جماعة "روح وقـوّة "     دير الملاك جبرائيـل

  

مخيّم عايدة يتحضّر لاستقبال قداسة الحبر الأعظم

روما، الجمعة 24 أبريل 2009 (zenit.org). ننشر في ما يلي، نقلاً عن موقع بطريركية اللاتين، مقالاً عن مخيم عايدة الذي يستعد لزيارة البابا بندكتس السادس عشر في مايو المقبل

عن المخيّم

يشد الزائر الرحال، فيحط في مخيم عايدة الواقع شمال مدينة بيت لحم، لتحتضنه هالة من الدفء الأرعن تلفّ المكان. في أزقة المخيم، تفوح رائحة الزعتر والخبر الطازج، تدخلك حالة شعورية عميقة. بيوت المخيم المكسوّة بالطين والمتلاصقة مع بعضها البعض، كقطع الدومينو الصغيرة، تشعرك بالألفة. يتخلّل الحارات أطفال المخيم يلعبون في زقاقها، يجتاحهم حلم كبير، يستمدونه من مفتاح العودة المقام على مشارف المخيم، والذي يعدّ رمزاً حيّاً يجسّد حلم العودة المرتقب، اذ يزن طنين، ويبلغ ارتفاعه عشرة أمتار.

يبلغ عدد سكان مخيم عايدة نحو 5000 نفر، تتخللهم 14 عائلة مسيحية، يرمزون الى التعايش المسيحي الاسلامي والأخوي المميّز داخل المخيم. تتمشى في مدخل المخيم، يذهلك هول ما تشاهد من ثقافة عالية لأبنائه، تثيرك رسومات لقرى فلسطينية مهجّرة ولوحات تعبيرية وشعارات تعبّر عن الحقّ الفلسطيني الثابت في العودة، تغدو أمامك جميعها كشريط تمثيلي يمتدّ على جدران المخيم، تذوب في المكان لتصل وسط المخيم. حينها تشعر بالانتماء، اذ يجسّد مخيم عايدة 59 مخيّماً آخر في فلسطين والشتات. تدخل بعدها شارع "البندك"، يعقبه شارع "الشهيد موفّق بداونة"، ومن ثم شارع "الجداول".

تتوقف أمام مدرسة الوكالة التي تعدّ ساحتها الداخلية الصغيرة المنفس الوحيد لأطفال المخيمّ، لتغريك صيحات الأطفال داخلها، يملؤنها بصخبهم الدوي، تفرح على وقع هتافاتهم عند تشكيلهم فريق ضد آخر!

ورغم برد الذكريات وتهجير النازحين القسري من بلداتهم وترحالهم القاسي، لم يلبس سكان المخيّم بزة جفاء حديدية بعزلتهم، بل يكدحون بجدّ مستمدّين طاقة النهار من عزمهم وارادتهم القوية للحياة، فتراهم يلتحفون الشمس ويتكلون على الله ليفرّج عنهم كربة السنين بعيدين عن بلداتهم الأصلية.

اللجنة التحضيرية للزيارة

سرعان ما بدأت الاستعدادات لاستقبال الحبر الاعظم قداسة البابا بندكتس السادس عشر منذ اللحظة الاولى للاعلان الرسمي عن تحديد موعد لزيارة قداسته مخيّم عايدة للاجئين الفلسطينيين.

وقد عرّف القاصد الرسولي الفاتيكاني المونسنيور أنتونيو فرانكو زيارة الحبر الأعظم الى المنطقة غداة الاعلان عنها، بأنها "زيارة حج وليس خطوة سياسية"، على الرغم من "إمكانية دفعها لعجلة السلام والوفاق والتلاحم بغية ضمان الخير لهذه الأرض".

تتواصل الاجتماعات المنعقدة للتحضير للزيارة، لتعكس مدى الاهتمام الشعبي الفلسطيني الذي حصدته أصداء زيارة الحبر الأعظم للمخيم، والتي تتلاقى مع الاهتمام الرسمي الفلسطيني والكنسي أيضاً، اذ همّ أهالي مخيم عايدة، بمؤسساته وشخصياته وعدد من القيادات والكوادر فيه بالاستعداد والتحضير لزيارة البابا بندكتس السادس عشر المزمعة للمخيم في 13 من شهر أيار المقبل، حيث سيخصص قداسته ساعة كاملة لزيارة المخيم. ومن المتوقع أن تعمل الزيارة المذكورة على التأكيد أن الظلم الذي يتعرض له الفلسطينيون بعد تهجيرهم من ديارهم الاصلية لا بد ان ينتهي.

وبدوره رحّب فخامة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، بزيارة قداسة بابا الفاتيكان بندكتس السادس عشر إلى الأراضي الفلسطينية، حيث قال: "إن السلطة والشعب الفلسطيني يرحبان بزيارة قداسة الحبر الأعظم الهامّة إلى الأراضي المقدسة، آملين أن تكون هذه الزيارة مفتاح للخير والمحبة وإرساء السلام في أرض السلام".

