جماعة "روح وقـوّة "     دير الملاك جبرائيـل

  الإيمان فعلٌ دائما جديد

نيافة الكردينال يوسف راتسينغر / اليوم قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر

دعوني أبدأ بقصّة صغيرة تعود إلى الأزمنة التي تبعت المجمع الفاتيكاني الثاني. فبالنسبة إلى الكنيسة واللاهوت، كان المجمع قد فتح آفاقًا واسعة للحوار، وبخاصةٍ في دستوره عن الكنيسة في عالم اليوم، وكذلك في قراراته وبياناته حول المسكونيّة والرسالة والأديان غير المسيحيّة والحريّة الدينية. فقد اكتُشفت مواضيعُ جديدةٌ وأصبحت أساليبُ جديدةٌ ضروريّة. وبدا من البديهيّ - بالنسبة إلى كلّ عالم لاهوت كان يريد أن يكون على مستوى الأزمنة ويفهم مهمّته فهمًا صحيحًا - أن يتخلّى وقتها عن المواضيع القديمة وينصرف بكلّ قواه إلى المسائل الجديدة التي كانت تُطرح من كل حدب وصوب.

في ذلك الحين أرسلتُ عملاً صغيرًا إلى هانس أورس فان بالتَسار الذي شكرني كعادته فورًا في بطاقة صغيرة مضيفًا إلى شكره جملة غنيّة بالمعاني باتت محفورة في ذاكرتي: يجب ألاّ يُكون الإيمان أمراً مثبّتاً سلفاً بل مُقترَحا دائما من جديد . كانت تلك الجملة ضرورة آمرة أثّرت في نفسي كثيرًا. كان البحث العميق في ميادينَ جديدةٍ بحثًا جيدًّا وضروريًّا، لكن فقط بشرط أنْ ينبع من النور الأساسيّ للإيمان وأن يدعمه هذا النور. فالإيمان لا يدوم بفضل ذاته. ولا يمكن أبدًا أن نتصوّره كشيء قد تمّ. يجب أن يعاش دائمًا من جديد. وبما أنّه فعلٌ يشمل جميع أبعاد وجودنا فلا بدّ من التفكير فيه من جديد والشهادة له من جديد. ولذا، فإنّ مواضيع الإيمان الكبرى - الله، المسيح، الروح القدس، النعمة والخطيئة، الأسرار والكنيسة، الموت والحياة الأبديّة - ليست أبدًا مواضيع قديمة. إنّها دائمًا المواضيع التي تتعلّق بنا في أعماق كياننا. ويجب أن تبقى دائمًا وسائلَ البشارة، وبالتالي وسائلَ التفكير اللاهوتي أيضًا. كان أساقفة سينودس 1985، بمطالبتهم بكتاب تعليم مسيحيّ عام للكنيسة جمعاء، قد أدركوا بالحدس تمامًا ما كان بالْتَسار قد عبّر لي عنه مرّة. وكانت خبرتهم الرعويّة قد بيّنت لهم أنّ جميع النشاطات العديدة الجديدة للاعتناء بالنفوس تفقد دافعها المحرِّك إذا لم تكن صادرة عن رسالة الإيمان وتطبيقًا لها. يجب ألاّ يُكون الإيمان أمراً مثبّتاً سلفاً بل مُقترَحا دائما من جديد. وكتاب التعليم المسيحيّ موجود هنا لذلك. إنّه يريد أن يقترح الإيمانَ بملئه وبغناه، ولكن أيضًا بوحدته وبساطته.

بمَ تؤمن الكنيسة؟ هذا السؤال يتضمّن سؤالا آخرَ: مَن يؤمن؟ وكيف يمكننا أن نؤمن؟ لقد عالج كتاب التعليم المسيحيّ هذين السؤالين الأساسيّين، أي السؤال عمّا هو الإيمان، والسؤال عمّن يؤمن، وذلك في وحدة حميمة. بكلمة أخرى: إنّه يبيّن فعل الإيمان ومضمون الإيمان في عدم إمكانيّة الفصل بينهما. قد يبدو ذلك مُبهَمًا؛ فلنحاول أن نعالج قليلاً ما المقصود بهذه الكلمات.

