جماعة "روح وقـوّة "     دير الملاك جبرائيـل

  

الكرسي الرسولي بصداقته مع إسرائيل

يخدم العرب المسيحيين والمسلمين

لقاء مع البطريرك فؤاد طوال

روما، الخميس 23 أبريل 2009 (Zenit.org)- قبل شهر من موعد وصول البابا بندكتس السادس عشر إلى الأراضي المقدسة، قام غبطة البطريرك فؤاد طوال، بطريرك القدس للاتين بإعطاء رموز قراءة جديدة لرحلة الحج هذه إلى حراس الأراضي المقدسة الفرنسيسكان.

ننشر في ما يلي اللقاء الذي أجرته ماري أرميل بوليو مع غبطة البطريرك فؤاد طوال.

غبطة البطريرك، تصادف زيارة البابا بندكتس السادس عشر في ظل مرحلة صعبة جديدة تشهدها البلاد. حتى أن المسيحيين الفلسطينيين كانوا الأوائل في إبداء الشك وعدم التفهم حيال هذا الخيار. ماذا تقولون لهم؟

إن الجماعة المسيحية الفلسطينية أطلعتنا حقاً، من خلال تعبيرها، على ارتباكها وتساؤلاتها ومخاوفها. حتى أننا نحن الذين علمنا قبلها بمشروع زيارة الأب الأقدس، تساءلنا حول الفرصة التي تتيحها هذه الرحلة. وكانت لنا الزيارة التي يقوم بها الأب الأقدس إلى منطقة تمر بظروف صعبة في حقبة صعبة من أجل لقاء الشعوب الأكثر تأثراً مدعاة للتفكير. فجرى لقاء مع المنظمين ومع الأب الأقدس نفسه وهنا في القدس مع إخوتنا الأساقفة من جمعية الأساقفة الكاثوليك في الأراضي المقدسة، عبرنا خلاله عن المخاوف عينها التي تنتاب الجماعة المسيحية المحلية. ولكن عقب تبادل الأفكار مع التأكد من أن برنامج الرحلة يوفر توازناً جيداً بين الأوقات المخصصة لكل من الأردن وفلسطين وإسرائيل، أدركنا في النهاية أن هذه الرحلة ستكون خيراً وبركة للجميع.

إن المخاوف أو حتى حالات القلق التي ذكرتموها هي جزء مبرر، إلا أنني أود الإشارة إلى أن المسيحيين العرب المقيمين في الأراضي وفي القدس كانوا يشعرون بها وما يزالون يشعرون بها . وواقع المسيحيين المقيمين في إسرائيل وبالأحرى واقع المسيحيين في الأردن مختلف تماماً إذ أنهم يرون الزيارة من وجهة نظر مختلفة. ففي أبرشية تعيش وقائع متنوعة جداً، لا بد لنا من السعي من أجل التمتع برؤية أشمل لهذه الزيارة، والنظر إليها بكافة أبعادها السياسية والاجتماعية والإنسانية والدينية.

تبقى الحقيقة قائمة على ثلاث نقاط وهي أن الأب الأقدس يصل في مرحلة عصيبة بخاصة بعد الحرب على غزة إلى منطقة تعاني من ظروف صعبة ليزور أشخاصاً شديدي التاثر.

هل إن اليهود والمسيحيين والمسلمين هم جميعاً "شديدي التأثر"؟

 أجل، كل منهم لديه رأيه ووجهة نظره، والجميع يستعد حالياً للحصول على أفضل جزء من المغنم الذي تمثله هذه الزيارة...

في الحقيقة، ما الذي يدفع الأب الأقدس إلى المجيء في هذه الفترة العصيبة؟ هل اختار أسوأ فترة؟

قطعاً لا، فمنذ تنصيبه حبراً أعظم، أبدى البابا بندكتس السادس عشر رغبة في المجيء في رحلة حج. لقد دعته جمعية أساقفتنا وأنا بدوري دعوته، كذلك تلقى دعوة من مختلف السلطات المدنية الأردنية والإسرائيلية والفلسطينية. ومن جهة أخرى فإن التحضير للرحلة بدأ منذ أشهر وفي غضون ذلك الوقت وقعت الحرب على غزة وزادت حدة الصراع. فماذا يفعل؟ أينتظر فترة أفضل؟ فهذه المنطقة لم تعرف السلام يوماً! أينتظر حل المسألة الفلسطينية؟ أخشى أن تتوالى حبريتان أو ثلاث قبل تسوية القضية بصورة نهائية.

نحن هنا بصدد النظر إلى كوب نصف ملآن أو نصف فارغ... البعض يقول أن "الوضع صعب لذا من المستحسن ألا يأتي" والبعض الآخر يقول العكس معتبراً أن "الوضع صعب لذا لا بد من مجيئه"، وهذا هو موقفنا. ففي هذه الأوقات العصيبة أرغب في أن يأتي الأب الأقدس ليساعدنا على "التفوق" والنظر إلى ما هو أبعد من ذلك.

