيّ والجغرافيّ ومعالجة  الأسئلة المطروحة؛
ثانيًا، إظهار أُسس الإِيْمان كما تردُ فيها واستخلاص ما تُخاطبُنا به اليوم.

في حديثنا سوف نتطرّق إلى النقاط التالية:
١-   معنى ومفهوم كلمة موهبة (كارسما Carisma)
٢ الموهبة بحسب الكتاب المقدّس:
           
 أ - في العهد القديم
            ب- في العهد الجديد
٣- المواهب في أعمال الرسل
٤- المواهب في رسائل مار بولس
٥- الروح القدس منبع الشراكة في الكنيسة
٦- خاتمة

"الحياة في الروح: المواهب"

موضوع يعالج حياة المؤمن في جسد المسيح السريّ والهدف منه بناء الكنيسة واستعمال المواهب للخير العام. وهو من المواضيع الرئيسيّة في رسائل بولس وبخاصّة في الرسالة الأولى إلى أهل كورنتس والتي تحمل المواضيع التالية:

   التحزّب والشقاق  ١ - ٤

   الفجور والدعاوى ٥ - ٦

   الزواج والبتوليّة   ٧

   ذبائح الأوثان- الإجتماع  الليتورجيّ  وعشاء الربّ  ٨-١١

   مواهب الروح القدس ونشيد المحبّة  ١٢-١٤

   قيامة المسيح وقيامة الأموات والتبرّعات  ١٥-١٦

كان لجماعة كورنتس فريقان ووجهان:

وجه إيجابيّ:

١ - كنيسة فتيّة
٢ - تقيّة ورعة
٣ - غنيّة  بالمواهب الروحيّة

وجه سلبيّ:

١- سريعة العطب
٢ - لا تَملك بعد الحسّ المسيحيّ العميق
٣ - بدأ التحزّب بينهم
- ظاهرًا  باسم معلّميهم
        
                   - باطنًا بفعل الرواسب الفكريّة العالقة بِهم.

لذلك ناشدهم قائلاً: "أناشدكم أيُّها الاخوة، باسم ربنا يسوع المسيح، أن تقولوا جميعكم قولاً واحداً، وأن لا يكون بينكم انقسامات، بل كونوا ملتئمين بفكر واحد ورأي " ( ١ كور ١ / ١٠)
بالإضافة إلى الصعوبات التي كان على بولس أن يعالجها، كان أمامه عقبتان هما:

١-  خطر الأنبياء الكذبة  الذين يعارضون بولس ويعلّمون ضدّ تعليمه
٢-  خطر التطرّف الروحيّ الذي نادي به مهتدون جُدُد في كورنتس، الذين بشّروا بقرب نِهاية العالَم؛

     وامتنعواعن العمل، منتظرين عودة الربّ، ونادوا بعدم جدوى الزواج

١- معنى كلمة موهبة كاريسما باليونانيّة

إنّ كلمة كاريسما اليونانيّة تدلّ على العطيَّة. لا نجد هذه اللفظة إلاّ في الرسائل البولسيّة (١٦ مرّة) وفي ١ بط ١٠/٤ "أُخدموا بعضكم بعضًا، كلّ واحد بما نال من موهبة، كما يجدر بالوكلاء الصالحين على نعمة الله المتنوّعة."

إنّ "كاريسما" هي عطيّة مجانيّة، علويّة (فائقة الطبيعة)، تعطى من أجل الخير العام لبناء جسد المسيح.

(الكاريسما) تُدْعَى أَيْضًا "موهبة لدُنيّة": "هي نعمة خاصّة من الروح القدس معطاة لأشخاص لخير البشر، وتلبية حاجات المؤمنين، وخصوصًا لبناء الكنيسة. وتَمييز هـذه المواهب يعود إلى السلطة في الكنيسة" (مختصر التعليم المسيحي الكاثوليكيّ عدد ١٦٠).

المعنى العام: لا شكّ أن هناك مواهب موروثة يملكها الإنسان منذ ولادته، وهي مواهب طبيعيّة،

                وهناك المواهب السبعة التي يهبها الروح القدس في سرّ التثبيت (أش ١١/ ١-٢).

                وهناك المواهب التي يُعطينا إيّاها الروح لخير الكنيسة وللخير العام كما ذكرها بولس الرسول في كتاباته.

كذلك لا يمكن فصل المواهب الروحيّة وعزلها في الكنيسة الأولى عن الظروف الَّتي استدعت وجودها وعن حاجة الناس إليها لتؤدّي رسالة الله في حياة الكنيسة وفي العالم وقتئذٍ.

فنحن لا يمكن أن نفصل الكنيسة بمواهبها عن المجتمع الّذي نعيش فيه وعن ظروفه ومشاكله ومعاناته وإحتياجاته، فالله يعمل بروحه القدّوس من خلال الكنيسة بكل الطاقات والمواهب الّتي يعطيها له لنموّ الكنيسة من ناحية، ولتأدية رسالتها في العالَم وإشباع احتياجات المجتمع بتحدّياته الخاصّة من ناحية ثانية.

- مفهوم الموهبة بشكل عام

الموهبة الروحيّة تُمنح إلى شخص أو إلى جماعة وتشعّ بأقوال أو بأعمال مَن يأخذها، مُظهرة بذلك عمل الروح القدس من أجل نُموّ الكنيسة وحيويّتها كما يقول القدّيس بولس: "كذلك أنتم الَّذين تطمحُون إلى المواهب الروحيّة، فاطلبوا أن يتوافر نصيبُكم منهَا لبُنيانِ الجماعَة" (١قور١٤/ ١٢).

