جماعة "روح وقـوّة "                             دير الملاك جبرائيـل

  

"فيض المحبة"

انتهى الزمن الفصحي بعيد العنصرة،

وأول عيد نحتفل به في زمن الكنيسة العادي هو عيد الثالوث الأقدس.

لأن حلول الروح القدس هو كمال الوحي،

ونهاية المطاف في رحلة كشف الله عن ذاته للإنسان.

الثالوث الأقدس هو سر الله في مطلق كيانه.

ظهر لنا على حقيقته الجوهرية والكاملة.

إنه سرّ الله الأعظم والأعمق الذي جاء به الوحي في إيماننا المسيحي

بعد أن كشف لنا الابن الوحيد الذي في حضن الآب عن حقيقة الله.

يقول تعليم الكنيسة الكاثوليكية: "إنه السرّ المركزي في الإيمان وفي الحياة المسيحية.

هو أصل جميع الأسرار، والنور الذي يُنيرها".

من هو الله؟

كان هذا ولا يزال السؤال الأكبر والأقدم والمستمر للإنسان.

وتحتمل الإجابة عليه طريقين.

الأول: هو بأن يسعى الإنسان ليجد الجواب بطرقه وقواه البشرية الخاصّة.

ويكمن الخطر هنا في وضع الله في متناول أيدينا وتحت سيطرتنا،

ففصّل البشر آلهة على مقاييسهم وطاقاتهم المحدودة.  

أما الطريق الثاني: فهو في أن ندع الله نفسه يعطينا الجواب على سؤالنا

لأننا لا نستطيع أن نصل إلى الله، غير أن الله يستطيع أن يصل إلينا.

ولا نستطيع أن نكتشف الله، غير أن الله يستطيع أن يظهر ذاته لنا.

وهذا ما يذكرنا به القديس بولس:

"ما من أحد يعرف أسرار الله غير روح الله" (1 كور 2/11).  

أخذ الجواب زمناً طويلاً، وصبر الله على محدوديّتنا كثيراً.

فكشف لنا عن ذاته الداخلية رويداً رويداً سالكاً طريق التنازل تجاوباً مع مقدرات الإنسان.

"في العهد القديم كشف الله عن ذاته أباً، وابتدأ الابن يظهر بشكل خفي.

وفي العهد الجديد ظهر الابن بشكل واضح، وأبتدأ يظهر لنا نور الروح القدس.

أما الآن (في الكنيسة)، فإلروح القدس يسكن في وسطنا ويُظهر ذاته بشكل واضح.

بهذا الشكل المتتابع، ومروراً من كشف ناقص إلى وضوح أكمل،

كان ضرورياً أن يسطع نور الثالوث الأقدس أمام عيوننا " (القديس غريغور النزيانزي).

كتب القديس أغسطينوس في كتاب الاعترافات:

"من النادر جداً أن تعي النفس التي تتكلم عن الثالوث، عن ماذا تتكلم".

لذلك، لن يكون تأملنا في عيد اليوم قراءة مقال عن الإيمان

أو تفسيراً لعقيدة ينظر إليها كثير من المؤمنين كعقيدة غامضة،

ويشعرون تجاهها بأنهم أمام سـرّ أو لُغز تتوقف أمامه كل طاقات العقول محتارة ومستسلمة.

لذلك أرغب هنا التعليق على الكلمتين: "سـرّ الثالوث"

اللتين يستعملهما علم اللاهوت لأنهما بحاجة إلى توضيح:  

سـّر: ونستعمل كلمة أخرى هي "عقيدة".

 فنقول مثلا عقيدة الثالوث أو سر الثالوث.

وكلمة سر لا تعني أمراً غامضاً وغير مفهوم،

بل تعني هنا أننا أمام حقيقة متصلة بالله سبحانه وتعالى،

بعض جوانبها معلوم لنا وبعضها خافٍ علينا، ومع ذلك نؤمن بها.