إنّنا نجد في أفعال الإيمان سواء الصيغة أؤمن أم الصيغة الأخرى نؤمن. إنّنا نتكلّم عن إيمان الكنيسة ونتكلّم عن الطابع الشخصيّ للإيمان ونتكلّم أخيرًا عن الإيمان كعطيّة من الله، كـ فعل لاهوتانيّ، كما نقول اليوم - بكل طيبة خاطر - في اللاهوت. ما معنى هذا كلّه؟

إنّ الإيمان اتّجاه لوجودنا بكامله. إنّه قرار أساسيّ تترتّب عليه نتائجُ في جميع ميادين وجودنا ولا يحصل إلاّ عندما تسانده جميع قوى وجودنا. ليس الإيمان مجرّد عمليّة فكريّة ولا مجرّد عمليّة عَمديّة أو عاطفيّة: إنّه جميع هذه الأشياء معًا. إنّه فعل الأنا بكاملها، فعل الشخص بكامله في وحدته المركَّّزة. بهذا المعنى يصفه الكتاب المقدّس الإيمان بأنّه فعل القلب (إلى أهل رومية 10-9).

إنّ الإيمان فعل شخصيّ إلى الدرجة القصوى. وبالضبط لكونه كذلك، فإنّه يتجاوز الأنا، ويتجاوز حدود الفرد. ما من شيء نملكه أقلّ من أنفسنا، يقول القديس أغسطينوس. حيثما يدخل الإنسان الساحة يتخطّى ذاته؛ وفعل الأنا بكاملها هو أيضًا ودائمًا وفي نفس الوقت انفتـاح على الآخـرين وفعل كينونةٍ - مع. وأكثر من ذلك: لا يمكن لذلك الفعل أن يحصل دون أن نلامس صميمنا الأعمق والأكثر حميميّة، أي الله الحيّ الحاضر في عمق وجودنا والذي يمدّ هذا الوجود بالقوّة.

حيثما يدخل الإنسان بكامله في الحسبان، يدخل مع الأنا الأناس الآخرون والكائن الأوّل، المختلف كلّ الاختلاف عن سائر الكائنات، الله تعالى. لكنّ ذلك يعني أيضًا أنّ مجال العمل الذاتيّ المحض يتم تخطّيه في مثل هذا الفعل. إنّ الإنسان ككائن مخلوق ليس أبدًا في جوهره فعلاً فقط بل هو وَجْدٌ وعاطفةٌ أيضًا، وليس مُعطِيًا فقط، بل هو آخذٌ أيضًا. يعبّر كتاب التعليم المسيحي عن ذلك كما يلي: ما من أحد يمكنه أن يؤمن لوحده، كذلك ما من أحد يمكنه أن يعيش لوحده. ما من أحد أعطى ذاتَه الإيمانَ، كما أنّ ما من أحد أعطى ذاتَه الوجودَ (166). لقد ألمح بولس إلى هذا الطابع الجذريّ للإيمان في وصفه خبرة اهتدائه ومعموديّته:إنّني أحيا، لكنّني لست أنا الذي يحيا بعد اليوم... (إلى أهل غلاطية، 2، 20). إنّ الإيمان هو غروب الأنا المحضة وهو، لذلك بالذات، نهوض الأنا الحقيقية وصيرورة الذات بواسطة التحرّر من الأنا المحضة في الشركة مع الله التي واسطتها هي الشركة مع المسيح.

لقد حاولنا حتى الآن أن نحلّل بمرافقة كتاب التعليم المسيحيّ مَن الذي يؤمن، وبالتالي، أن نعرف بُنية فعل الإيمان. إنّ الإيمان المسيحي هو في جوهره لقاء بالله الحيّ. فالله هو المضمون الحقيقيّ والأخير لإيماننا. بهذا المعنى، مضمون الإيمان بسيط جدًّا: أنا أؤمن بالله. غير أن ما هو بسيط جدًّا هو أيضًا ودائمًا عميق جدًّا وواسع جدًّا. يمكننا أن نؤمن بالله لأنّ الله يلمسنا، لأنّه فينا، ولأنّه يصل إلينا من الخارج أيضًا. يمكننا أن نؤمن به لأنّ من أرسله لنا موجود: لأنّه قد رأى الآب (يوحنّا 6، 46)، يقول كتاب التعليم المسيحيّ، هو الوحيد الذي يعرفه والقادر على الكشف عنه (151). يمكننا القول: إنّ الإيمان هو مشاركة في رؤية يسوع. إنّه في الإيمان يُظهر لنا ما رآه.

