جماعة "روح وقـوّة "     دير الملاك جبرائيـل

  

بمناسبة مرور عام على توليه عصا الرعاية...

مقابلة مع البطريرك فؤاد الطوال

مجلة رعية البشارة للاتين - الناصرة

في يوم الأحد 22 حزيران 2008، احتفلنا بتنصيب صاحب الغبطة البطريرك فؤاد طوال الكلي الوقار بطريركاً على أبرشية القدس للاتين. تتشرف هيئة تحرير مجلّة رعية البشارة للاتين في الناصرة بتقديم هذا اللقاء مع غبطته، والذي يتناول عدة مواضيع تخص البطريرك طوال، وظائفه ومسؤولياته في الأبرشية، كما تخص علاقة البطريركية مع رعيتنا راعيها وأبنائها:

غبطة البطريرك فؤاد طوال؛ نشكرك على إيجاد الوقت لإجراء هذه المقابلة. هل يمكنك كبداية أن تعطينا لمحة عن البطريرك فؤاد طوال: نشأته، دعوته، سيامته الكهنوتية والأسقفية؟

بداية أشكر مجلتكم لاهتمامها براعي الأبرشية فكلنا لخدمة الكنيسة كل في موقعه. التحديات كثيرة ولكن الأنفس الطيبة أكثر وإذا سرنا يداً بيد فلا خوف من المسؤولية ولا أشعر أنني وحدي في حملها ومجيئكم اليوم هو أكبر برهان.

ولدت في مادبا 23-10-1940 لعائلة مكونة من خمسة أولاد وأربع أخوات. اثنان من أخوتي فارقا الحياة. لدي الكثير من أولاد الاخوة والأخوات ولهم عدد كبير من الأولاد والحمد لله وجميعهم سند حيث انك لا تزال تشعر بالروح العشائرية واللحمة العائلية.

كانت دراستي الإبتدائية في مدرسة دير اللاتين في مادبا. وكان الأب المرحوم جورج سابا من رام الله حينها كاهن الرعية والمسؤول عن المدرسة. وكنت أساعده في خدمة القداس وتكريس البيوت حيث كنا نذهب سيراً على الأقدام. في العادة كان الناس يضعون نقوداً في جرن البيت ليأخذه الكاهن بعد التكريس. ما لفت نظري أن ا لأب جورج لم يكن يأخذ ما في الجرن إنما كان يأخذ من جيبه النقود ويضعها للناس في الجرن. قبل أن تتبرع العائلة كان هو يعطيها المساعدة. هذا الأمر أثر فيّ حينها. وعندما سأل مرة الأب جورج من يريد أن يكون كاهناً؟ أجبته أنني أريد حيث كنت أريد أن أكون مثل هذا الكاهن الذي أعجبني وأثّرت تصرفاته الصغيرة فيّ. الناس بحاجة إلى الشهادة للخير وإلى القدوة الحسنة أكثر من حاجتها إلى العظات.

إثر ذلك دخلت في تشرين أول سنة 1959 الى إكليريكية بيت جالا مع  22 شخصاً آخرين. لم يستمر أيّ من الآخرين في الإكليريكية وأتممت التعليم وحدي وتمّت سيامتي كاهناً في القدس بتاريخ 29-6-1966 مع عدد من الكهنة الفرنسيسكان. يجدر الذكر أن البطريرك صباح كان قد علمنا اللغة العربية في الإكليريكية وكان التعليم من كتاب "الشرتوني" وكان البطريرك صباح انذاكاهنا مساعدا للأب جورج سابا في مأدبا.

بعد السيامة الكهنوتية عينت كاهناً مساعداً في رام الله وكانت رام الله  حينها في أوجها. كانت رعية رائعة جداً وما لفت نظري هو علاقة أبناء رام الله في المهجر مع الرعية وأبنائها في رام الله واهتمامهم بجميع المشاريع الرعوية. هذه القدوة  آمل أن تكون نصيب رعايانا.

في العام 1967 انتقلت إلى رعية إربد وبقيت هناك حتى عام 1968 اذ عينت كاهن رعية المحطة وكنت مسؤولاً عن الشبيبة. في هذه الفترة التحقت بالجامعة اليسوعية في بيروت لتعلم الأدب العربي وهناك صادفت البطريرك صباح الذي كان يحضر لأطروحة الدكتوراة في اللغة العربية في باريس. وأذكر أن برنامج التعليم كان قد تغير وكنا مرتبكين. فطمأنا البطريرك صباح قائلاً: "أكتبوا ما تعرفون فدائماً سيوجد من يقرأ".

