جماعة "روح وقـوّة "     دير الملاك جبرائيـل

  

صورة الله الواجب إصلاحها

بقلم: هنري دولوباك

يوجد فينا ما يجب علينا أن نحبّه في الآخرين، أي صورة الله الواجب إصلاحها.

فإنّ تَرْكَنا إيّاها معيبةً ومشوَّهةً دليلٌ، على الرغم من تأكيداتنا،

إلى أنّ ما يهمّنا في الآخرين ليس كيانهم الحقيقيّ.

إذ هم مجرَّدُ فرصة لتلبية حاجتنا إلى الإظهار والتعبير...

هل من الضروري الإضافة أنّ نشاطًا كهذا لن يؤدّي أبدًا إلى نتائج مثمرة؟

إنّه، كَونه خاليًا من المبدأ الواجب أن ينظّمه،

سيقود في النهاية إلى التطفّل ولن يَعرف الاحترامَ الذي تستحقّه النفس.

ويصبح، على الصعيد الديني، غيرَ ملائمٍ وأكثرَ الدعوات التبشيرية شؤمًا.

ومع ذلك، تعرف المحبّة أن تميّز

ما بين الأحلام الواسعة التي تُسيء إلى العمل الفرديّ

وبين النيّة الجامعة التي تجعل إنسانًا يعطي ذاتَه بقلبٍ كبيرٍ،

وذلك بسموّها بأوضع الواجبات.

وتعرف المحبّة أيضًا أنّ على الإنسان أن يتخلّى عن ذاته كثيرًا

لكي يحصل على شيء يعطيه،

ـ وأنّ عطاء الذات ليس انتشارها،

ـ وأنّه ينبغي قطعُ صلاتٍ طبيعيّة عديدة إذا ما شاء إقامةَ الروابط الإلهيّة للنعمة.

وبالضبط، هل من أمر أكثر إلحاحًا اليوم من تذكير الإنسان بذاته؟

إنّ هذا أمر من طبيعة الروحانيّة وطبيعة الفكر: لا فائدة منها إلاّ بتجرّدها.

في كلّ ما يتعلّق بالروح يجب التخوّف من المنفعيّة

لا لكونها سطحيّة وحسب، بل أيضًا لكونها مُفسِدةً ومولِّدةً للكذب حتمًا.

بخلاف ذلك، تنمو طاقة الحضور مع طاقة الإنطواء والتأمّل.

وراء معنى الأقوال والسلوك، لا تتمّ شراكة النفوس

إلاّ بواسطة ما هو شخصيّ أكثر لديها،

ويمكننا القول، بواسطة ما هو أكثر لا تواصليّة لديها:

لأنّ التواصل بالفعل هو في ما يستحيل تواصله في الخارج.

إنّ الفضائل الخفيّة، تلك الفضائل ـ يقول بوسّويه ـ

التي لا يشارك الجمهور فيها لا تفتقر، إذن، إلى تبريرٍ اجتماعيّ.

ولا تنقص الرهبانيات التأمّليّة.

فالرّهبان المنصرفون إلى دراسة الكتاب المقدّس

والذين يتأمّلون ليلاً نهارًا في شريعة الربّ،

إنما يفعلون ذلك ـ كما يقول القديس توما الأكويني ـ

من أجل المنفعة المشتركة للكنيسة كلّها،

وهذا ما يسمح لهم، حتّى وإن كانوا لا يَكرزون ولا يعلِّمون،

بالعيش المشروع من الصدقات:

إنّه استنتاج جريء، لكنّه يُلزم المستفيد منه بفحص ضميرٍ جدّي.

وفي كلّ حال، إنّ المبدأ الذي يؤسسه لا خلاف عليه.

وكما كتب الأب تِيار دو شاردن في تشبيهٍ رائع،

لو كنّا قادرين على إدراك النور اللامنظور

مثل السحاب والصاعقة أو الأشعّة الشمسيّة

لكانت الأرواح النقيّة تَظهر لنا، في هذا العالم، نشيطةً بفضل نقاوتها

كالقمم المغطّاة بالثلوج والتي تمتصّ ذُراها الهادئة لنا باستمرارٍ طاقاتِ الجوّ الهادئة.

بالمقابل، إنّ الدين الشخصي والحياة الباطنيّة

ليسا مرادفين للفردانيّة أو للذاتانيّة الدينيّة.

الدين الحقيقيّ هو حياة خفيّة في القلب، يقول نيومن،

ولكن ليس فيها شيء من الانطواء النرجسيّ الذاتيّ.

لا يزال القول مع القدّيس قبريانوس عن الصلاة الخفيّة صحيحًا:

"صلاتنا عامّة ومشتركة وعندما نصلّي فليس من أجل شخصٍ واحدٍ نصلّي

وإنّما من أجل كل الشعب لأننا، الشعب كله، واحد.

إنّ إله السلام ومعلّم الوئام الذي علّمنا الوحدة

أرادنا أن نصلّي هكذا، واحدٌ للجميع، كما حمل هو جميعَنا في شخصه الوحيد".

وبعد أن أعلن القديس أغوسطينوس قائلاً: "أرغب بمعرفة الله والنفس،

تابع بقوله: فلنتعرف بتوافقٍ على نفوسنا وعلى الله معًا".

إنّ أرفع درجة في الحياة الروحيّة سمّاها رويسبروك حياة مشتركة،

لأنّ الإنسان في هذه الحالة هو في خدمة الجميع.