وإيماننا يستند على أمرين: أولاً على ما ندركه من هذه الحقيقة بعقلنا وفهمنا،

ثم ما لا ندركه أو لا نقوى على إدراكه، فإننا نقبل به،

وقبولنا يستند على مصداقية الله سبحانه وتعالى،

فهو الذي تكلم وكشف لنا سرّه.

وهو القدير على كل شيء والخالق:

فبعض ما أودع من سره في خلائقه ندركه، وبعضه يبقى دون فهمنا،

لأننا لسنا آلهة، بل بشر.  

الثالوث: إنّ كلمة "ثالوث" بالعربية غير موفقة تماماً.

وإن الكلمة اللاتينية "ترينيتاس" Trinitas هي أفضل تعبير عن تلك العقيدة،

لأنها مكوّنة من مقطعين: "ترينا" Trina أي ثلاثي، و"أونيتاس" Unitas أي وحدة،

فيصبح المعنى بكلمة واحدة هو "الوحدة الثلاثية".

لا أعرف لماذا اعتدنا عندما نتكلم عن الثالوث أن نسلك طريق: كيـف يكون الله ثالوثاً؟

أعتقد أن كل من يقترب من سر الثالوث الأقدس لكي يدرسه ويفهمه

ويحلله فلسفيا ولاهوتيا وكتابيا، سيبقى كمن يحرث في الماء.

فالكتاب المقدس يقول: "من عرف فكر الرب؟ ومن كان له مُشيراً؟" (أش 13:40).

ويقول صاحب المزامير:" علمك يا رب عجيب فوق طاقتي وهو يسمو فوق استطاعتي" (مز 138:6).

وقال القديس العلاّمة أغسطينوس في إحدى عظاته عن سر الثالوث الأقدس:

"لو كنتَ تفهمه لما كان الله".  

لذلك أقترح اليوم أن نحاول سلوك طريق: لمـاذا الله ثالوث!

لماذا كشف لنا الله عن سرّه وطبيعته التي تفوق جميع قدراتنا البشرية؟

من المستحيل أن نختزل أو تختصر سر الثالوث الأقدس في فكرة،

لذلك لا يبقى لنا سوى التعمّق به لاستخراج غناه اللانهائي.

نؤمن بالله الواحد - الثالوث لأنّ:

1 -  الله الثالوث وحـدة محـبّة:

إليكم أقصر حوار حول الثالوث الأقدس دار بين رجلين، الأول غير مسيحي والآخر مسيحي:

- قـال الأول: "الله بالنسبة لنا، هو واحد أحد!!  فكيف يكون له ابنـاً؟؟

-  أجاب المسيحي: "الله بالنسبة لنا، هو محبة! فكيف يكون وحيـداً؟؟؟

جاء في وحي الله بالكتاب: إن "الله محبة"!  ويُحب مَن؟

يحب الإنسان؟.. إن الإنسان مخلوق منذ ملايين السنين!!

أيحب الكون ؟.. ولكن الكون مخلوق منذ مليارات السنين فقط!!!

أيحبُّ الله ذاته؟.. ولكن محبته لذاته أنانية أو نرجسية!!

وهذه صفة سلبية لا تليق بالله الكامل.

إذاً كيف يكون الله محبة إن لم يكن ثالوثاً؟

فالمحبة هي فعل علاقة حياتية بين أشخاص.

وكان القديس أغسطينوس أعظم من رأى أساس عقيدة الثالوث عندما قال:

"إنه ثالوث محبة، فيه الآب هو المُحِب، والابن هو المحبوب والروح القدس هو المحبة".

وهكذا حياتنا الإنسانية.

فلا توجد حياة جديدة، إذا لم يكن هناك اثنان يُحبان بعضهما بعضا.

وعندما تفيض المحبّة بينهما تولد الحياة الجديدة التي هي ثمرة تلك المحبة الحقيقية السابقة.

نحن موجودون لأنّ الله الثالوث موجود.