في هذه المرحلة طلب مني البطريرك المرحوم يعقوب بلتريتي أن أتعلم الحق القانوني في جامعة اللاتران في روما. في أيلول 1972 انتقلت لتعلم القانون في روما وكان يتعلم معي مسؤولون في السلك الدبلوماسي الفاتيكاني. هؤلاء المسؤولين طلبوا من غبطة البطريرك السماح لي بالانضمام الى السلك الدبلوماسي. وبعد أخذ الإذن دخلت عام 1974 في الأكاديمية الفاتيكانية لتعليم رجال السياسة وكنت أول عربي يدخل إليها.

هذه الأكاديمية كانت تسمى في سنوات العشرين للقرن الماضي ب"أكاديمية الشرفاء" حيث كان يتعلم بها أبناء العائلات الإيطالية الشريفة فقط. حوالي سنة 1935 فتحت الأكاديمية لكل شخص قدير حتى من خارج إيطاليا. التخصص في الأكاديمية هو للدبلوماسيين ويشترط أن ينهي الطالب درجة الدكتوراة في الحق القانوني أو القانون الدولي. عام 1975 حصلت على الليسانس في الحق القانوني وسنة 1976 حصلت على الدكتوراة.

في عام 1977 دخلت السلك الدبلوماسي الفاتيكاني وعينت عام 1978 كقائم بأعمال السفارة البابوية في هندوراس. هناك وجدت أقلية عربية فلسطينية فأصبحت بمثابة كاهن رعية لهم إضافة إلى عملي في السفارة حيث لم يكن لديهم كاهن عربي يقوم على رعايتهم. كانت هذه الأقلية أقلية ممتازة فمعظم أبنائها وخاصة الشباب متعلمون وذو حضور في المجتمع. ومن الحوادث التي أذكرها وأنا أخدم في هندوراس أنه تم إختطاف وإحتجاز 3 طائرات كولومبية وبناء على طلب الحكومي تدخلت كوسيط مع المختطفين وتكللت مساعي بالنجاح وخلصنا النساء والأطفال وتم نقل الطائرات إلى كوبا.

في عام 1982 عينت كأمين عام في مجلس الشؤون السياسية في وزارة الخارجية في روما وكنت مسؤولاً عن أفريقيا. وشاركت أيضاً في التحضيرات لأول لقاء بين قداسة البابا المرحوم يوحنا بولس الثاني والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. وأذكر كمية الرسائل المرسلة للفاتيكان في محاولة لمنع هذه الزيارة وهذا اللقاء وكان الجواب أن قداسة البابا سيلتقي بشخص يمثل قضية مقدسة. وبعد هذا اللقاء بدأ رؤساء الدول المختلفة يستقبلون الرئيس السابق عرفات حيث كانوا يرفضون ذلك قبلاً بحجة أن الرئيس الراحل عرفات لم يكن رئيس دولة.

في العام 1985 عينت أميناً عاماً لدى سفارة الفاتيكان في مصر وهناك تعرفت على البابا شنودة. كان الوضع في القاهرة في هذه الفترة محزناً حيث عانت مصر من مقاطعة الدول العربية إثر توقيعها اتفاقية السلام مع إسرائيل.

في العام 1988 انتقلت إلى السفارة الفاتيكانية بون في ألمانيا وهناك شعرت بقوة الكنيسة الألمانية من الناحيتين اللاهوتية والمادية. كانت الكنيسة الألمانية أقوى كنيسة في التضامن مع كنائس العالم وكانت كل هذه المساعدات تمر عبري. يذكر أن الألمان كان يستغربون أن يكون لديهم مسؤول عربي في السفارة الفاتيكانية.

في عام 1990 عينت في السفارة الفاتيكانية في ليما في البيرو. وهناك وجدت جالية عربية فقمت بخدمتها. وأذكر أني هناك اشتركت في نادي فلسطين وكنت أمارس الرياضة وخاصة التنس.

جدير بالذكر أنني خدمت لمدة 18 عام في السلك الدبلوماسي ولكنني لم أترك بتاتاً العمل الرعوي حيث وجدت كيف أهتم بالأمور الرعوية مع الجالية المحلية حيثما خدمت.

