جماعة "روح وقـوّة "                             دير الملاك جبرائيـل

  

السبحة تعيد الميت إلى الحياة

هذا وقد جاءت حادثة أخرى مشابهة توضح قدرة الوردية من جديد. وكان ذلك في الثلاثين من كانون الأول لعام 1909 أي بعد رجوعها الى الدير الرئيسي بمدة قصيرة. حيث كانت الساعة تشير إلى الثامنة مساء وهي مدة الاستراحة والراهبات مجتمعات يتجاذبن أطراف الحديث وينجزن بعض الاشغال اليدوية البسيطة. وتطرقت إحداهنّ الى ما قرأته في كتاب روحي حول ظهورات العذراء، وذكرت بعض النعم الخارقة التي جادت بها على مختاريها وأصفيائها. وإذا بالأم لويز أبو صوان تقاطعها قائلة: ?حتى الآن لم تنعم الأم السماوية بشيء مماثل على بناتها في رهبانية الوردية?. وكانت الأم ألفونسين كاتمة سرّ العذراء، تنصت للحديث وعلى شفتيها ابتسامة.

وإنهنّ لعلى تلك الحال اذ دخلت عليهنّ طالبة اسمها ?حكمة معمّر? وهي تصيح قائلة: ?أيتها الرئيسة، أسرعي، مريم عازر ألقت نفسها في البئر?. وكانت مريم هذه فتاة بروتستنتية، تناهز العشرين من العمر. وبالرغم من أنها لم تقبل سرّ العماد المقدس بعد، كانت ترغب في دخول الرهبانيّة وبعد أن تحققت الأمر، الطالبة لويز عرنيطة (الأم أوغسطين فيما بعد) بنفسها، عادت بدهشة مضطربة لتؤكّد صحة النبأ. وهنا شرعت "حكمة" في سرد الحادث فقالت بصوت متلجلج: ?اغتاظت مريم من زميلة لها استأثرت وحدها بودّ معلمتها. ولشدّة غيظها قرّرت أن تتخلص من الحياة. وسألتني أن أعينها في رفع حمل ما. واقتادتني الى المقصورة التي فيها البئر. وإذا بها تفتح فوهتها وتتدلى منها. وودعتني وهي واضعة يديها على الحافة وطلبت إليّ أن أبلّغ سلامها الى المعلّمة. وقالت: يجب أن أموت هنا. ثم هوت واختفت?.

إستبدّ بالجميع فزع شديد. وأسرعت الراهبات إلى مكان الحادث وعلى رأسهنّ الأم ماري ألفونسين التي كان حزنها لهلاك نفس الفتاة أكثر من حزنها لهلاك جسدها، ولما بلغت المكان انحنت على فوّهة البئر وصاحت:- ?مريم مريم، اندمي واستغفري الله?. أما الأم حنة فصرخت:- ?أحضرن حبلاً بسرعة?. فاعترضت الأم ألفونسين أختها قائلة:- "لا بل أحضرن سبحة"، وألقت بسبحتها في البئر.

أُحضر حبل غسيل فدلّته الأم حنة في البئر وصاحت بالغريقة كي تمسك به. وما هي إلاّ لحظات حتى اهتز الحبل، فنشلته ?الأخت أنجيليك? والطالبة ?لويز عرنيطة? بكلّ ما أوتيتا من قوّة. فبرزت الغريقة وهي ترتعش من شدّة البرد. لكن الحبل أفلت من بين يديها فسقطت في الماء.

هنا قرعت الراهبات جرس الدير بعنف ويأس. فتنبّه السيد جوزيف دانيل وعائلته الذي كان يقطن في جوار الدير. فخرج من بيته فسمع الراهبة تستنجد به وتسأله حبلاً. فهم مقصدها فجاء وساعدهنّ في انتشال الفتاة من البئر التي أطلّت عليهم أخيراً وبيدها الحبل والسبحة رغم أن رأسها ارتطم بسقف البئر. وكانت قد قضت في الماء ساعة كاملة. وسرعان ما امسك الرجل بالفتاة وقلبها على وجهها لتقذف الماء الذي في جوفها. وما كان أشدّ دهشة الحاضرين عندما رأوا أن نقطة ماء واحدة لم تسل من فمها وأن جسمها يبدو قطعة من فولاذ.

وضعت الفتاة على الأرض ريثما يأتي الكاهن والطبيب اللذان استدعيا على جناح السرعة. ولما شاهدها الدكتور مانشيني أحد أطباء المستشفى الإيطالي، صرّح بأن نجاتها تمت بأعجوبة. وروى قصة فتاة سقطت في البئر وتوفيت في أقلّ من خمس دقائق. فكيف يمكن أن تكون حال من مكثت في الماء البارد ساعة كاملة دون أن تبتلع نقطة ماء واحدة؟ ثم روت مريم عازر للأم أغسطين كلّ ما جرى لها في البئر قالت:- ?عندما ألقوا إليّ بالسبحة تمكنت من الامساك بها لأن البئر أضحت مضيئة وشاهدت للحال سيدة متسربلة بثوب أبيض أخذتني ووضعتني على عمود فوق الماء?. ولم يكن هناك عمود كما تزعم الفتاة. إنما كان ذلك إشارة الى السند العجيب الذي ارتكزت عليه الغريقة طيلة مدة بقائها في الماء.

ولوحظ للحال أن مريم قد فقدت البصر من جراء الصدمة العنيفة التي أصابتها في رأسها لدى اصطدامها بسقف البئر. وعبثاً حاول الطبيب شفاءها من عماها. ولكن في الثاني من شباط، الموافق عيد تقدمة العذراء إلى الهيكل، أي بعد الحادثة بثلاثة أيام، استعادت مريم بصرها فجأة في بداية القداس.