فالبابا يأتي في زيارة إلى جميع الكنائس وجميع الشعوب المقيمة في الأراضي المقدسة لتشجيعنا على البقاء أمناء لرسالتنا وإيماننا وشعورنا بالانتماء إلى هذه الأراضي. كذلك يجب ألا ننسى بأنه يأتي في زيارة حج. تخيلوا التبعات السلبية التي قد تتأتى على قطاع زيارات الحج الحيوي والأساسي للجميع لو أن البابا نفسه كان يشعر بالخوف من المجيء كزائر! ماذا نقول للعديد من السياح والزوار الذين يلغون زياراتهم؟ وكيف نشجعهم هم أيضاً على المجيء لزيارتنا؟

أخيراً أذكركم بأن الأب الأقدس يبلغ من العمر " 82 " عاماً وأنه أبدى رغبة في زيارة الأراضي المقدسة. وهذه الزيارة المزدوجة مع رحلة رسولية تكون متعبة دوماً. واليوم يملك الأب الأقدس القدرة على القيام بها.

ولكن السياح والزوار لا يتوجب عليهم إلقاء كلمة أمام السلطات المدنية...

هذا صحيح ولكن مسيحيي العالم أجمع الذين سيتابعون رحلة الحج التي سيقوم بها الحبر الأعظم لا يقومون جميعاً بهذا التحليل السياسي. معظمهم سيقول في نفسه: "إن كان البابا لا يخاف، فلم نخاف نحن؟". إلى البابا الزائر يقول المسيحيون المحليون: "أهلاً وسهلاً!" إلا أن قلقهم يكمن حيال هذا السؤال التالي: "ماذا سيقول؟" أو بالأحرى "ما الذي سيُدفع إلى قوله"؟

غبطة البطريرك، تحديداً تترجم الصحافة الإسرائيلية والدولية هذه الزيارة بخط عريض كزيارة لتهدئة العلاقات بين الكنيسة واليهودية، بخاصة بعد المسألة التي أثارها ويليامسون. وما يقلق الفلسطينيين هو الكسب الذي قد تحصده إسرائيل من هذه المسألة كدولة...

إنني أتفهم ذلك وأعلم أن كل طرف سيسعى إلى تحقيق أفضل كسب من هذه الزيارة سواء في الأردن أو في إسرائيل أو في فلسطين وحتى في وسط الكنيسة المحلية. هذا سبب إضافي يحث الجميع على التصرف بذكاء وعلى الاستعداد.

إسرائيل ستبذل قصارى جهدها من أجل تقديم بلادها في ظل أفضل الأجواء. وأنا أتفهم ذلك لأن هذا حقها.

إن انتقاد أو استنكار ما يفعله الآخرون لا يقعان ضمن مسؤوليتنا. إنما يجب علينا أن نعمل على أن تأخذ الزيارة أفضل طابع رعوي ممكن، وأن يتمكن المسيحيون من رؤية الأب الأقدس، فنصلي معه ونصغي إلى رسالة السلام والعدالة للجميع. فإن قرأنا كل الرسائل التي نشرها الكرسي الرسولي حول موضوع الأراضي المقدسة والعراق والشرق الأوسط، لوجدنا أنفسنا أمام ثروة كبيرة من الكلمات والدعم والمداخلات المفعمة بالإنسانية والروح المسيحية والعدالة. ولا أحد يشك في أن الأب الأقدس سيكمل في هذا الاتجاه خلال زيارته إلى الأراضي المقدسة.

ونحن ككنيسة محلية تقع علينا مسؤولية الحرص على توازن البرنامج: المواقع التي سيزورها، والأشخاص الذين سيلتقي بهم، والكلمات التي سيوجهها. من هنا يجب علينا أن نساعد الأب الأقدس. إننا نطلعه باستمرار على أوضاعنا وجوانبها الإيجابية والسلبية. وهو يدرك مخاوفنا وقلقنا كذلك يعرف آمالنا وفرحنا باستقباله بالتعاون الوثيق مع كافة السلطات المدنية.

قال النائب الرسولي أن هذه الزيارة لن تكون سياسية، إلا أنها قد تُقرأ قراءة سياسية...