يتضمّن هذا القول ألوهيّة يسوع المسيح وناسوته. لكونه ابنًا، فهو يرى الآب باستمرار. ولكونه إنسانًا، يمكننا أن نرى معه. ولكونه إلهًا وإنسانًا معًا، فهو ليس أبدًا شخصًا من الماضي وليس مستَبعَدًا أبدًا عن كل زمن في الأبد، بل هو ضمن الزمن: حيّ أبدًا وحاليٌّ أبدًا.

لكنّنا، بهذا، نطول في الوقت نفسه سرّ الثالوث أيضًا. فالربّ يتجلّى لنا بواسطة الروح القدس . لِنُصغِ من جديد إلى كتاب التعليم المسيحيّ: لا يمكننا الإيمان بيسوع المسيح ما لم نشارك في الروح القدس... إنّ الله وحده يعرف الله تمامًا. نحن نؤمن بالروح القدس لأنّه الله (152).

إذا ما نُظر بحقّ في فعل الإيمان يصبح كلّ مضمون من مضامينه بيّنًا بحدّ ذاته. يصبح الله ملموسًا في المسيح. هكذا، من جهة، يصبح سرّه الثالوثيّ سهل المعرفة، ومن جهة ثانية، يصبح من المنظور أنّه هو ذاته قد انخرط بالتاريخ حتّى أنّ ابنه أصبح إنسانًا وهكذا يرسل لنا روح الآب. إنّ سرّ الكنيسة أيضًا موجود في التجسّد لأنّ المسيح قد أتى ليجمع أبناء الله المشتَّتين (يوحنّا 11، 52). الـ نحن في الكنيسة هي الجماعة الجديدة الكبيرة التي يجتذبنا هو إلى داخلها (يوحنّا 12، 32). هكذا، الكنيسة موجودة في بداية فعل الإيمان ذاتها.ليست الكنيسة  مؤسَّسة تقترب من الإيمان من الخارج وتخلق إطارًا تنظيميًّا لنشاط المؤمنين العام. إنّها تشكّل جزءًا من فعل الإيمان عينه. إنّ أؤمن هي أيضًا ودائمًا نؤمن. بهذا الصدد يقول كتاب التعليم المسيحيّ: أؤمن: وهي الكنيسة أيضًا، أمّنا، تجيب الله بإيمانها وتعلّمنا أن نقول: أؤمن، نؤمن (167).

لقد قلنا منذ قليل إنّ تحليل فعل الإيمان يبيّن لنا أيضًا وفورًا المضمون الجوهريّ للإيمان: الإيمان يجيب اللهَ الثالوث، الآبَ والابنَ والروحَ القدس. والآن، يمكننا أن نضيف أنّ فعل الإيمان عينَه يتضمّن تجسّد الله في يسوع المسيح ويتضمّن سرَّه الإلهي - الإنسانيّ، وبالتالي، كلَّ تاريخ الخلاص؛ ويتبيّن لنا أيضًا أن شعب الله ذاتَه (الكنيسة)، بصفته الحامل البشريّ لتاريخ الخلاص، حاضر في فعل الإيمان. كذلك، قد لا يكون من الصعب تبيان مضامين الإيمان الأخرى كتطوّرات للفعل الأساسيّ، فعل اللقاء بالله الحيّ. لأنّ العلاقة مع الله لها صلة، في جوهرها، بالحياة الأبديّة وهي تتخطّى بالضرورة الميدان الأنثربولوجي المحض. الله هو الإله الحقّ، فقط إذا كان سيّدَ كلّ الأشياء وخالقَها. إذن، الخليقة، تاريخ الخلاص، الحياة الأبدية، هي مواضيع تنبع مباشرة من مسألة الله. إذا تكلّمنا عن تاريخ الله مع الإنسان، فإنّنا نطول، أبعد من هذا، مسألة الخطيئة والنعمة. نطول مسألة كيف نلتقي بالله، إذن، مسألةَ القدّاس الإلهيّ والأسرار والصلاة والأخلاق. لكنّني لا أريد الآن معالجة هذه المسألة بالتفصيل؛ فالمهمّ بالنسبة لي كان النظر في وحدة الإيمان الصميمة، التي ليست عددًا كبيرًا من المبادئ بل هي فعل بسيط يوجد في بساطته عمقُ الكائن الكاملُ وسعتُه. من يتكلّم عن الله يتكلّم عن كلّ شيء؛ ويتعلّم أن يفصل الجوهريّ عن الثانويّ وهو يعرف شيئًا - وإن بأجزاء وبطريقة اللغز - عن المنطق الداخليّ لكلّ ما هو حقّ وعن وحدته (الأولى إلى الكورنثيين 13، 12).

