جماعة "روح وقـوّة "     دير الملاك جبرائيـل

   كلمة البابا بمناسبة عيد جسد الرب    

"هذا هو جسدي، هذا هو دمي"

أيها الأخوة والأخوات الأعزاء،

هذا الكلمات التي تلفظ بها يسوع في العشاء الأخير، تتردد في كل مرة تتجدد فيها الذبيحة الافخارستية. لقد سمعناها للتو في إنجيل مرقس، ويتردد صداها بشكل مميز اليوم، في عيد جسد الرب. إنها تقودنا الى العلية، حيث نختبر من جديد الجو الروحي الذي ساد على تلك الليلة، عندما باحتفاله بعيد الفصح مع خاصته استبق الرب الذبيحة التي كانت ستتحقق يوم صلبه. إن تأسيس الافخارستيا يبدو لنا كاستباق وقبول يسوع لموته. في هذا الصدد يكتب القديس افرام السرياني: "خلال العشاء ضحى يسوع بنفسه؛ وعلى الصليب كان ضحية الآخرين (راجع نشيد الصلب 3: 1)

"هذا هو دمي". في هذه العبارة إشارة الى لغة التضحية في اسرائيل. يسوع يقدم ذاته كالذبيحة الحقيقية، التي من خلالها يكفر عن الخطايا، والتي لم تبلغ ملأها في العهد القديم. تلي هذه العبارة عبارتان بالغتا الأهمية. قبل كل شيء، يقول يسوع المسيح بأن دمه "يهرق من أجل كثيرين" وفي ذلك إشارة واضحة الى نشيد عبد الله، في كتاب اشعيا (راجع فصل 53).

ومن خلال عبارة "دم العهد"، يعلن يسوع بأنه، من خلال موته، تتحق نبوءة العهد الجديد، ليتعزز العهد بين الله وشعبه. إن العهد القديم عقد على جبل سيناء، خلال طقس قدمت فيه الحيوانات كذبيحة، كما سمعنا في القراءة الأولى، وعقب ذلك وعد الشعب المختار، المحرَّر من عبودية مصر، بأن يسير بحسب وصايا الرب (راجع خر 24، 3).

في الحقيقة، لقد أظهر اسرائيل منذ البداية من خلال بناء العجل الذهبي بأنه غير قادر على أن يكون أميناً للعهد الالهي، فقد خان اسرائيل العهد مراراً عديدة. ولكن الرب لم يخن العهد، ومن خلال الانبياء، عمل على استعادة البعد الداخلي للعهد، معلناً بأنه سيكتب عهداً جديداً في قلوب مؤمنيه (راجع ار 31: 33)، محولاً إياهم بهبة روحه (راجع حز 36: 25-27). كان العشاء الأخير مع التلاميذ، بداية هذا العهد الجديد، ليس من خلال ذبائح حيوانية كما في الماضي، بل بدمه، الذي أضحى "دم العهد الجديد".

القراءة الثانية، من الرسالة الى العبرانيين، تسلط الضوء على ذلك، حيث يشدد الكاتب على ان يسوع هو "وسيط العهد الجديد" (9: 15). لقد أصبح يسوع الوسيط بدمه، أو بالحري، من خلال إعطائه ذاته، والذي يعطي القيمة التامة لسفك دمه على الصليب، يسوع هو في الوقت عينه الذبيحة والكاهن. ذبيحة تليق بالله لأنها من دون وصمة، ورئيس الكهنة الذي يقدم ذاته، بدفع من الروح القدس، ويتوسط للبشرية جمعاء. الصليب هو سر محبة وخلاص، يطهر ضمائرنا من "أعمال الموت" كما تقول الرسالة الى العبرانيين ويقدسنا حافراً العهد الجديد في قلوبنا؛ الافخارستيا، من خلال تجسيد ذبيحة الصليب، تجعلنا قادرين على عيش الأمانة للشراكة مع الله.

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء أحييكم جميعاً بدءاً من الكاردينال النائب على أبرشية روما، والكرادلة والأساقفة وكالشعب المختار المجتمع في سيناء، نحن أيضاً نود أن نعرب عن أمانتنا للرب. منذ بضعة أيام، خلال افتتاحي للمؤتمر الأبرشي السنوي، شددت على أهمية الإصغاء ككنيسة لكلمة الله في الصلاة وفي التأمل بالكتب المقدسة، وبخاصة في ممارسة القراءة الإلهية، القراءة التأملية للكتاب المقدس.