٢ -  الموهبة في الكتاب المقدّس

أ‌-       في العهد القديم:

كتاب يوئيل النبيّ، يبشّر بالأزمنة المسيحانيّة بفيض الروح على كلّ بشر؛ هذا الكلام النبوّي يشدّد خاصّة على موهبة النبوّة الَّتي سوف تُعطى إلى الأبناء والبنات والشيوخ والشبّان والعبيد رجالاً ونساء.. (يوء ٣/ ١-٢)، هذه الموهبة تهدف إلى إظهار كلمة الله أو إرادته الَّتي يشركنا بها بواسطة الحلم أو الرؤيا. كذلك يذكر المزمور ٦٨ العطايا: "صعدت إلى العلى وسبيت السبي وأعطيت عطايا أَيُّها الإله" (68: 19).

مواهب الروح السبع كما جاءت في كتاب أشعيا النبي هي: الحكمة والفهم والمشورة والقوّة والعلم والتقوى ومخافة الله. إنّها تخصّ بملئها أوّلاً المسيح ابن داود (أش ١١/ ١-٢) وتكمِّل ثانيًا فضائل من ينالها وتجعل المؤمنين يطيعون إرادة الله كما يقول صاحب المزامير: "علّمني أن أعمل ما يرضيك لأنّك أنت إلهي، ليهدني روحك الصالح" (مز١٤٣/ ١٠) لأنّ الّذين ينقادون لروح الله يكونون أبناء الله حقًّا (روم ٨/ ١٤).

ب - في العهد الجديد:

كلّ المواهب والعطايا والخِدَم والأعمال الَّتي أتت في القوائم المختلفة في العهد الجديد يصفها الرسول بولس بأنّها عطايا ومواهب من الربّ غير مفرّق بينها، وأنّها جميعَها، بِما فيها الخدمات الإجتماعيّة والتدبيريّة (١ كور ١٢/ ٢٨، رو ١٢/ ٨) والتعليميّة والتنظيميّة (أفسس ٤/ ١١) مواهب روحيَّة لأَنَّ طبيعتها ومصدرَهَا هو الروح القدس.

لا ذكر مباشر للمواهب في الأناجيل بانتظار حلول الروح القدس يوم العنصرة، حيث أصبحت  الكنيسة الأولى في حقيقتها وعمقها كرسماتيّة ومواهبيّة، كما يذكر ذلك  بولس الرسول قائلاً: لقد نالت الموهبة السامية الَّتي أرسلها الله ووعد بِها في يسوع: "البارقليط، الروح القدس الَّذي يرسله الآب باسْمي يعلِّمُكُم كُلَّ شيء" (يو١٤/ ٢٦). فبتأثيره عاش المسيحيُّون الأوَّلُون وهم عارفون أنَّه هُنا، ويكفي أن يتوجَّهُوا إليه: ما عاد لنا أن ننظر ظواهر حسيّة وخارقة، بل عملاً عميقًا للروح القدس في حياة كل واحد وفي حياة الكنيسة.

٣ - المواهب في أعمال الرسل

يتكلّم لوقا عن المواهب التي تجسّدت بشكل واضح في شخص الرسول بولس، منذ ارتداده وبعدها.

من اللافت أنّ أع لا يستعمل مرّة واحدة لفظَة "كاريسما، مع أنّ هـذا الكتاب يعتبر "إنجيل الروح القدس". هـذا قد يعني فقط أنّ المواهب لا تحتلّ الأهميّة الأولى في الكنيسة الفتيّة. وقد لاحظنا أنّ بولس أعاد الأمور إلى نصابها في ١ كور.

في أع ٢/ ٣٨، ساعة سأل الجموع الرسل أن يقولوا لهم ما يجب أن يعملوه، أجاب بطرس: "تُوبُوا وليعتمدْ كُلُّ واحدٍ منكُم باسمِ يسُوعَ المسيحِ فتُغفرَ خطاياكُم ويُنعَم عليكُم بالرُوحِ القُدس". الكلمة اليونانيّة هنا هي "دوريا". أمّا في ١كور فنجد كلمة "كاريسما".

سوف نتكلَّم في الحالتين عن الموهبة والعطيّة دون فرق بين الإثنين. هنا نقول: إنّ (دوريا) عطيّة الروح هي النتيجة المباشرة للمعموديّة (رسل ١١/ ١٧) "فَإِنْ كَانَ اللهُ قَدْ أَعْطَاهُمُ الْمَوهِبَةَ نَفْسَهَا التي أَعَطاهَا لَنَا نَحْنُ الذِينَ آمَنَّا بِالرَبِّ يَسُوعَ الْمَسيح، فمَنْ أَنَا لأَسْتَطِيعَ أَنْ أَمْنَعَ الله؟"، حيث تتساوى عطيّة المعموديّة وعطيّة الروح القدس، ومن هـذه العطيّة تصدر سائر العطايا، وسائر المواهب (الكارسمات).

إِنّ هدف أعمال الرسل من سرد الأحداث يختلف عن الأناجيل: وهو عدم التشديد على المعجزات التي صنعها الرسول بولس. هو لا يروي حياة يسوع كما رواها التقليد وكتبها الرسل والمبشّرون، إنّما كان يشدّد على المسيح القائم من الموت والذي ظهر لبولس على طريق دمشق وعلى غيرها من الظهورات. يَظهر هذا "الرسول بوحي" كما يقول عن دعوته، بشكل مفاجئ، ويُمثّل صورة فريدة ومستقلّة بين المسيحيّين الأوائل.