إرتأى الفاتيكان أن يعيّن أسقفا عربيا في بلاد المغرب العربي حيث كانت المسؤولية تقع على أساقفة فرنسيين. فطلب مني قداسة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني ترك السلك الدبلوماسي. وفي 30-5-1992 تمت سيامتي الأسقفية وعينت أسقفاً على تونس. في عام 1994 تمت ترقيتي لأصبح رئيس أساقفة. بعد ذلك أقمنا مجلس أساقفة المغرب العربي وأصبحت رئيسه عام 2003. كنت أول أسقف عربي في المغرب العربي وهذا أدى إلى تغيير إيجابي في العلاقات مع الحكومات الأمر الذي ساعد في تطور الكنيسة هناك وقمنا بترميم الكنائس. في عام 2005 عينني قداسة البابا بندكتوس السادس عشر أسقفاً معاوناً لغبطة البطريرك ميشيل صباح بعد أن وافقت، بعد تردد، على طلب قداسته وقررت العودة لخدمة الأبرشية الأم في أصعب الظروف. في 14-3-2006 عينت رئيساً لجامعة بيت لحم وفي 29-1-2007 عينت عضواً في المجلس البابوي للحوار بين الأديان. وفي 21-6-2008 نُصّبت بطريركاً على الكنيسة اللاتينية الأورشيليمية خلفاً لغبطة البطريرك ميشيل صباح. وفي 8-3-2009 تم تعييني عضواً في مجمع الكنائس الشرقية.

غبطتك هو البطريرك الثاني من أصل عربي تتولى بطريركية اللاتين في القدس، وأنت تنحدر من قبيلة مسيحية أردنية. هل يمكنك أن تتحدث عن  الوجود المسيحي في بوادي منطقتنا منذ القرون الأولى للمسيحية ولغاية اليوم؟ هل يمكننا القول بأن وجودك على رأس كنيسة القدس، هو إثبات للأصول المسيحية في المنطقة، وردّ واضح على بعض الإدعاءات التي نسمعها أحياناً بأن الرعايا المسيحية في المنطقة أتت مع الحملات الصليبية؟

البطريرك طوال: القيادة الأبرشية موجودة الآن بين أيدي أبناء الأبرشية ونشكر الله على ذلك ولكن يجب أن لا ننسى فضل من سبقونا من البطاركة والأساقفة او الكهنة الأجانب والمرسلين الذين قاموا بواجبهم في الحفاظ على الأبرشية وقاموا بتحضير أبناء الأبرشية لتحمل مسؤولياتها. لا بل نحن اليوم نرسل من كهنة الأبرشية أساقفة الى العالم.  لدينا أسقفان من أبناء الأبرشية في تونس والجزائر ونأمل أن نرسل من كهنة الأبرشية أساقفة للخليج العربي الذي يجب أن يكون من اهتمامنا حيث أنه يجب أن لا ننسى البعد العربي المسيحي.

على كل حال عند عودتنا إلى الإنجيل المقدس نرى أن العرب مذكورون في أعمال الرسل. عند هدم الهيكل ذهب معظم المسيحيون إلى شرق الأردن. الإنجيل يتحدث عن المدن العشر "ديكابولس" ومنها بيسان وجرش وعجلون ومعظمها في الأردن. أكبر مقاطعة كانت في الأردن وكانت تدعى بمقاطعة "أرابا" وعاصمتها كانت فيلادلفيا أي عمان اليوم.

على كل حال، تعود أصولنا العربية إلى الغساسنة الذي هم من أساس العرب المسيحيين.   كانوا يقعون تحت الحكم البيزنطي وعند قيام الدولة الإسلامية وتحديداً في معركة مؤتة التي قادها القائد العربي خالد بن الوليد وقف الغساسنة مع العرب ضد البيزنطيين للتخلص من الاحتلال. وعند فوز العرب في المعركة وعند إخبار النبي محمد عن مساندة الغساسنة للعرب يقال أنه هتف: "عزّوهم يا صحابة". ومنذ ذلك الوقت يطلق علينا لقب "العزيزات". وأعطي أبناء العزيزات عدة امتيازات خلال الحكم الإسلامي نذكر فيما بينها:

(1)    الإعفاء من الجزية.