أعلم بأنه قد تم تعزيز مبادرات عديدة على صعيد الرعايا، وفي الاكليريكيات، في الجماعات الدينية وداخل الأخويات والجمعيات والحركات الرسولية، الذين هم مصدر غنى لجماعتنا الأبرشية. الى أعضاء هذه الأجسام الكنسية أوجه تحية أخوية. إن مشاركتكم الكثيفة في هذا الاحتفال، أيها الأصدقاء الأعزاء، تظهر بأن الله جعل من جماعتنا التي تتميز بتعددية ثقافاتها وخبراتنا المختلفة "شعباً له"، كجسد المسيح الواحد، بفضل مشاركتنا الصادقة في وليمة الكلمة والافخارستيا المزدوجة. بتغذّينا من المسيح، نحن رسله، ننال رسالة ان نكون "نفَس" هذه المدينة (راجع نور الأمم 38)، خميرة التجدد، الخبز المكسور للجميع، وبخاصة للذين يمرون بحالات صعبة من الفقر والمعاناة الجسدية والروحية. نضحي شهوداً لمحبته.

أتوجه بنوع خاص إليكم، أيها الكهنة الأعزاء، الذين اختاركم المسيح لكيما معه تعيشون حياتكم ذبيحة تسبيح لخلاص العالم. فقط بالاتحاد بالمسيح يمكنكم أن تنالوا ذلك الخصب الروحي، الذي منه ينبعث الرجاء في خدمتكم الرعوية. القديس لاون الكبير يذكّرنا بأن "مشاركتنا في جسد ودم المسيح هدفها الوحيد هو أن نضحِي ما ننال" (عظة 12، في الآلام: 3، 7). وإذا كان ذلك صحيحاً لكل مسيحي، فكم بالحري لنا نحن الكهنة. أن نكون وأن نصبح افخارستيا! فلتكن هذه رغبتنا الدائمة، لكيما مع تقدمة جسد ودم الرب على المذبح، نقدم أيضاً ذبيحة وجودنا.

كل يوم، نستقي من جسد ودم الرب تلك المحبة الحرة والنقية التي تجعلنا خدام المسيح وشهوداً لفرحه. هذا ما ينتظره المؤمنون من الكاهن: مثال العبادة الحقيقية للافخارستيا؛ يودون أن يروه يمضي أوقات صمت وسجود طويلة في حضرة يسوع، كما كان يفعل القديس خوري آرس، الذي سنذكره بنوع مميز خلال السنة الكهنوتية التي شارفت على البدء.

كان القديس جان ماري فيانيه يحب أن يقول لأبناء رعيته: "تعالوا الى المناولة... صحيح أنكم لا تستحقونها، ولكنكم تحتاجونها" (برنار نودي، "خوري آرس، فكره، قلبه، دار نشر كزافييه مابو، باريس 1995، ص. 119). واعون بأننا غير مستحقين بسبب خطايانا، ولكن محتاجون لنتغذى من المحبة التي يمنحنا إياها الرب في السر الافخارستي، نجدد هذا المساء إيماننا بحضور المسيح الفعلي في الافخارستيا. هذا الإيمان ليس مفروغاً منه! هناك اليوم خطر العلمانية الزاحفة أيضاً داخل الكنيسة، والتي قد تترجم في طقس افخارستي رسمي وفارغ، في احتفالات تخلو من مشاركة القلب المعبر عنها في الخشوع والاحترام لليتورجيا. هناك تجربة قوية في تحويل الصلاة الى أوقات سطحية وسريعة، سامحين للأنشطة والاهتمامات الدنيوية بالطغي عليها.

عندما نردد صلاة الأبانا- الصلاة بامتياز - بعد قليل، سنقول: "اعطنا خبزنا اليومي"، ونفكر طبيعياً بالخبز اليومي لنا ولجميع البشر. ولكن هذا الطلب في الواقع، يحوي معنى أكثر عمقاً. العبارة اليونانية "إبيوسيوس" والتي نترجمها "اليومي"، يمكنها أن تعني أيضاً الخبز "غير-المادي"، خبز "العالم الآتي". بعض آباء الكنيسة لمسوا في ذلك إشارة للافخارستيا، خبز الحياة الأبدية، حياة العالم الجديد الذي أعطي لنا في القداس، لكيما ابتداء من الآن، يبدأ فينا العالم الآتي. مع الافخارستيا تأتي السماء على الأرض، غد الرب ينحدر في الحاضر وينغمر الوقت في الأبدية الإلهية.

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، في ختام القداس، سنقوم بالزياح التقليدي، وسنرفع مع الترانيم والصلاة، تضرعاتنا الى الرب الحاضر في القربان المقدس. سنقول له باسم المدينة كلها: أقم معنا يا يسوع، امنحنا ذاتك وأعطنا الخبز الذي يغذينا للحياة الأبدية! حرر هذا العالم من سم الشر، من العنف والبغض الذي يلوث الضمائر، ونقه بقوة محبتك الرحومة. وأنتِ يا مريم، أنت التي كنت "امرأة افخارستية" طيلة حياتك، ساعدينا لنسير متحدين نحو الهدف السماوي، متغذين من جسد ودم المسيح، خبز الحياة الأبدية، ودواء الحياة الإلهية الأزلية. آمين!

روما، الخميس 11 يونيو 2009 (zenit.org)