غير أنّ الروح القدس يعمل في كلّ تاريخ الكنيسة الأولى (أع ٢- العنصرة). وموهبة الروح تُعطى بيد الرسل حين يضعون الأيدي في المعموديّة (أع ٨/ ١٧؛ ١٩/ ٦). ويُعطى الروح "للخدّام" (أع ٦/ ٦) ولبرنابا وشاول (أع ١٣/ ٣). ويبيّن لنا أع كيف يتكلّم الرسل بألسنة (٢/١-١٣)، كيف يشفون المرضى (٣/١-١٠) وكيف يعاملون الخطأة باسم الله (٥/ ١-١١). يعدّد أعمال الرسل المواهب التي امتاز بها الرسول بولس والتي سوف نشرحها فيما بعد وهي: الموهبة الرسوليّة- النبوءة- الشفاء- تمييز الأرواح- طرد الشياطين والأرواح الشريرة- أعمال قديرة- التكلّم بالألسن.

أ - الموهبة الرسوليّة: لقد اعتقد المسيحيّون الأوّلون أنّ الرسل ومؤسِّسي الكنيسة تميّزوا بمواهبهم الفائقة الطبيعة، ولا سيَّمَا "الموهبة الرسوليّة" حيث كان من ثمارها التبشير (الديداكه: تعليم الرسل ١١: ٣-١٢). ويشهد أعمال الرسل على هذه الموهبة التي امتازَ بِها بولس بشكل قويّ. وهو الذي اكتشف تدريجيًّا دعوته النبويّة بعد لقائه الروحيّ بالربّ، وبالرغم من أن بعض الفريسيِّين مارسوا موهبة تفسير الأحلام، اكتسب شاول حينها كذلك تنشئة خوّلته أن يكون مفسّرًا وعالِمًا بالشريعة وليس نبيًّا، لأنّ تناقل الإلهام المقدّس بقي محصورًا في أورشليم وهو امتياز للعائلات الكهنوتيّة.

أمّا تسميته "رسول المسيح" فهذا يَعُود بقوّة إلى الظهور الإلهيّ له على غرار دعوة أنبياء العهد القديم. هكذا اعتبر بولس دعوته في خطّ دعوة الأنبياء، لا سيّما إرميا وآشعيا وقد تأثر بهما بولس كثيرًا.

في هذا السياق يندرج أسلوب كاتب أعمال الرسل الذي يُميّز الرسول الحقيقيّ من الرسول المزيّف، سيمون الساحر، والذي كان يسعى لدفع الأموال مقابل حصوله على مواهب الرسل، هذا الساحر يُمثِّل الرسول الكاذب في الوسط المسيحيّ. في الأحداث العديدة يسعى الكاتب إلى تدوين كلّ الأمور بالتفصيل كي يُبعدَ صورة الساحر ويظهر صورة الرسول الحقيقيّ.

ب- موهبة النبوءة: تعني نقل التحذيرات المسبقة الإلَهيّة. هنا يؤكّد بولس بأنّ هذه من إحدى المواهب اللدُنيّة من قبل الروح، كما هي الحال في موهبة التكلّم بالألسن والقدرة على الشفاء.

يبيّن لنا كاتب أعمال الرسل الرسول بولس بمثابة نَبِيّ وذلك بطريقة تدريجيّة، من خلال مسيرة حياته. في بداية رسالته، وبعدها في أَنّه معلم الشريعة خاضعًا لسلطة المتنبّئين في أَنطاكية: يصغي إلى توجيهاتهم وينضمّ مع فيلبّس للتبشير في قيصريّة. وفي رحلته الثانية، يبقى سيلا هو الملهِم وليس بولس. أمّا في أفسس، وخلال رحلته الثالثة، نلاحظ أنّ لبولس السلطة في إعطاء المعمّدين الجدد موهبة النبوّة والتكلّم بالألسن بوضع يده عليهم. وعندما يودّع بولس شيوخ أفسس، يلقي فيهم كلمة الوداع، ويعلن بأنّه نال روح النبوّة من الروح القدس. من هنا فإنَّ البعض آمنوا بدور بولس النبويّ وبأنّه صانع المعجزات.

ج- تمييز الأرواح:  ويضيف الرسول بأن ليست كلّ المواهب  اللدُنيّة هي من وحي إلهيّ: لذلك علينا أن نتيقّن من صحّتها قبل أن نقبلها أو أن نرفضها لا تُمتحنوا نبيًّا ولا تحكموا في أمره وهو يتكلّم في حال الغيبوبة... ليس من يتكلّم في حال الغيبوبة نبيًّا إن لم يسلك مسلك الربّ... (الديداكه ١١/٨-١٢). ويشدّد على موهبة ثالثة، وهي موهبة تمييز الأرواح أكثر منه على العوارض الخارجيّة. وهذه كانت من اهتمامات جماعة قمران. وتبرز أعمال الرسل ثَمانية شفاءات أساسيّة أجراها بولس الرسول. ربّما هذا الجانب يشبه الدور الذي قام به الكثير من الصوفيِّين الوثنيِّين.

د- طرد الشياطين: أمّا في الوسط اليهوديّ وفي المجامع بالتحديد، وعلى مثال يسوع، نرى بولس حاضرًا بقوّة من خلال موهبة طرد الشياطين، وهي تدخل في موهبة تَمييز الأرواح. في فيلبّي وأفسس، نراه يطرد الأرواح النجسة باسم يسوع المسيح (أع ١٦/١٨؛ ١٩/١١-١٧)، فهو يَظهر كأيّ منجّم قديم، ولكنّه مؤمن بقوّة وفعاليّة الإله الحيّ الذي باسْمه تُصنع الْمُعجزات. ولكنّ كاتب سفر الأعمال أراد أن يبيّن أنّ الأساس في كلّ ذلك هو الإيمان: في أفسس مثلاً، هناك مناوئون لبولس من اليهود حاولوا استعمال أسماء يسوع وبولس ولكن دون جدوى.