أخيرًا، أودّ أن أتطرّق فقط إلى المسألة الأخرى التي كنّا قد لقيناها في بداية تأمّلاتنا: مسألة كيفيّة الإيمان. هناك لدى بولس الرسول تعبيرٌ غريب بهذا الصدد يساعدنا. فهو يقول إنّ الإيمان طاعةٌ نابعة من القلب لشكل التعليم الذي سُلّمنا له (إلى أهل رومية 6، 7). نجد هنا التعبير النهائيّ عن الطابع السرّي لفعل الإيمان، وعن الصلة الحميمة بين الجهر بالإيمان والأسرار المقدّسة. فهنالك شكل من التعليم يشكّل جزءًا من الإيمان، يقول الرسول. لا نكوّنه نحن ولا ينبع منّا كفكرة بل يأتينا من الخارج ككلمة. هو - لِنَقُل هكذا - كلمة الكلمة، ونحن مسلَّمون في تلك الكلمة التي تهدي فكرنا إلى طرق جديدة والتي تعطي حياتَنا شكلاً.

إنّ هذاالتسليم في كلمة سابقة لنا يحصل من خلال رمز الموت في التغطيس في الماء. يشير هذا إلى القول المذكور أعلاه أنا أحيا، لكن لست أنا أحيا بعد اليوم؛ وهو يشير إلى أنه في فعل الإيمان يحصل غروبُ الأنا وتجدُّدها. إنّ رمز الموت في المعموديّة يربط تجدّدنا هذا بموت يسوع المسيح وقيامته. إنّ التسليم في التعليم هو تسليم في المسيح. فلا يمكننا أن نفهم كلمته كنظريّة، مثلاً، كما يحصل بتعلّمُ صيغ رياضيّة أو آراء فلسفيّة. يمكننا أن نتعلّمها فقط بقبولنا شركة المصير معه، ويمكننا أن نبلغ هذه الشركة فقط حيثما رَبَطَ ذاتَه بالبشر في الكنيسة ربطًا ثابتًا في شركة المصير. في لغة الكنيسة، إنّنا نسمّي فعل التسليم سرًّا. لا يمكن التفكير بفعل الإيمان دون سرّ، دون الأسرار المقدّسة.

لكن، وانطلاقًا من هذا، يمكننا أن نفهم البنية الأدبية الملموسة لكتاب التعليم المسيحي. الإيمان - هكذا سَمِعْنا - هو تسليمنا لتعليم. في مكان آخر، يسمّي بولس الرسول هذا التعليم اعترافًا (إلى أهل رومية 10، . ( 9هنا تبرز للنور ناحيةٌ أخرى من حدث الإيمان :الإيمان الذي يصل إلينا ككلمة يجب أن يصبح كلمة من جديد لدينا نحن بالذات - كلمة تعبّر فيها حياتُنا عن ذاتها. الإيمان يعني أيضًا الاعتراف. الإيمان ليس خاصًّا بل هو عامّ وجماعيّ. يتحوّل دائمًا من كلمة إلى فكرة، لكن يجب أن يتحوّل أيضًا ودائمًا من فكرة إلى كلمة وفعل.

يذكر كتاب التعليم المسيحي أشكالاً مختلفة من الجهر بالإيمان موجودة في الكنيسة: جهر المعموديّة، وجهر مجمعيّ، وجهر يصوغه البابوات (192). لكلّ من أشكال الجهر هذه أهمّيته. غير أنّ أوّل شكل من الجهر بالإيمان يرتكز إليه كل الباقي هو الجهر عند المعموديّة. هذا صحيح منذ الزمن الرسوليّ، ولذا، كان لا بدّ له من أن يكون أيضًا طريق كتاب التعليم المسيحي. إنّه يشرح الإيمان انطلاقًا من الجهر بالمعموديّة. هكذا يصبح من المنظور بأيّة طريقة هو يريد أن يعلّمه: تعليم الدين هو تحضير لمعموديّة الموعوظين. إنّه ليس مجرّد أمثولة دينيّة، بل هو فعل إدراج الذات وإتاحة هذا الإدراج في كلمة الإيمان وفي شركة الطريق مع يسوع المسيح. ويشكّل الاقتراب الحميم من الله أيضًا جزءًا من تعليم الدين. فوق ذلك، قال القديس إيرينيوس مّرةً إنّه يجب علينا أن نألف الله كما أَلِفَنا اللهُ، نحن البشر، في التجسّد. يجب علينا أن نألف طبيعة الله إلى حدٍّ نتعلّم معه كيف نواجه حضوره فينا. وبتعبير لاهوتيّ: يجب أن نكتشف فينا صورةَ الله الذي يجعلنا قادرين على شركة الحياة معه. يقارن التقليد هذا الأمر بعمل النحّات الذي ينحت الحجر قطعة بعد قطعة لكي تظهر الصورة التي تَصَوَّرَها في مخيّلته.