لم تجحد الفتاة النعمة العظيمة التي نالتها من العذراء، فعادت تطلب بإلحاح أشدّ من ذي قبل دخول رهبانية الوردية. فلقيت من المسؤولات اعتراضاً شديداً. فما كان من الأم ماري ألفونسين إلاّ أن لجأت الى غبطة البطريرك كماسي (Camassei) وأخبرته بقصة الفتاة. فأذن لها بدخول دير الإبتداء سنة1912، ثم أصبحت راهبة للوردية وبقيت سعيدة بانتمائها إلى هذه المؤسّسة المريمية طيلة حياتها، توفيت عام 1980 عن عمر 92 عاماً. وليس من الصعب أن نتصوّر الأثر العظيم الذي أحدثته تلك النعم الخارقة الناجمة عن قدرة الوردية في نفس الأم ماري ألفونسين. ولذا ظلت ترفع أصدق آيات الشكر إلى العذراء القديسة، دون انقطاع ولم تكن تدعوها إلاّ باسم ?أمي الحبيبة?.

وبقي إيمانها الفائق بفاعلية السبحة الوردية العجيب مرافقا لها حيثما ذهبت، واليكم ما حدث لها في بيت لحم إذ جرى أمرٌ بالغ الأهمية حمل الفتيات في ميتم بيت لحم سنة 1893 على إكرام العذراء أكثر من ذي قبل وساهم في تعظيم السبحة في نظرهنّ. كانت تسكن في جوار الدير امرأة قد كفّ بصرها هي عقيلة السيد حنا عيسى قطان. ولم تدّخر أسرتها وسعاً في معالجتها. وبذلت الغالي والنفيس بدون جدوى، حتى ان الطبيب ?باكر? يئس من شفائها لكن الأم ماري ألفونسين لم تيأس، بل فطنت الى العلاج الذي كثيراً ما كان ذا نتائج باهرة. فقرّرت الالتجاء الى العذراء مرة أخرى من أجل تلك الفقيرة العمياء. ألم تكن أمها السماوية قد وعدتها يوماً: ?ستكون الوردية كنزك؟? ونقرأ في مذكراتها:

?ولدى زيارتنا لها طلبنا كأس ماء ووضعنا السبحة فيه ثم قطّرنا بها عينيها وصلينا مع أهل بيتها خمس عشرة مرّة ?السلام عليك يا مريم?. وحرصت الأم ألفونسين على ترك الماء لتواصل المرأة المسكينة استعماله. وأفهمتها أن هذا العلاج الجديد يستمد قيمته من الإيمان بشفاعة العذراء. وأضافت تقول: ?وفي الغد طلبوا إلينا ثانية قليلاً من ماء السبحة قائلين إنها قد تحسنّت? (مخطوط ثاني، ص 14). وحقاً أخذت المرأة تتماثل للشفاء. وما هي إلاّ أيام معدودة حتى استعادت كامل بصرها وتمكنت من الوصول الى الكنيسة. ولم تلبث أن وجدت نفسها قادرة على مزاولة الخياطة والتطريز وقد كانا مصدر رزقها، أما الأم ماري ألفونسين، فبعد أن سردت القصة في مذكراتها أخذت تعبّر عن جزيل شكرها للبتول.

 هناك حادثة أخرى اهتزّت على أثرها كلّ مدينة بيت لحم. وتعود الحادثة أيضاً إلى الإيمان بفاعلية سبحة الأم ماري ألفونسين فتقول! "كان يقطن في جوار الدير رجل في مقتبل العمر معروف في المدينة كلّها يدعى "جبرائيل دبدوب"، أصيب بمرض التيفوس واشتدّ به حتى أشرف على الموت. فأتاه الكاهن ومنحه الأسرار الأخيرة".

استدعيت الراهبات على عجل لإسعافه بصلواتهنّ في لحظة موته. فوجدنه قد ندي جسمه بعرق النزاع. وما لبث أن لفظ أنفاسه الأخيرة أمام بصرهنّ وسمعهنّ وإذا بِـ "سارة" شقيقة الميت، تمزّق ثيابها من شدّة اللوعة والحزن، وأخذ أهله يصرخون وينتحبون. فأسرع الكاهن الى الباب. لكن الأم ماري ألفونسين التي لم تكفّ عن الصلاة كلّ تلك المدة، استوقفته برفق قائلة:- ?مهلاً، يا حضرة الأب، ربما لم يمت? نطقت بذلك رغم يقينها أنه أسلم الروح. لكن قوّة داخلية ألهمتها أنّ العذراء مريم قادرة على إنهاضه وإعادته الى عائلته الحزينة حيّاً.

ولكنّ الكاهن واصل السير في طريقه دون أن يكترث لها فالتجأت الى سبحتها التي كثيراً ما أثبتت قدرتها في أحلك الظروف. فأحضرت كأس ماء وغمست فيه سبحتها بإيمان ثم ألقت في فم الميت بضع قطرات من ?ماء السبحة? وهي تدعو اسم العذراء. وأخذ الرجل يتجرّع الماء. فخيّم صمت عظيم على جميع الحاضرين كما لو شعروا بحضور الله بينهم. وإذ أبصرت الراهبة وعاء يحوي عصير سفرجل تناولته للحال وسقت منه المريض وقد بدأت الحياة تدّب في أوصاله. ثم مضت إلى ديرها وهي تلهج بحمد الله والعذراء سيدة الوردية. وكان شفاؤه كاملاً وعاش حتى بعد وفاة الأم ماري ألفونسين بأربع سنين، وتوفي عام 1931 (مخطوط ثاني، ص 17)..