هـ - والشفاءات: في الأوساط الوثنيّة، لدى اليونان أو البرابرة، يتميّز بولس بِموهبة الشفاء: في لسترة، وأفسس، ومالطة... في طراوس، يقيم شابًا من الموت (أع ١٤/١٠؛ ١٩/١١؛ ٢٨/٨؛ ٢٠/٩-١٠). وهو بذلك يجاوب على حاجات الوثنيِّين الملحّة. المعلوم عند الوثنيِّين كما عند اليهود أنّ المرض والعقر والعاهات على أنواعها، كانت تُعتَبر قصاصًا من الله، فكان المطلوب التوبة والعودة إلى الله ليتمّ الشفاء.

ويذكر لنا أعمال الرسل آيات أخرى لَم تحدث مثلها مع الربّ يسوع، أنّما كانت تحدث في أوساط يونانيّة ورومانيّة على يد السحرة. آية الباب الذي فُتِح لوحده أمام بولس ليخرج من سجن فيلبّي بالرغم من القَفل الْمُحكم (أع ١٢/٢٦).

و- الأعمال القديرة: يتلاءم مع ما اعتقد به الأقدمون أن الأبواب كانت تُفتح لشدّة تكرار عبارات خفيّة وسريّة خاصّة؛ لكنّ بولس وسيلا حصلا على النتيجة ذاتها بالصلاة والإشادة علنًا بمجد الله. أمّا رمزيّة آية فتح الباب فقد اعتبرها التلاميذ رمزًا للحريّة المسيحيّة، لأنّ إطلاق سراح بولس وسيلا كان هدفه تمجيد الله والتبشير وتعميد حارس السجن قبل أن يعودا إلى السجن. مُجدَّدًا هذا الحدث أورده كاتب الأعمال في سياق الرسالة والْهدف منهُ إظهار أهمية البشارة.

والآية التي تُدهش أكثر هي معجزة الحيّة في مالطة، حيث لا نجد أيّ مثيل لها في الأناجيل وهي تذكّر بنوعٍ من الحكم الإلهيّ الذي لجأ إليه صانعو المعجزات: "النبيّ الكاذب" يَمُوت من لدغة الحيّة، أمّا بولس فلم يُصِبْهُ أيّ أذىً، وهذا ما أدهش سكّان تلك المدينة البرابرة واعتبروه حُكمًا رجل الله. ربّما حمل الحدث معنى رمزيًّا للمسيحيِّين الجدد: ألَم تُمثّل الحيّة الشرّ الأقصى في الأناجيل وفي كتابات قمران؟

ونلاحظ كم أن الأرواح الشرّيرة كانت تهرب من أمام المعجزات القديرة، وكذلك بين المسيحيّين أنفسهم الذين كانوا يؤخذون بالإعجوبة وينسوا الله، صانع المعجزات. هذا الخطر أدركه بولس وكاتب اعمال الرسل بعد كلّ معجزة أو عمل قدير قام به الرسل. لذا ركّز الرسول بولس على أن الله هو الفاعل الأساسيّ، والرسول ليس سوى أداة بيد الله، فله وحده ينبغي المجد والمديح. من هنا لَم يستعملوا الآخرين للاستفادة منهم، بل كانوا يتكلّمون بوضوح أمام الجميع دون خوف أو مواربة، بعكس العرّافين والأنبياء الكذبة. هدف المعجزة لَم يكن ليستغلّه الرسول شخصيًّا: المعجزة في خدمة الجماعة لأنّ الهدف منها هو توبة السامعين.

هذا الأسلوب الواضح المقتضب والبسيط جاء عكس طريقة السحرة الذين يكرّرون القراءات والطلبات والكلام الكثير والسرّيّ. لم يكن دور بولس الاحتفاظ أو المتاجرة بالأسرار: المعجزة آنيّة، يقوم بِها الرسول ليُظهر قدرة الله، أمّا الساحر فإنه يستعمل طرقًا خفيّة تبهر الحاضرين. كلّ الفرق يكمن في الصلاة: الساحر يخضع ألهه لإرادة البشر، بينما الصلاة هدفها تطويع الإرادة البشريّة لله.

٤- المواهب في رسائل مار بولس

ترد ١٦ مرّة لدى بولس ومرة لدى رسالة مار بطرس.

لسنا أمام مظاهر، بل أمام عطيّة الله الَّتي هي قبل كلّّ شيء الدعوة المسيحيّة. فإن تجلَّت بعض المواهب، فمن أجل خير الجماعة، ولبناء جميع  أعضاء الكنيسة، لا  لبناء عضو واحد.

إِنّ بولس هو الّذي أدخل لفظة (الكاريسما) إلى اللغة المسيحيّة إنطلاقًا من العالَم الهلّينِي، هي نتيجة "كاريس" (أي: النعمة) كعمل وإحسان وهديّة.

وفي روم ٥ / ١٥ ي و ٦/ ٣٦، تبدو اللفظة محدّدة فتعني خيرًا خاصًّا، التبرير، الحياة الأبديّة. وفي روم ١١/ ٢٩، تدلّ على الخيرات الَّتي أُعطيت لشعب إسرائيل. وفي ١ كور١/ ٥ تدلّ على مجمل الخيرات المعطاة للجماعة من أجل تثبيتها في شهادة المسيح. وفي ٢ كور ١/ ١١، تعود بنا كريسما إلى خلاصٍ نَعِمَ بهِ الرسول بولس. وفي ١ كور ٧/ ٧ تُوجّه كاريسما أنظارَنا إلى بناء الجماعة.