يجب أن يكون تعليم الدين دائمًا فعل تشبّه بالله لأنّه لا يمكننا، بالتأكيد، أن نعرف إلاّ ما له مطابقة فينا. قال غوتيه (Zahme Xenten (1920-1827), III) مسترجعًا جملة لأفلوطين: لو لم تكن العين نيّرة لما كان بإمكانها أن تعرف الشمس (التاسوعات، الجزء الأول، 6). إن الفعل الغنوصيولوجيّ هو فعل تشبّه، فعلٌ حياتيّ. إنّ نحنَ الإيمانِ وما الإيمانِ وكيفَ الإيمان هي كلّها كائنة معًا.

بهذه الطريقة يضحي البعد الأخلاقيّ لفعل الإيمان منظورًا أيضًا. فهذا البعد يتضمّن نمطا في أن نكون بشرًا، نمطًا لا نُنتجه انطلاقًا من ذاتنا، بل نتعلّمه تدريجيًّا من خلال الانغماس في كوننا معمَّدين. إنّ سرّ التوبة هو أحد هذه الانغماسات، الجديدة كل مرّة، في المعمودية والتي فيها يعمل الله فينا من جديد دائمًا ويجتذبنا إليه دائمًا. إنّ الأخلاق تشكّل جزءًا من المسيحيّة، غير أنّ هذه الأخلاق هي دائمًا جزءٌ من الفعل السرّي لصيرورتنا مسيحيّين، هذا الفعل الذي لسنا فيه فاعلين فقط، بل نحن فيه أيضًا ودائمًا، لا بل بالدرجة الأولى، متلقُّون، في تَلَقٍّ يعني التغيير والتحوّل.

إذن، لا يخطئ كتاب التعليم المسيحي عندما يعالج مضامين الإيمان انطلاقًا من الجهر العماديّ لكنيسة روما، أي انطلاقًا ممّا يسمّى بالقانون الرسوليّ، Symbolum Apostolicum.  ففيه تبرز بروزًا أفضل الطبيعةُ الحقيقيّة لتعليم الدين كتعلّم للوجود في الكينونة مع الله.

هكذا يبيّن لنا أيضًا أنّ كتاب التعليم المسيحي محدَّد بكلّيته من قِبَل مبدأ تراتبيّة الحقائق حسبما أدركها المجمع الفاتيكانيّ الثاني. لأنّ قانون الإيمان هو - قبل كل شيء - كما قلنا، جهر بالله الثالوث طوَّرتها صيغة المعموديّة وهو مرتبطٌ بها. إنّ جميع الحقائق الإيمانية هي تطوّرات للحقيقة الوحيدة التي نكتشفها فيها مثل الجوهرة الثمينة التي تستحقّ تكريس الحياة كلّها من أجلها. أعني الله. فالله وحده يمكنه أن يكون الجوهرة التي نعطي كل شيء من أجلها. حسبي الله. من وجد الله وجد كلّ شيء. لكن، يمكننا أن نجده لأنّه خَلَقَنا أوّلاً وأَوجَدَنا. إنّه أوّل من يفعل، ولذا، فإنّ الإيمان بالله غير قابل الانفصال عن سر التجسّد وسرّ الكنيسة وسرّ الأسرار المقدّسة. إنّ كل ما يقال في تعليم الدين هو تطوّرٌ لتلك الحقيقة الوحيدة التي هي الله ذاته - المحبّة التي تحرّك الشمس وسائر النجوم (دانتي، الفردوس 33، 145).