(2)    حكم مدينة الكرك (حتى العام 1908).

(3)    إذا طلّق مسلم زوجته أمام عزيزي فطلاقه باطل احتراما للعزيزي الذي لا طلاق عنده.

(4)    حرّية العبادة والمعتقد.

الكثير من القبائل أصلها من العزيزات. كذلك يجب أن لا ننسى الدور الذي قام به العديد من الأدباء والعلماء العرب المسيحيين في نهضة الدولة العربية وتراثها.

خلال العشرة أشهر منذ تولّيك منصب البطريرك، وقبلها بفترة خلال تعيينك أسقفاً معاوناً، قمت بزيارات عديدة لرعايا في إسرائيل وفلسطين والأردن. ما هو انطباعك حول هذه الرعايا، وجودها واستقرارها الاجتماعي والاقتصادي؟ كيف ترى دور كنيسة القدس والكنيسة العالمية في العمل مع هذه الرعايا، لتقويتها وتطويرها؟

في زياراتي المتعددة الى الرعايا كنت سعيداً جداً. أشكر الجميع على ما لاقيته من ترحاب. أنا شخصياً أميل الى الناس والجماهير. لقد وجدت تعطشاً عندهم للقاء الراعي والمسؤول وعندي أيضاً تعطش للقائهم للشعور بحاجاتهم الروحية والاجتماعية والمادية. لا يقتصر دور الكنيسة على تلبية الحاجات الاجتماعية والمادية بل للكنيسة بعد روحي. الكنيسة هي كلنا جميعاً : الأسقف، الكاهن، الراهب، الراهبة والعلمانيين، كلنا الكنيسة وكلنا مسؤول كل في موقعه. الإكليروس بلا رعية لا يساوي شيئاً وكذلك الراعي بلا الرعية. كلما زادت الوحدة بيننا سنصبح حقاً كنيسة واحدة كما أرادها السيد المسيح. يجب أن لا ننسى أبداً البعد الروحي حتى في مشاكلنا وصعابنا.

نحن أبناء الأرض المقدسة التي عاش فيها السيد المسيح والتي عانى فيها الأمرّين، سقط مراراً ولكنه قام واستمر حتى موته على الصليب. وعندها بدأ الفرح مع قيامته من بين الأموات. حتى في القرون الثلاثة الأوائل عانى المسيحيون الأوائل الأمرّين. لا ولن نستطيع العيش ككنيسة بدون حمل الصليب وعلى جميع المستويات. نحن في أرض غالية وتستحق أن نحمل لأجلها الصليب.

في زياراتي كنت أجد العزاء والقوة لي من كل شخص كلمته. كما وأجد العزاء في العمل على المستوى المحلي والكنسي والعالمي. أعتذر لأنني لم أتمكن من زيارة الجميع حتى الآن ولكنني سأقوم بها لأستمع  للجميع. طبعاً توجد زيارات رسمية ولكنني أميل للجلوس وسماع الناس. جلسة مع العائلات هي من أجمل وأغنى الجلسات.

عند استلامك مسؤولية يحكم عليك بالوحدة نوعاً ما وخاصة في اتخاذ بعض القرارات. قبل تنصيبي بطريركاً كنت أتحرك بحرية أكبر أما الآن فيوجد تقييدات يحملها المنصب ولكن لقاءاتي مع الرعية تدفعني للعمل معاً وبقوة أكبر وتنسيني هذه التقييدات.

نودّ الآن أن ننتقل إلى موضوع زيارة قداسة البابا إلى الأرض المقدس في شهر أيار الأخير. كيف وجدت تجاوب المسيحيين أهل البلاد مع هذه الزيارة ؟ وما هو تقييمك لها من حيث تأثيرها على المسيحيين المحليين، وأوضاعهم، ووجودهم في الأرض المقدسة؟

البطريرك طوال كان رد الفعل الاولي على الزيارة متحفظا جدا خوفا من أي تصريح من قداسة البابا يساء فهمه. ولا ننسى أن توقيت الاعلان عن الزيارة جاء بعد حرب غزة بقليل. ولكن تغيرت الاوضاع بعد الزيارة وحتى أثناءها. فكانت تحركات وكلمات قداسة البابا متوازنة ومدروسة. فقال كلمة حق وخير في المحافل كلها، أمام ممثلي الكنائس والأديان والحكومات المختلفة التي التقاها.