مصدر وهدف المواهب

يبدأ الرسول بولس بإعطاء المؤشر لمعرفة وتمييز المواهب الحقيقيّة (١كور ١٢/ ١ي)؛  ويؤكّد كذلك بأن تعدّد المواهب لا يتناقض مع ينبوعها، وهو الروح القدس (آية ٤-١١) "لا أَحَدَ يَقْدِرُ أَنْ يَقُول: "يَسُوعُ رَبّ!" إِلاَّ بِالرُوحِ القُدُس. إِنَّ الْمَوَاهِبَ الرُوحِيَّةَ عَلى أَنْوَاع،  لـكِنَّ الرُوحَ وَاحِد" (١ كور١٢/ ٣-٤) ولا مع وحدة جسد المسيح (آية ١٢-٢٦) وطرق عمله في الكنيسة (آ ٢٧-٣١) "كُلُّ هـذَا يَعْمَلُهُ الرُوحُ الوَاحِدُ عَيْنُهُ، مُوَزِّعًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مَوَاهِبَهُ كَمَا يَشَاء. فكَمَا أَنَّ الْجَسَدَ هُوَ وَاحِد، ولَهُ أَعْضَاءٌ كَثِيرَة، وأَعْضَاءُ الْجَسَدِ كُلُّهَا، معَ أَنَّهَا كَثِيرَة، هيَ جَسَدٌ وَاحِد، كَذ,لِكَ الْمَسِيحُ أَيْضًا".

المواهب والكنيسة

من خلال هذه النصوص، يريد الرسول بولس أن يعلّم المؤمنين ولا سيّما أهل كورنتس، كيفيّة استعمال الْمواهب، لأنّها أعطيت مَجَّانًا من قبل الروح القدس لاستعمالِها للخير العام.

إنّ كلّ المواهب أعطيت لبنيان جسد المسيح، فقد جاء المسيح ليؤسّس كنيسته لا ليدعُوَ أَفرادًا فقط. وعندما يدعوهم فإنّما لينضمّوا إلى جسده كأعضاء فيه. والموهبة إذ تُعطى لعضو، فهي لا تُعطى لشخصه أو في ذاته، بل تُعطى له لأنّه عضو في جسد المسيح. ولذلك عليه أن يعمل لأجل الكنيسة.

أ - المواهب الكارسْماتيّة: يقدّم لنا الرسول بولس ثلاث قوائم من المواهب في (١كور ١٢/ ١-٣١) ويشرح أساسها وهدفها. القائمة الأولى يذكرها في الآيات (٨-١٠)، والقائمة الثانية نجدها في (آية ٢٨)، أمّا القائمة الثالثة فمذكورة في الآيات (٣٠-٢٩). تشمل القائمة الأولى المواهب التسع وهي: كلام الحكمة وكلام العلم والإيمان ومواهب الشفاء والقوّات والنبوءة والقدرة على تمييز الأرواح والتكلّم بالألسن وترجمة الألسن. في القسم الثاني (١٤/ ١-٤٠) يعطي القواعد لطريقة استعمالها.

(نص ١كورنتوس ١٢)
أَمَّا في شَأْنِ الْمَوَاهِبِ الرُوحِيَّة، أَيُّهَا الإِخْوَة، فلا أُريدُ أَنْ تَكُونُوا جَاهِلِين.
تَعْلَمُونَ أَنَّكُم، عِنْدَمَا كُنْتُم وَثَنِيِّين، كُنْتُم تَنْقَادُونَ مُنجَرِفِينَ إِلى الأَوْثَانِ البُكْم.
لِذلِكَ أُعْلِنُ لَكُم أَنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ يَنْطِقُ بِرُوحِ الله، ويُمكِنُهُ أَنْ يَقُول: "يَسُوعُ مَحْرُوم!"؛

ولا أَحَدَ يَقْدِرُ أَنْ يَقُول: "يَسُوعُ رَبّ!" إِلاَّ بِالرُوحِ القُدُس.
إِنَّ الْمَوَاهِبَ الرُوحِيَّةَ عَلى أَنْوَاع،  لـكِنَّ الرُوحَ وَاحِد؛
والْخِدَمَ عَلى أَنْوَاع، لـكِنَّ الرَبَّ وَاحِد؛
والأَعْمَالَ القَدِيرَةَ عَلى أَنْوَاع، لـكِنَّ اللهَ وَاحِد، وهوَ يَعْمَلُ في الْجَمِيعِ كُلَّ شَيء.
وكُلُّ وَاحِدٍ يُعْطَى مَوْهِبَةً يَتَجَلَّى الرُوحُ فيهَا مِنْ أَجْلِ الْخَيْرِ العَام.

القائمة الأولى (١كور ١٢/ ٨-١٠)

وَاحِدٌ يُعْطَى بِالرُوحِ كَلاَم الْحِكْمَة، وآخَرُ كَلاَمَ الْمَعْرِفَة، وَفْقًا لِلرُوح عَيْنِهِ؛
وآخَرُ الإِيْمَانَ في الرُوحِ عَيْنِهِ؛ وآخَرُ مَوَاهِبَ الشِفَاءِ في الرُّوحِ الوَاحِد؛
وآخَرُ الأَعْمَالَ القَدِيرَة، وآخَرُ النُّبُوءَة، وآخَرُ تَمْييزَ الأَرْوَاح، وآخَرُ أَنْوَاعَ الأَلْسُن، وآخَرُ تَرْجَمَةَ الأَلْسُن.

القائمة الثانية (١ كور ١٢/ ٢٨)،

فقَدْ وَضَعَ اللهُ في الكَنِيسَةِ الرُسُلَ أَوَّلاً، والأَنْبِيَاءَ ثَانِيًا، والْمُعَلِّمِينَ ثَالِثًا،

ثُمَّ الأَعْمَالَ القَدِيرَة، ثُمَّ مَوَاهِبَ الشِفَاء، وَإِعَانَةَ الآخَرِين، وحُسْنَ التَدْبِير، وأَنْوَاعَ الأَلْسُن.