وإنّ القدّيس يوحنّا الصليب - دولاكروا كان يفهمها هكذا أيضًا

بحسب شهادة إليزيه دي مارتير

الذي ينقل لنا هذه التصريحات، بتفسيره أقوالَ المسيح:

أَلَمْ تكونوا تعلمون أنتم أنّ من الضروري أن أهتمّ أنا بأمور أبي؟

يقول: إنّ أمور الآب هذه يجب تفسيرُها هنا بأنّها فداءُ العالم ...

ويقول: إنّ من الحقيقة البيّنة أنّ الشفقة على القريب

تنمو بمقدار ما تتّحد الروح بالله بواسطة المحبّة.

إذا كانت قاتلة بالنسبة إلى بضع اللباقاتِ الروحانيّةٍ

وبالنسبة إلى نفسانيّةٍ معيَّنة شديدةِ الغرور بتحليلاتها،

فإنّ المسيحيّة المُعاشة في الصلاة لا تهاجِم إلاّ الطفيليّين

وتعيد إلى الروح قوّتها وحماستها.

هنا نرى من جديد الارتباط بين الخبرة والفكر،

وقد تكون مرة أخرى نزعة تخصيصيّة خادعة

تلك التي تجعلهما في مواجهة، كما لو لزم بالضرورة الاختيار

بين خبرة شخصيّة لا قيمة كونيّة لها وبين فكر كونيّ غير شخصانيّ؛

ذلك كما لو لَزمت التضحيةُ بالضميرٍ أو بالعقل.

إنّ ضميرًا واحدًا قد تمكّن من تغذية الاعترافات ومن تصوّر مدينة الله،

وها هو القديس أغوسطينوس، بعد القديس بولس، يوحِّد

بطريقةٍ دائمةٍ وبمجموعةِ رسائلَ بين الخلاصة التاريخيّة والتحليل التأمّلي،

لكون كلّ جهدِ تعمّقٍ حميمٍ له علاقة متبادَلة في اتّساع النظرة إلى الكون.

إنّ الإنسان الجديد هو الإنسان الكونيّ

وهو في الوقت نفسه الإنسان الباطنيّ، باللغة اليونانيّة.

لذا، يبدوا تقليديًّا ذلك العرض الشامل الذي يتكلّم عنه الأب ماريشال

في صفحة هامّة من دراسات عن سيكولوجيّة الصوفييّن

وهو عرض ينطَبق بشكلٍ حيويٍّ على كلّ عصر،

ويبدو اليوم في طريقه إلى أن يصبح بيّنًا أكثرَ في العقائد:

إنّنا نفهم فهمًا أفضل أو ربّما نعود فنفهم فهمًا أفضل

أنّ المتصوّف الكاثوليكيّ ليس فقط ـ بالنسبة إلى سائر المؤمنين ـ

إنسانًا منعزلاً وإنسانًا هائمًا في ماورائية مبهمة؛

ونفهم أنّ الارتقـاء الصوفيّ مكـوَّن من إندماجات أكثـر منـه من تحصُّنـات؛

وأنّ عليه ألاّ يُلغي من الحياة المسيحيّة المشتركة أيّةَ ناحية معيّنة؛

وبإيجاز، إنّ المتصوّف الكامل قد يكون، لهذا بالذات، المسيحي الكامل،

نعني به مسيحيًّا لا تنتزعه أرفعُ الأفضال الإلهيّة

من تضامن آلام الكنيسة المجاهدة وإنجازاتها.

زد على ذلك أنّ الصوفيّة المسيحيّة، أي التذوقَ المسبق للرؤية

وإبتداءَ الأبديّة وضاحيتَها، والَدخولَ الخلسيّ إلى مدينة الله

و، في الوقت نفسه، العودةَ إلى النقاوة الأصليّة،

كيف لا تكون نقيض الأنانيّة المطلقة؟

إنّ الجماعة تحمل المتصوّف، وهي بدورها محمولة منه.

وفي نهاية المطاف، تعني المسألة

أن يجد المرء من جديد في الصمت الباطنيّ الأشدّ قساوةً وتجرّدًا

جماعةً روحيّةً أكثرَ فأكثرَ حضورًا واتّساعًا.

لقد أنشد بول كلوديل ذلك في نشيد بالميرا (تدمر)

الذي يتردّد فيه جيّدًا صدى الآباء القدامى:

...ما من أحدٍ من أخوتنا، عندما يشاء، قادر على أن يغيب عنّا،

وفي البخيل الأكثر برودة، وفي قلب العاهرة والسكّير الأكثر وساخة،

توجد روح خالدة تتنفّس، وإنْ كانت مُبعَدةً عن النور، تمارِس العبادة الليليّة.

إنّني أسمعها تتكلّم عندما نتكلّم، وتبكي عندما أركع.

إنّني أقبل كلّ شيء!

إنّني أستقبلها جميعَها وأفهمها جميعَها،

وليس هنالك واحدةٌ لستُ بحاجةٍ إليها أو يمكنني أن أستغني عنها!

في السماء نجوم كثيرة وعددُها يفوق أيّة قدرة لديّ على تعدادها،

ومع ذلك، ليس بينها واحدةٌ لا تلزمني لأمدح الله.

توجد كائنات حيّة عديدة، ولا نكاد نرى بعضها ينطفىء

فيما تضطرب الأخرى في الخواء وفي إعصارات إنٍاء مُبهَم؛

توجد أرواح عديدة، وليس يبنها واحدة لستُ على اتّصال بها

بفضل ذلك الجزء المقدّس فيها الذي يهتف أبانا.

terezia.org/section.php?id=2034