أما تأثير الزيارة على المسيحيين فيصعب أن نحكم عليه ألان. هنالك أثر سريع وهو رفع معنوياتنا كأقلية. ليس هذا هو الآمر الأهم. نريد ثمارا بعيدة المدى. لذا يجب الانتظار. فالشجيرة التي تزرع اليوم لا تثمر في حينها. لا بد أمامها من فترة زمنية. واثناء ذلك يجب دراسة خطابات قداسته الموجهة للمسيحيين. وهدف زيارته  الا ول هو وجودنا وتثبيتنا في الإيمان لكي نشهد للمسيح هنا شهادة حسنة.

من أجمل اللحظات التي قضاها قداسته في أرضنا كانت أوقات الصلاة محاطاً بالمؤمنين، تغمرهم البهجة والفخر والاعتزاز، خاصة أثناء اقامة القداس الالهي في عمان والقدس وبيت لحم والناصرة. ولقد ركز قداسته في كل مرة على دعوة مسيحيي هذه البلاد واهميتهم ليحملوا شهادة الخلاص في بلاد الخلاص.

حيث قال قداسته في قداس الحبري في ستاد عمان الدولي:

"انتظرت طويلا فرصة الوقوف أمامكم كشاهد للمخلص القائم من الموت لأشجعكم على المواظبة على الإيمان والرجاء والمحبة، مع البقاء أمناء للتقاليد القديمة ولتاريخ الشهادة المسيحية الفريد الذي يربطكم بزمن الرسل. إن الجماعة الكاثوليكية المحلية تعاني من الصعوبات والمخاوف التي تواجه سكان الشرق الأوسط؛ لا تنسوا أبدا الكرامة العظيمة المستمدة من إرثكم المسيحي، ولا تتقاعسوا أبدا عن التضامن والقيام بأعمال المحبة حيال جميع أخوتكم وأخواتكم".

"إن الأمانة لجذوركم المسيحية ولرسالة الكنيسة في الأرض المقدسة تطلب من كل واحد منكم شجاعة مميزة: شجاعة المشاركة في الحوار والعمل إلى جانب باقي المسيحيين لخدمة الإنجيل والتضامن مع الفقير والمهجر وضحايا مآس بشرية عميقة، شجاعة بناء جسور جديدة تتيح المجال أمام لقاء مثمر بين شعوب من ديانات وثقافات مختلفة بشكل يغني النسيج الاجتماعي. وهذا يعني أيضا الشهادة للمحبة التي تحملنا على "بذل" حياتنا لخدمة الآخرين لمناقضة نمط تفكير من يبررون "سلب" حياة أبرياء آخرين".

في القدس، وعلى أقدام جبل الزيتون قريباً من بستان النزاع تكلم قداسته، كما تكلمت انا حول نزاع الشعب.

"أوجه تحياتي أيضا لجميع الحاضرين وبنوع خاص لمؤمني الأرض المقدسة ولأسباب متعددة لم يستطيعوا أن يكونوا معنا اليوم. وكخليفة القديس بطرس، سرت على خطاه لأعلن الربالقائم بينكم وأثبتكمفي ايمان آبائكم وألتمس لكم العزاء، عطية الباراقيط. ومن خلال وجودي اليوم أمامكم، أرغب بالاعتراف بالمصاعب والحرمان والألم والمعاناة التي قاساها كثيرون منكم بسبب تبعات النزاعات التي ألمت هذه الأراضي فضلاً عن خبرة التنقل التي عرفتها عائلاتكم والتي لا سمح الله- قد تعرفها مجدداً".

وفي بيت لحم، أمام السلطة والشعب الفلسطيني ناشدنا البابا أن نكون شهداء حياة وليس موت.

"أصلي أيضا، وبعون الجماعة الدولية، كي تستمر عملية إعادة بناء المنازل والمدارس والمستشفيات التي تضررت أو دمرتها المعارك وخصوصا خلال النزاع الأخير في غزة. وهذا أمر جوهري كي يتمكن شعب هذه الأرض من العيش في أوضاع يسودها السلام الدائم والرفاهية".

وفي الناصرة، هنا في كنيسة البشارة، تكلم قداسته عن الصورة الصادقة لمسيحيي هذه الديار.