القائمة الثالثة (١ كور ١٢/ ٣٠-٢٩).

أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ رُسُل؟ أَلَعَلَّ الجَمِيعَ أَنْبِيَاء؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ مُعَلِّمُون؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ صَانِعُو أَعْمَالٍ قَدِيرَة؟
أَلَعَلَّ لِلجَمِيعِ موَاهِبَ الشِّفَاء؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ يَتَكَلَّمُونَ بِالأَلْسُن؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ يُتَرْجِمُونَ الأَلْسُن؟

ثلاث قوائم أخرى في رسائل القديس بولس وبطرس

القائمة الأُولى (رو ١٢/ ٦-٩)

وَبِمَا أَنَّ لَنَا مَوَاهِبَ مُخْتَلِفَةً بِحَسَبِ النّعْمَةِ الَّتي وُهِبَتْ لَنَا، فَمَنْ لَهُ النُبُوءَةُ فَلْيَتَنَبَّأْ وَفْقَ الإِيْمَان، وَمَنْ لَهُ الخِدْمَةُ فَلْيَهْتَمَّ بِالخِدْمَة، والْمُعَلِّمُ بِالتَعْلِيم، والمُعَزِّي بِالتَعْزِيَة، ومَنْ يُعْطِي فَلْيُعْطِ بِسَخَاء، ومَنْ يَرْئِسُ فَلْيَرْئِسْ بِا]جْتِهَاد، ومَنْ يَرحَمُ فَلْيَرْحَمْ بِبَشَاشَة. وَلْتَكُنْ مَحَبَّتُكُم بِلا رِيَاء: تَجَنَّبُوا الشَرّ، ولازِمُوا الخَيْر.

القائمة الثانية (أف ٤/ ١١-١٢)

هُوَ الَّذي أَعْطى بَعْضًا أَنْ يَكُونُوا رُسُلاً، وبَعضًا أَنْبِيَاء، وبَعضًا مُبَشِّرِين، وبَعضًا رُعاةً ومُعلِّمين، لِكَمَالِ القدِّيسِين، وَلِعَمَلِ الخِدْمَة، وَلِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيح.

القائمة الثالثة (١بط٤/ ٩-١١) أَحْسِنُوا الضِيَافَةَ بَعْضُكُم لِبَعْضٍ بلا تَذَمُّر. أُخْدُمُوا بَعْضُكُم بَعْضًا، كُلُّ واحِدٍ بِمَا نَالَ مِن مَوْهِبَة، كَمَا يَجْدُرُ بِالوُكَلاءِ الصَالِحِينَ على نِعَمَةِ اللهِ الْمُتَنَوِّعَة. وإِذَا تَكَلَّمَ أَحَد، فَلْيَكُنْ كَلامُهُ كَلامَ الله. وإِذَا قَامَ أَحَدٌ بِخِدْمَة، فَلْتَكُنْ خِدْمَتُهُ بِالقُوَّةِ الَّتي يَمْنَحُهَا الله، حَتَّى يُمَجَّدَ اللهُ في كُلِّ شَيءٍ بيَسُوعَ الْمَسِيح، الَّذي لَهُ الْمَجْدُ والقُدْرَةُ إِلى أَبَدِ الآبِدِين.

تعليق:

القائمة الأُولى (رو ١٢/ ٦-٩) 

يدعو بولس إلى التواضع والأمانة في استعمال المواهب. علينا ألاَّ نتعالى ونتكبّر. فليقم كلّ واحد بوظيفته التي أوكلّت إليه من العناية الإلهيّة ببساطة، خدمة لجسد المسيح السرّيّ.

القائمة الثانية (١ كور ١٢/ ٢٨)،  

حافظوا على وحدة الروح في الجماعة، بالرغم من تنوّع المواهب، التى تهدف إلى إلى بنيان جسد المسيح السرّيّ.

القائمة الثالثة (١ كور ١٢/ ٣٠-٢٩).  

يدعو بطرس الرسول إلى استخدام المواهب من أجل الآخرين وليس من أجل إرضاء رغباتنا الشخصيّة.

المواهب التي يذكرها بولس الرسول بحسب تعدادها: النبوءة، التعليم، الشفاء، الأعمال القديرة، أنواع الألسن، الرسالة، تمييز الأرواح، ترجمة الألسن، حسن التدبير، الرئاسة، الرحمة، التعزية، التبشير، الرعاية، حسن الضيافة، التكلّم بكلمة الله.

هذا الإتّجاه الكتابيّ يجب أن يسود على كلّ موهبة، فلا تكون المواهب للإفتخار والتعالي والإستعراض، ولا يكون التركيز على ما يَدَّعي الإنسان أنّه يعتقد به، بل بالثمر الَّذي يختبره في حياته ويختبره الآخرون معه، وأن يتناسق هذا الإختبار مع إختبارات غيره في الجسد الواحد، أي في حياة الكنيسة، لبنيانِها في المحبّة، وتحقيق وحدتَها ورسالتها في العالَم.

أ- المواهب والقوائم

كلّ المواهب والعطايا والخِدَم والأعمال الَّتي أتت في القوائم المختلفة في العهد الجديد يصفها الرسول بأنّها عطايا ومواهب من الربّ غير مفرّق بينها، وأنّها جميعَها، بِما فيها الخدمات الإجتماعيّة والتدبيريّة (١ كور ١٢/ ٢٨ ، رومية ١٢/ ٨) والتعليميّة والتنظيميّة (أفسس ٤/ ١١) مواهب روحيَّة لأَنَّ طبيعتها ومصدرَهَا هو الروح القدس.