إنّه أصل وسرّ كل حياة.. وكل الحياة.

2 -  الله الثالوث علاقة:

إذا كان الشعب في العهد القديم يجاهر بوحدانية الله،

فإن العهد الجديد يؤكد على تلك الوحدانية ولكنّها ليست وحدانيّة جامدة أو منعزلة.

فإله العهد الجديد هو واحد ولكنّه غير متوحّد.

لا يمكن لإله العهد الجديد أن يكون منعزلا هناك خلف حدود الكون،

أو جالساً على عرش يتلذذ بألوهيته،

لأنّ هذا يناقض سرّ كينونته الإلهية التي فاضت فصنعت الكون والإنسان.

يمكننا القول بأنّ "جوهر" الله هو علاقة وتبادل.

وإذا كان القول بأنّ "لا إنسان جزيرة" أي لا يمكنه أن يعيش وحيداً،

فكذلك الله تعالى، فهو لا يمكن أن يعيش في جزيرة "كونية" بعيداً ومنعزلاً.

المسيحيّة وحدها أدركَت أنّ عظمة الله لا تكمن في وحدته وبعده عن العالم والإنسان،

بل في اتحاده بالعالم والإنسان بواسطة يسوع المسيح ابن الله وبروحه القدس.

فالقول بالله الواحد الأحد، يجعل الله منعزلا عن الإنسان، والإنسان منعزلا عن الله.

أمّا القول بالإله الواحد الثالوث،

فيجعل الله في صلب تحديد الإنسان، والإنسان في صلب تحديد الله - العلاقة.  

فالعالم نفسه لا يفهم سبب وجوده إلاّ انطلاقاً من سّر الله الثالوث.

لماذا يخلق الله العالم والإنسان،

إذا لم يكن من أجل استمرار علاقة المحبة المتدفقة في ذاته منذ الأزل؟

أليس هذا ما قصده إبراهيم الطبراني، اللاهوتي العربي المسيحي من القرن العاشر،

عندما قال: " لسنا مشركين، ولكنّنا بنعمة الله مشتركون" .  

3 -  الله الثالوث صورة لحياتنا:

تكمن أهمية إيماننا بالثالوث الأقدس في أننا خُلقنا على صورة الله ومثاله.

وكلما ازددنا معرفة لله، ازددنا معرفة لأنفسنا.

وإن كان عيد الثالوث الأقدس اليوم يكشف لنا جوهر الله الذي نؤمن به،

فهو يسألنا عن أيّ نوع من المؤمنين يجب علينا أن نكون.

يقول علماء الأديان بأنّ الناس يحاولون دائماً أن يكونوا مثل الإله الذي يؤمنون به.

- فالذين يعبدون إلهاً جبارا ومحارباً يكونون دعاة حرب وإرهاب.

- والذين يعبدون إله اللذة، يركضون وراء الشهوات.

- والذين يعبدون إله الغضب، يمتلئون حقداً وكراهية.

- أما الذين يعبدون "الله المحبة"، فيكونون أبناء المحبة.

وكما قيل قديماً : " قل لي ماذا تقرأ أقول لك من أنت".

أقول اليوم: " قل لي أيَّ إلهٍ تعبد... أقول لك من أنت".

حاولنا اليوم أن نتعمق في فهمنا لسّر الثالوث الأقدس،

معتمدين على العقل مع "القليل من اللاهوت".

حان الآن دور القلب مع الكثير من "الإيمان والسجود والتسبيح والإكرام والتمجيد".

ولنُصلّ ما جاء في الصلاة الافتتاحية:

"تبارك الله الآب، وابن الله الوحيد، والروح القدس، أنه أتانا من مراحمه".

ثالوث كله محبة لنا

وهذه المحبة تلمسنا وتصلنا الآن بسر القربان.

khabour.com/ara/index.php?option=com_fireboard&Itemid=79&func=view&id=8458&catid=44