"هنا، في مدينة يسوع، مريم ويوسف، اجتمعنا لاختتام سنة العائلة التي تحييها الكنيسة في الأرض المقدسة. وكعلامة واعدة للمستقبل، سأبارك الحجر الأساس لمركز دولي من أجل العائلة، سيبنى في الناصرة. لنرفع الصلاة كي ينمي حياة عائلية قوية في المنطقة، ويقدم دعما وعونا للعائلات أينما كان، ويشجعها في رسالتها المتعذر استبدالها في المجتمع".

"لنعود إلى الناصرة كي نتأمل كل مرة بصمت ومحبة العائلة المقدسة، نموذج كل حياة عائلية مسيحية. هنا، وعلى مثال مريم، يوسف ويسوع، نستطيع أن نقدر أكثر فأكثر قداسة العائلة التي، وفي مخطط الله، ترتكز على الأمانة مدى الحياة لرجل وامرأة، مكرسة بالرباط الزوجي ومنفتحة على عطية الله لحياة جديدة. كم يحتاج رجال ونساء زمننا لاستعادة هذه الحقيقة الجوهرية التي هي في أساس المجتمع، وكم هي هامة شهادة الأزواج في تكوين ضمائر ناضجة وبناء حضارة المحبة!"

لقد قام مجلس رؤساء الكنائس في الأرض المقدّسة بالدعوة إلى القدّاس الرئيسي في مدينة الناصرة. كيف تقدّر تعاون المؤسسات المدنية في البلاد (مثل الوزارات الحكومية، وبلدية الناصرة، وقوات الأمن وغيرها)  مع المجلس في إنجاح هذا القدّاس؟

في الناصرة، كان القداس على جبل القفزة لحظة فخر لجميع المسيحيين ورعاياهم، لحظات حماس وترتيل بكل ايمان، حيث أثبت الشباب والكهنة وجودهم بالساعات الطويلة التي أمضوها لتحضير القداديس والصلوات. نرجو أن يدوم هذا الحماس، وهذا الشعور بالمسؤولية، واكتشافنا المتواصل لجذورنا المسيحية. ولا نقدر إلا الإثناء على الجهود الجبارة التي قامت بها المؤسسات المدنية والحكومية لإنجاح الزيارة في الناصرة. فكانت الحكومة سخية في الصرف على تحضير المكان اللائق على جبل القفزة. وكانت هنالك جهود كثيرة لتأمين الحماية لموكب قداسته ولالاف الحجاج المشاركين.

أما البلدية فلقد وضعت خيرة طواقمها في تحضير المكان. ونجحت التحضيرات العملاقة في زمن محصور جدا. كان هنالك فعلا سباق ماراثوني مع الزمن. وبهذه المناسبة نجدد شكرنا كمجلس أساقفة للقطاع المدني والحكومي (الوزارات المختلفة والامن) لكل الجهود الجبارة.

تصل تقديرات حضور القدّاس الرئيسي في الناصرة عشرات عديدة من ألوف المصلّين. لما تعزو هذا النجاح بحسب رأيك؟ وكيف تقيّم تجاوب الرعايا المحلية وكهنتهم وأساقفتهم مع الدعوة للحضور الكثيف للقدّاس؟

أعزو النجاح الى اللجان المختلفة التي تعاونت فيما بينها بشكل يرفع الرأس. واذا كان لا بد من ذكر بعض اللجان فهي: اللجنة الليتورجية والاعلامية ولجنة الدعوات والاستقبال ولجنة البنية التحتية ولجان الامن والمواصلات والبلدية. وكان للمنسقين الحكوميين مع الكنائس دور في تجييش طاقات هائلة لترتيب استقبال ستين الف مصل. ومعذرة ان نسيت لجنة من اللجان.

قُبَيل الزيارة، سمعنا عدداً من الأصوات تنادي بإلغائها أو بتأجيلها، وقد كنت أنت من أكثر المدافعين عن أهمية إقامتها في موعدها. هل تودّ الآن الردّ على هذه الأصوات؟

كلا. فالذين عارضوا الزيارة قاموا بذلك بحسن نية. ولا أقدر أن انتقد شخصا يتكلم ويتصرف عن حسن نية. ولربما للموقف المتشكك من نجاح الزيارة دور ايجابي. أجبرنا على مضاعفة الجهد تجنبا  لأن تكون التكهنات السلبية أمرا حاصلا.