في هذه البلاد، يعتبر غياب البعد السياسي غير وارد أبداً. والنائب الرسولي يفعل عين الصواب بالتشديد على أن الزيارة هي زيارة حج أولاً. ولكن دعونا لا نخفي بأن الزيارة تحمل بالتأكيد طابعاً سياسياً. فكل يوم وكل حركة وكل لقاء وكل زيارة وكل أمر سيكون له مدلوله السياسي. هنا نتنفس السياسة في الهواء الذي نتنشقه. وما يؤدي إلى تفاقم السياسة فهو أن الجميع يعمل في السياسة بحيث أن هذه المسألة لا تعهد إلى رجال السياسة والبرلمان فيتدخل كل شخص على طريقته مما لا يؤدي إلى تسوية الأمور. لذا لا يعقل إلا أن يكون لزيارة الحج هذه بعد سياسي.

إذاً هل يمكن توقع حصول تطورات سياسية؟ و/ أو تطورات في العلاقات بين الكرسي الرسولي ودولة إسرائيل؟

لطالما قام الكرسي الرسولي بالخطوة الأولى ولطالما بادر إلى الحوار والتلاقي.  وهنا، في هذه الفترة وعلى الرغم من التساؤلات والمخاوف، يتحلى الأب الأقدس بالشجاعة للقيام بالخطوة الأولى على أمل أن تتحسن العلاقات بين الكرسي الرسولي ودولة إسرائيل، وعلى أمل أن تتحرك إسرائيل في هذه المناسبة السعيدة للقيام على الأقل ببادرة مجاملة لدفع عملية السلام قدماً.

أما في موضوع التفاهم الشهير الذي يبحث فيه دوماً المفروض منه تسوية العلاقات بين الكرسي الرسولي وإسرائيل، فسيحصل فيه تطورات على حسب قول أهل الخبرة.

جميع البيانات الصادرة خلال السنوات الخمس الأخيرة تشير إلى حصول تطورات، إلا أنه ما من نتائج نهائية...

هذا صحيح ولكن الأمور تتحسن في هذا المجال كما في مجال السلام حتى ولو لم يتم الإعلان عن هذه التحسنات. فإن تم الإعلان عنها، لجأ البعض إلى "إفساد التحضيرات" الدبلوماسية وتعقيد حياتنا. إنني أعتبر أن الكلمة الرئيسية في هذه الفترة الغنية باللقاءات والحوار هي الثقة. ولكن لا بد من طرح مبادرات جريئة قادرة على إعطاء الثقة بها.

وما هو مؤكد هنا هو انعدام الثقة المتبادلة.

على غرار يوحنا بولس الثاني الذي كان يدعو اليهود "إخوتنا الكبار في الإيمان"، سيشير البابا بندكتس السادس عشر بالتأكيد إلى ارتباط المسيحيين الطبيعي باليهودية. ولكن نظراً إلى أن كل الأمور مسيسة هنا، فقد يعمد البعض إلى ترجمة هذه الإشارة كدعم لإسرائيل كدولة. ألن يؤدي هذا الأمر إلى جعل المسيحيين العرب عرضة للخطر هنا وفي كل الشرق الأوسط؟

من الصعب إيجاد التوازن الصحيح والحفاظ عليه. فكلما تقدمت صداقة الفاتيكان مع إسرائيل، كلما كان عليه الاستفادة من هذه الصداقة من أجل المزيد من السلام والعدالة. وإن استمرت التشنجات بين الكنيسة الكاثوليكية الجامعة وإسرائيل، فسنخسر جميعاً أكنا مسيحيين أم عرباً. وبالمقابل إن وثقت إسرائيل بالكرسي الرسولي، فسيتمكن هذا الأخير انطلاقاً من صداقته من التحدث عن الحق والعدالة والسلام. لأن لغة الصداقة تساعدنا على تبادل أقوال نرفض سماعها من عدو لنا.

فالصداقة والتحدث بهذه الطريقة يفيدان الجميع أي الصديق وإسرائيل والآخرين. أرجو فقط أن تكون صداقة الكرسي الرسولي مع إسرائيل صداقة متبادلة.

ألفت انتباهكم إلى أن للكرسي الرسولي علاقات دبلوماسية مع كافة البلدان العربية تقريباً وإلى أن هذه العلاقات جيدة. ومن خلال قراءة كلمات السفراء العرب لدى الكرسي الرسولي تفهمون أنهم بحاجة إلى الكنيسة، ليس فقط إلى الكرسي الرسولي، بل إلى الكنيسة في كل أنحاء العالم. لذا لا بد من التمتع بهذه الرؤية الشاملة بغية فهم وضع الكرسي الرسولي، هذه الدولة الصغيرة التي تحظى بدعم كل العالم الكاثوليكي. ويجب عدم النظر إلى الأمور من وجهة نظر واحدة تغير الرؤية كلها.

كلما توطدت صداقة الكرسي الرسولي مع إسرائيل، كلما تمكن من التدخل لخير جميع سكان الأراضي المقدسة من يهود ومسلمين ومسيحيين. وهذه هي أمنيتنا الكبيرة.

روما، الجمعة 24 أبريل 2009 (Zenit.org)-