بل ربّما نرى أنّ المواهب غير العاديّة هي أقلّ المواهب نفعًا للكنيسة. فالمواهب العاديّة تمارَس بلا كبرياء ولا أنانيّة، بل هي مشاركة وشُعُورٌ بالآخرين في كلّ شيء (١ كور ١٢/ ١٢-٣٠) كما انّ هذه المواهب في كلّ القوائم مجرّد "نَماذج" وهي ليست "كلَّ" المواهب الَّتي يعطيها الروح القدس لكنيسته.

ب - قواعد أساسيّة لاستعمال المواهب (١٤/١-٤٠)

بعد المديح الكبير للمحبّة (١٢، ٣١ب-١٣/١٣)، والذي يشكّل فاصلاً بين الفصلين الْمُتَعَلِّقِينَ بِالْمَوَاهِب، وهو فاصل لافت من حيث المضمون والأهميّة، يعطينا الرسول بعض الأمور العمليّة: أَوّلاً، هناك تعارض بين التكلّم بالألسن والنبوءة (١٤ /١-٢٥)، مع أفضليّة هذه الأخيرة؛ ثمّ يعطي توجيهات عملانيّة ضروريّة في الاجتماعات العامّة والاحتفالات الليتورجيّة (١٤ /٢٦-٤٠).

ج - أولويّة النبوءة:

يختتم بولس مديح المحبة بالدعوة إلى اتّباعها فهي "كنز يجب الاستفادة منه". وبِما أنّ المواهب هي عناصر جيّدة، يُمكن للمرء أن يتمنّاها، دائمًا بحسب أهميّة كلٍّ منها: الأولى هي النبوءة (آ١).

د - التكلّم بالألسن (١٢-١٩)

بفضل جاذبيّتها، أَحبَّ الكورنثيّون هذه الموهبة، ولكنّها في مرتبة أدنى، لأنّها صعبة الفهم في الجماعة إذا لم يكن هناك من شخص يشرحها (آ٢ي).

عمل الروح القدس في الْمُتَكَلِّمِ بالألسن يجعله يتفوّه بأمور غامضة وسرّيّة،  هذا يعنِي أنَّها غامضة من حيث مضمونها، خاصّة في طريقة عرضها والتعبير عنها: لذلك فالمتكلّم بالألسن لا يبني إلاّ ذاته، بينما النبيّ يحثّ ويعزّي فيبني كلّ الجماعة (آ٣). من هنا تفضيل النبوءة على التكلّم بالألسن إلاّ في حال تنبّأ المتكلّم عن أمور تفيد الجماعة في التعليم العقيدة. (المتكلّم مثل الآلات الموسيقيّة التي ترسل أصواتًا غير متناغمة لا تفيد بل تكون شاذة).

رغب الكورنثيّون في المواهب التي يُمكن أن تَبني أكثر الجماعة؛ لذا أرادوا إظهارها وعملوا على ترجمتها للمؤمنين (١٢ي): يُعطي الرسول بولس مثلاً عن المتكلّم بالألسن الذي لا يقدر أن يوصل رسالته إلى المؤمنين بالشخص الذي يصلّي في كتاب صلاته دون أن يفهم لغة صلاته. والقدّيس بولس هو نفسه يتكلّم بالألسن بكلمات قليلة، يمكن أن يفهمها المستمعون، عوضًا عن خطابات طويلة غير مفهومة.

لِذلِكَ يَجِبُ عَلى الَّذي يَتَكَلَّمُ بِالأَلْسُنِ أَنْ يُصَلِّيَ لِكَي يَنَالَ مَوهِبَةَ التَرْجَمَة.
١٤  فَإِنْ كُنْتُ أُصَلِّي بِالأَلْسُنِ فَرُوحِي تُصَلِّي، أَمَّا عَقْلِي فلا يَجْنِي ثَمَرًا.

خلاصة عامّة

هذه النصّوص التي استعرضناها في موضوع المواهب اللدُنيّة، تُظهر تاريخيًّا العمل العجيب الذي يقوم به الروح القدس ضمن الجماعة المسيحيّة الناشئة، الغنيّة بالمواهب، وبالحيويّة الروحيّة. على الصعيد العقائدي، سعى الرسول بولس إلى تنظيم الظواهر والعوامل الخارجيّة للمواهب، وسلّط الضوء على النواحي اللاهوتيّة، كي يشدّد على عقيدة جسد المسيح السريّ.

كل عطاء مواهبيّ هدفه خير الجماعة (١٢ /٧)، حيث يستفيد منه الجميع (١٤/ ٢٦). لذلك فهناك أولويّة النبوءة على موهبة التكلّم بالألسن (١٤/ ٤، ٣٩). كلا الموهبتان يجب أن توضع لهما الأطر وذلك لبناء الجماعة (١٤ /١-٤٠).

تحمل المواهب قيمة كنسيّة:

يجب على كلّ مسيحيّ أن يكون في خدمة الجماعة. كلّ واحد يشكّل عنصرًا وعضوًا مهمًّا في جسد المسيح السريّ (١٢/١٢؛ كول ١/ ١٨، أف ١/ ٢٢؛ ٤/ ١٥؛ ٥/ ٢٣).

من هذه الوحدة العضويّة بين المسيحيّين ينتج أمران:

١- تقوية روح التعاضد (١٢/ ١٥-٢٦)؛
٢- ضرورة التنسيق والتنظيم الدقيق لمواهب كلّ عضو من أعضاء هذا الجسد (١٢/ ٢٧-٣١). التنوّع في الوحدة يظهر جمال جسد المسيح السريّ.