ننتقل الآن إلى مواضيع أخرى. في زيارتك لمدينة الناصرة في شهر آب من العام السابق (2008)، وعند لقاءك بممثلي المجالس الرعوية، تكلمت عن اقتراح "بتبني" الكنيسة للأولاد من بعد الولد الثالث، وذلك لتشجيع ومساعدة العائلات المسيحية التي تودّ تكبير العائلة وتهاب المصاريف الاقتصادية المترتبة على ذلك. هل ما زال هذا الاقتراح في الدراسة؟ وهل يمكن أن نتوقع تحقيقه قريباً؟

المشروع لا يزال قائماً. نريد مسح كم شخص يوجد؟ كم سيكلف مثل هذا المشروع؟ يجب دراسة المشروع من جميع أوجهه لطرحه وإيجاد التمويل المناسب واللازم له. إن شاء الله سنقوم بالمسح وعمل الدراسات اللازمة قريباً. وعندما اقول الكنيسة يمكن أن تتبنى ما بعد الولد الثالث لا اقصد ذاتي شخصيا. فالكنيسة هي كل شعب الله المؤمن. والمستهدف هي العائلات الفقيرة وليس كل العائلات. وأنادي هنا بانشاء كاريتاس خاصة باسرائيل يكون دخلها من المقتدرين من أبناء الكنيسة بحيث يعطي المكثر للمقل من الفائض الذي لديه تماما كما كانت تفعل الكنيسة الاولى.

ماذا ترى من عواقب عدم الاستقرار في منطقة السلطة الفلسطينية على الشباب المسيحيين هناك؟ وهل ترى دوراً للكنيسة في هذا الأمر؟

من ناحية البعد الدولي نود بدايةً أن نشكر جميع الدول على المساعدات المادية التي تصل. ولكن هذا لا يكفي. نحن بحاجة إلى بعد وحل سياسي واضح يعطينا الثقة أن القضية ستُحل. يجب أن نجد الحل. بعد مرور أكثر من ستين عاماً دون الوصول إلى حل، يجب أن تتغير الأساليب فالحل واضح. نطلب من الدول الأوروبية أخذ دورها السياسي في هذا الشأن وأن لا تتركه بأيدي دول معيّنة فقط.

من ناحية البعد الثقافي الروحي يجب أن تكون للمسيحي ابن هذه الأرض المقدسة القناعة أن وجوده هنا في هذه الأرض المقدسة هو وجود خاص لا يشبه أي بلد أخر حيث يفترض عليه الصمود والشهادة لحدث أساسي هو موت وقيامة السيد المسيح وعليه أن يضحي لأجل ذلك.

في الخارج يوجد من يستقبل المسيحي ويوجد ما يبعده من إغراءات. وعليه فإذا لم يكن للمسيحي قناعة دينية وروحية فحتماً سيهاجر. صحيح أن المسيحي قد يجد كرامة في المهجر ولكنه لن يجد بتاتاً أرضاً مقدسة. ما العمل؟ يجب أن نقبل قليلاً من الإهانة لأجل هذه الأرض الغالية. أولا تستحق ذلك؟ يجب أن تكون لدينا روح الانتماء لهذه الأرض الطيبة. الكنيسة، جماعة المؤمنين، جميعنا نستطيع معاً أن نساعد بتنفيذ بعض المشاريع لتخفيف وطأة حمل مسؤولية العيش في هذه الأرض ولكن يجب عدم الاعتماد فقط على الكنيسة. الكنيسة كانت وستبقى صوت من لا صوت له.

في السنة السابقة قامت البطريركية بتنفيذ مشروع إسكان البشارة - القديس جبرائيل - في الناصرة. هل للناصرة أن تتوقع مشاريع إضافية مشابهة تقودها البطريركية؟

حالياً نهتم بمشروع إسكاني للعائلات الشابة في بيت صفافا في القدس ولا زلنا نبحث عن رأس المال الكافي لإتمامه. نشكر السلطة الفلسطينية التي قامت بالتبرع بالجزء الأول منه.

نأمل أن يكون لدينا مشاريع أخرى قريباً مثل مشروع الناصرة الذي يشجعنا على إعادة الكرة.

