جماعة "روح وقـوّة "                             دير الملاك جبرائيـل

  

الكاهن النبي

الأب علاء نديم العلامات

النبي

ما أحوَجَنا في هذه الأيامِ إلى صوتِ الأنبياء،

لا أعني الأنبياءَ الذينَ يستشفّونَ المستقبل،

فالعرافةُ وطالِعوا الحظ ومشعوِذو السحرِ وعُلماءُ الأبراجِ يملئونَ شوارِعَ الدنيا،

إنّما الأنبياءُ -الذينَ أقصدُهُم- أولئكَ الأشخاصُ الذينَ يستقرؤونَ علاماتِ الأزمِنة،

ويصدحُ صدى كلماتِهِم النبيلة وسطَ الصمتِ والصمم،

ويستبشرونَ في حبكةِ الأزَمَات ولو شذراتٍ مِنَ بصيصِ الأملِ والرجاء مِن عندِ الله.

نبي الحق

في غابرِ الزمان - ومِنَ القدس- فاهت الكثيرُ مِنَ الألسن بكلماتِ الحق.

ومِن أجلِ السلامِ والعدالةِ نطقت حناجِرُ الكثيرينَ بالأدعيةِ والصلوات،

حائكةً مِنَ أصواتِ الحقِّ منظومةً سماويّة.

في القدسِ ارتفعت كالأشجارِ الباسقةِ ظِلالُ أبطالٍ مَيامين ومِقدامين،

نُصِبَت على ذِكراهُم صروحاً وأضرِحة.

أتُرانا عرِفناهُم؟ هم الأنبياء (دائماً بنفس المعنى السابق)

ألعلّ السماءَ حَرَمَتنا مِن طلَّتِهِم؟

لا، فالسماءُ كريمةٌ ونحن نستحق.

أعسانا لا نُحسِنُ استِقبالَهُم؟

كلاّ، فنحنُ مِضيافونَ كُرَماء.

هذه أجوبةٌ بديهيّة على أسئلةٍ وجدانية،

ولكنّها تحتاجُ إلى تمحيص، أو تفنيد، أو دحض، أو تمييز، أو فحص ضمير...

أترُكُ ذلِكَ لنزاهة القرّاء.

نبي الله

ولما كانت الكنيسةُ سرَّ الخلاصِ بين مضاربِ عشائر الناس،

فلتُنجِب لنا أنبياءً يستقرؤون، يستشفّون، يستنطقون، يستبشرون...

وليخلق لنا الروح القدس، صاحبُ "الفوضى المقدسة"

أنبياءً مِن كهنتِه، يمسَحهم ويسمح لهم بالنبوءة.

الكاهن النبي، هو الشخصُ الذي يجسّدُ حاجةَ المجتمع إلى مَن يصِلُها بالله،

فأمامَ القِوى الكثيرة التي تريد أن تُبعِدَ الإنسانُ عن الله،

المجتمعُ بحاجةٍ إلى رجالٍ يربطونَ واقعَ الإنسان بمخطّط الله.

وما الكاهنُ النبي إلا هذا الشخصُ البشري الذي،

في وجهِ جميعِ التحدّيات والقِوى المعارضة والمغناطيسات المُضادّة،

يمتدُّ جسراً واصلاً بين جديد الله وجديد الإنسان،

بين وحي الماضي وإلهام الحاضر.

نبي متحضّر

بينما نفخرُ بمنجزات العلم المعاصر والتقدّم التكنولوجي وحرب المعلومات،

أدلي بدلوي منادياً بفكرة "الإله المتحضّر"...

قيل في كتب التعليم المسيحي

"أن الله ليسَ غريباً عن هذه التحولات التي تعصف بالشخصية وبالمجتمع..."،

ونادى المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني بكلمتين متوازيتين هما:

"التبشير الجديد" و "العودة إلى الينابيع"...

وأنا شخصياً أحب من أفواه الشباب كلمةً أجنبية يردّدونها هي: "New look"

مطبّقينها على تسريحة شعر جديدة أو هندامٍ وقيافةٍ غريبة أو صبغةٍ ملونة... لا علينا!

فأنا أومنُ إيماناً ثابتاً بأن لله المتأنّس في الزمان،"New look = طلّة جديدة" في كلّ زمان،

وما الكاهنُ النبي إلا مَن صبغَ وجهَ اللهِ بلونٍ جديدٍ

دامِغاً ومجسّداً ومثاقفاً إيّاه مع كلِّ عصرٍ جديد.

وبهذا المعنى الجديد، أومنُ بالدينامية لا بالستاتيكية في الله.

نبي الكلمة

والكتاب المقدس، ذاكَ المكتبةُ الناطقة، ليس كتاباً بل شخصاً

"أي مَن يدخلُ في علاقةٍ مع غيره في الزمان والمكان"،

هو النبعُ والشخصُ الذي يتسلّحُ به النبي في ميادينِ العِراك.

وإذا كانَ الكاهنُ بدوره دليلاً "Guide" خبيراً فيه، أبدعَ في تقديمه واستنطقَ مِن فيه،

وقفزَ فوق حدوده متجاوزاً التفسيرات الحرفية المتكلّسة ل

يصلَ صداهُ في عالم اليوم كما هو اليوم.

أما إذا تكلّم الكاهنُ النبي بغير كلامِ الله، أو تكلّمَ بكلامِه مدّعياً أنه كلام الله فيموت

"وأما النبيُّ الذي يُطغي، فيتكلّمُ باسمي كلاماً لم أوصه أن يتكلّم به،

أو الذي يتكلّمُ باسمِ آلهةٍ أخرى، فيموتُ ذلك النبي" (تثنية 20:18)

نبي البصر

الكاهنُ النبي يختلفُ عن الكاهنِ الكلاسيكي بأنّه "رائد = pioneer"

أي مكتشفٌ ومستطلعٌ يسبق الآخرين.

في سفر تثنية الإشتراع، قبل دخولِ يشوع بن نون إلى أريحا،

أوعزَ إلى بعض رجالٍ بالذهاب والاستطلاعِ... (راجع تثنية الفصل 2).

هؤلاء المستطلعون هم رائدونَ لأنهم سبقوا الآخرين.

وهذا هو أحدُ فنون النبوءة عند الكاهن،

أن يسبقَ الآخرين، يستطلع ويستكشف ويستخبر.

أي نبي؟

نحن، اليوم، أحوجُ ما نكونُ إلى كهنةٍ أنبياء:

كالشعراء إذا نظّموا الكلمات أشعاراً...

كالنحّاتين إذا استنطقوا الأحجارَ تماثيلاً...

كالعازفين إذا داعبوا الأوتارَ ألحاناً...

كهنةً أنبياء: كالغوّاصةِ يسبرونَ لنا أعماقَ الإنجيل وأسرارَ الله...

كالروّادِ يُطْلعونا على فضاءات الأبدية ومداراتها...

  بين الكاهن المحافظ  والكاهن الــنــّـبـي ، أرجّحُ النـّبـوءة...

وبين الكاهنِ التقليدي  والكاهن المتحضّر، أرجّحُ المواكبة...

وبينَ الكاهنِ الحارس والكاهنِ الـجــريء، أرجّحُ الجـرأة...

  بين الكاهن المومياء والكاهن الـمتغـيـّر ، أرجّحُ الحـركة.