هذا التنوّع العجيب الذي مصدره الثالوث الأقدس، هدفه بناء الكنيسة التي تُمثِّل جسد المسيح وصورته (١٢/ ٤ي). أسرار المعموديّة والتثبيت التي تشركنا في حياة الثالوث، تجعلنا ننمو من الثالوث ونتطعّم في جسد المسيح بالروح القدس. لذا فالمواهبيّ الحقيقيّ، هو الذي يعترف بأن المسيح هو الربّ، بقوّة الروح القدس.

من خلال هذا النصّ، يريد الرسول بولس أن يعلّم أهل كورنتس كيفيّة استعمال الْمواهب، والتي يدعوها "روح النبوّة، والتعليم..." ويدعو في مكان آخر قائلاً: (١٤/ ١٢، ٣٢؛ ا تسا ٥/ ١٩) لا تُطْفِئُوا الرُوح. لا تَحْتَقِرُوا النُبُوءَات. بَلِ امْتَحِنُوا كُلَّ شَيء، وتَمَسَّكُوا بِمَا هُوَ حَسَن.

المحبة هي الموهبة العظمى

عالج بولس بحزم المشاكل والإنقسامات في الكنائس:

العبرة: الوحدة والمحبة في الكنيسة اهمّ بكثير من الألقاب والرئاسات

يركّز الرسول بولس على ثمار الروح وهي: المحبّة، والفرح، والسلام، والأناة، واللطف، والصلاح، والأمانة، والوداعة والعفاف (غل ٥/ ٢٢-٢٣ أ) في هذا الإطار يدعونا نرساي إلى أن نكون في مدرسة الروح بعد أن نكون أنقياء في قلوبنا.

٥- الروح القدس منبع الشراكة في الكنيسة

إنّنا نعيش اليوم في عالَم مُمزّق تتنازعه الضغائن والأحقاد من جرّاء الأنانيّة. فقلّما نلتقي بجماعة أم بعائلة لا تتأَلّم من عنصر يُحرِّض على الإنشقاق أم يخلف الإخوة.

وفي بعض الدول نرى بروز روح العنصريّة أم العصبيّة. وأمام هذا الواقع البشري المأساوي نتساءل:- هل يحقّ لنا أن نيأس؟

كيف نَجرؤ ونتكلّم عن الشراكة بين البشر والحال هكذا؟

وإذا كان هناك من شراكة من هو الجامع بين تعدّدية العقليّات والحضارات والأعراق والألسن؟ من هو نبع الشراكة في الكنيسة؟

لننطلق أوّلاً من كتابات العهد الجديد ولنتذكّر أنّ الوضع التاريخيّ أيّام يسوع والرسل لَم يكن أقلّ انقسامًا إن على صعيد الجماعات أم على صعيد الأمم: "أناشدُكُم، أيُّها الإخوة، أن تحذرُوا الذين يُثيرُون الانقساماتِ والشُكُوكَ، خِلافًا للتعليمِ الذي تعلّمتُمُوه. فابتَعِدُوا عنهُم. فأَمثالُ هؤلاء لا يخدُمُونَ ربّنا المسيح، بل بطُونَهُم، وبالكلمات الحُلوة والأقوال المعسُولة، يخدَعُونَ قُلُوبَ الأبرياء (رو ١٦/ ١٧-٢٠).

ومع ذلك، ألَم يتجسّد يسوع في ليل البشريّة هذا؟ "كلُّ ما كُوِّنَ بِهِ كانَ حياة، والحياةُ كَانتْ نُورَ الناس، والنورُ في الظُلمةِ يسطَع، والظُلمةُ لَم تَقْوَ عَليه" (يو: ٤-٥). أفلم يرسل الله يوم العنصرة روحه القدّوس على رسل ضعفاء وعلى جماعة خاطئة ومشتّتة معًا؟ (أعمال ٢ / ١-١٢).

فكلّ رسول له عقليّته وكلّ جماعة لها خصوصيّتها ومحدوديّتها ومع ذلك حلّ الروح القدس، روح الآب والإبن، نبعُ الشراكة، فصَهَرَ أعضاء هذه الجماعة وهم من كل حدب وصوب ولون، فَوُلِدَتِ الكنيسة.

خاتمة

لقد طغى العمل لأجل الجماعة على العمل لأجل الفرد فقط، دون أن يلغي الخصوصيّات. وأصبحت الكنيسة عندنا متنبّهة لتنمية المواهب الخاصّة بغية تسخيرها للخدمة العامّة وللشراكة في لبنان والشرق الأوسط.

ربّما شعر بناة الشركة أنّ عملهم لَم يثمر حتّى الآن وربّما يئس بعض المؤمنين من وضع الإنقسام في الكنيسة، المهمّ أن نعي أنّ الشراكة هي عمل مشترك بين البشر والروح القدس.

أما يذكر كتاب أعمال الرسل عبارة "نحن والروح القدس"؟ لا يكفي أن ينادينا هذا الروح للشراكة وأن يعطينا كل ما يلزم، المهمّ أن نتجاوب مع ندائه لبناء "الشراكة" ونحاول تطبيقها في حالتنا وفي حياتنا اليوميّة.

تعليقُا على قول يسوع: "طوبى لأنقياء القلوب فإنّهم يُعايِنُونَ الله" (متى ٥ /٨) يدعونا نرساي، أحد الآباء السريان، إلى أن نكون نحن أيضُا في مدرسة الروح.  إلى الروح القدس نبع الشراكة مع الآب والإبن وبين البشر، وبانيها ومحييها في أشخاص ضعفاء ضمن الرعايا والأديرة، المجد والتسبيح الآن وإلى الأبد. آمين.

anteliasdiocese.com