ما رأي غبطتكم في موضوع إشراك العلمانيين في إدارة المؤسسات الكنسية أو في إشراك العلماني في مواضع اتخاذ القرارات في الكنيسة؟

نحن نرى ان للعلماني دور مهم في العمل الرعوي وخدمة الكنيسة. نحن نطلب من الكهنة تكوين مجالس رعوية هي مجالس استشارية لتساعده في عمله الرعوي. تنشيط عمل العلماني الرعوي سيأتي بالفائدة الكبرى على رعايانا جميعاً.

معظم العاملين في دوائر البطريركية اليوم هم من العلمانيين وهذا يؤكد قناعتنا بدور العلماني. وهذا المبدأ ينطبق أيضاً على المؤسسات، فمثلاً لقد عينا إدارة عامة جديدة لجميع مدارسنا في       الأبرشية. طلبنا من كاهن الرعية الاهتمام بالشؤون الرعوية وأن يعطي إدارة المدارس لمديرين علمانيين متخصصين عملاً بالمثل العربي القائل: "أعط الخبز لخبازه". نحن نميل لفكرة تسليم إدارة المدرسة إلى العلماني المتخصص. فهذا الأمر فيه مصلحة الأبرشية. الكاهن يستطيع أن يكون رئيس المدرسة ويهتم مع العلماني بالنواحي الروحية فيها.

في السنوات الأخيرة نرى في منطقتنا تعدّيات على سكّان مسيحيين عرب، وبالذات نذكر ما حصل ويحصل في مصر والعراق وغيرها، وما حصل بالتحديد في بلادنا قبل عدة سنوات في الناصرة والمغار وغيرها. هل تحصل هذه الأمور نتيجة لاستضعاف المسيحيين بسبب توجّههم دوماً إلى الحلول السلمية، ونبذهم للعنف بكل أشكاله وأسبابه؟

الحلول ليست قطرية محلية فقط بل لها أبعاداً دولية. يجب العمل على إيجاد الحلول في المحاضر الدولية العالمية بواسطة سفراء الفاتيكان الذين يتواجدون في أكثر من 160 دولة. كل العالم يسمع صوت الكنيسة.

يوجد في العالم ثقافة موت ونحن جزء منها ونعاني منها.  يجب أن نقوم بعمل تربوي في مجال حقوق الإنسان سواء كان مؤمناً أم لا.

الآلام لا تقتصر على المسيحيين فقط. فمثلاً في الجزائر مات قرابة 500 مسيحي وأكثر من 150 ألف مسلم. نحن جزء من الضحية ولسنا الضحية. صحيح أنه أحياناً يكون العنف موجهاً ضد المسيحيين بالذات، ولكن بالرغم من ذلك يجب أن تكون ثقافتنا الدفاع عن الإنسان كإنسان وليس عن المسيحيين فقط، وبهذه الطريقة يستفيد الجميع ومن بينهم المسيحيين.

في نهاية السنة السابقة 2008، قمت بالاشتراك في سينودس الكلمة الذي عُقد في روما باشتراك أساقفة من كل العالم، وقد أرفقنا مداخلتك في هذا العدد من المجلة. ماذا كان الهدف من هذا السينودس وما هي أهميته للرعايا المسيحية في البلاد وفي العالم؟

هذا السينودس ينعقد مرة كل ثلاث سنوات ويجمع جميع أساقفة العالم الكاثوليك. هنالك مدعويين ومختصين في جميع مجالات الكتاب المقدس.

في السينودس الأخير كنا 253 أسقف وعدد مماثل من الخبراء. كان موضوع هذا السينودس "كلمة الله" بعد أن كان السينودس السابق قد ناقش موضوع "الأفخارستيا". كان ربط بين كلمة الله والأفخارستيا. في البدء كانت الكلمة شفوية فتحولت إلى نبوءات مكتوبة فإلى شخص عاش بيننا وثم إلى خبز وخمر مقدسيين.

إنه لأمر لطيف أن تلتقي بأساقفة من كل العالم وتشعر بالكنيسة الكاثوليكية الجامعة. كذلك نعلم هناك عن أشياء لم نكن نعلمها سابقاً فمثلاً علمنا أن هنالك بشرا لا يعرفون القراءة ولكنهم تعلموا كلمة الله بواسطة الرسومات والموسيقى.

لقد شددت في هذا السينودس على أهمية زيارة الأرض المقدسة لمعرفة كلمة الله حيث تجسد.