وشكل الرئيس لجنة رفيعة المستوى لترتيب تحضيرات زيارة الحبر الأعظم، برئاسة وزير الحكم المحلي في حكومة تصريف الأعمال زياد البندك، كذلك الاب مجدي السرياني، المكلف من الفاتيكان والكنيسة المحلية، وممثلي المؤسسات والفعاليات الشعبية والرسمية في مخيم عايدة، أبرزهم السيد عيسى قراقع، عضو المجلس التشريعي وممثلي مؤسسات اللجنة الشعبية للخدمات ومركز الشباب الاجتماعي ومركز لاجئ وممثلي حركة فتح ومركز الرواد.

يعتبر الاب مجدي السرياني، حلقة الوصل والرأس المنسّق بين البطريركية اللاتينية والسلطة الفلسطينية. وقد ذكر السرياني أن قداسة البابا يمثل أكثر من مليار مسيحي، ومجرد دخوله الى المخيم يعمل على تسيلط الضوء على معاناة سكانه، آملاً أن يساهم ذلك في نقل معاناة اللاجئين والتخفيف منها، وذلك عبر تحقيق العدالة في فلسطين، موضحاً ان وسائل الاعلام في مختلف انحاء العالم سترافق قداسة البابا خلال زيارته وهو الشيء اللافت الذي سيساهم في نقل واقع وحياة اللاجئين الفلسطينيين.

وعن ماهية الزيارة والمعنى الذي ستجلبه في طيّاتها، قال الأب مجدي سرياني أن زيارة قداسة البابا لفلسطين واسرائيل حساسة ومهمة، واصفاً اياها بالتاريخية. كما أسهب بالحديث عن الزيارة الخاصة بمخيم عايدة للاجئين الفلسطينيين ذاكراً الهدف منها، وهو مشاهدة واقع الشعب الفلسطيني الحقيقية وفقاً للرواية الفلسطينية، معتبراً اياها ذات رمز كبيرعلى دعم الفاتيكان ومساندته للقضية الفلسطينية بكافة أشكالها وأبعادها، كما انه تجديد لتضامن واعتراف دولة الفاتيكان- بصفتها رأس الكنيسة الكاثوليكية الأم - بكامل حقوق الشعب الفلسطيني، والمتمثّلة في المخيم بعودة اللاجئين وما يخصّ قرار 194 في الأمم المتحدّة.

وأشار حضرة الأب سرياني أن قداسة البابا سيمرّ وسط المخيّم بمحاذاة الجدار، موضحاً أن قداسته يعرف تماماً جلّ المعاناة الفلسطينية ويدرك أبعادها جيّداً، خاصة أن قداسته المانيّ الأصل، وقد جاء من بلد تأصّل في أحشائها جدار فصل عنصري (جدار برلين)، التهم الأرض وقسّم سكانها كل على حدى أكثر من 30 عاماً. وبزيارته للمخيّم، سيعطي قداسته بصيص أمل الى السكان اللاجئين بأنه لا بدّ لليل الظلام أن ينتهي، وأنه لا بدّ من هدم الجدار وإزالته يوماً ما عندما يستتب السلام في الأراضي المقدسة، بفعل الحوار الفعّال والتفاوض الذي يضمن الحقوق الفلسطينية.

وفي هذا الصدد، قالت وزيرة السياحة خلود دعيبس، ان هذه الزيارة ليست الأولى من نوعها على صعيد العلاقات مع دولة الفاتيكان المُحِبّة، مشيدة بزيارات البابوات قبلاً الى الأراضي المقدسة، وخاصة بالذكر زيارة قداسة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني الى مخيّم الدهيشة. وأكملت حضرتها أن الزيارة تحمل أهمية دينية ورسالة سياسية مهمة للمنطقة، اذ تجلب الأمل للاجئين الساكنين في المخيّم، وتعدهم بمستقبل أفضل. كما أن لهذه الزيارة بأن تشحن القضية الفلسطينية بصحّة حقوقها، مؤكدة على الاستقلال وباعثة قيم العدل والمساواة والحرية والمحبة في النفوس.

وقد أكدت الوزيرة دعيبس على دعم الفاتيكان ونصرته لحق اللاجئين الفلسطيننين في العودة، ساردة ما يعيشه الفلسطيني من معاناة مستمرّة تحت ضغوط شديدة الوطأة في ظل اجراءات وضغوط نفسية عميقة في مجال الحقوق المدنية وحقوق الانسان وما يمارسه الاسرائيليون ضده في اطار الحواجز الاسرائيلية وجدار الفصل العنصري، التي تصبّ كلها في منظومة مستهدفة وتكتيكية تهدف الى المس بالبناء الاجتماعي وتفكيك الشعب الفلسطيني.

في حين اعتبر النائب عيسى قراقع زيارة البابا للمخيم حدث سياسي كبير، له معان ورسائل إنسانية وسياسية أيضاً، منها: الاعتراف بمعاناة الفلسطينيين، وانسانية المواطن الفلسطيني وحقه في عيش ظروف طبيعية، وحق عودة اللاجئين الفلسطينيين خاصة أن الزيارة تتزامن مع الذكرى الواحد والستين للنكبة، وتجسيد قوي للوحدة المسيحية الاسلامية، مؤكداً أننا شعب واحد.

وأضاف قراقع أن أهمية هذه الزيارة تكمن في اطلاع قداسة البابا على الرواية الفلسطينية من القضية، علماً ان وسائل الاعلام الاسرائيلية والدولية تتواطؤ لنقل الرواية الاسرائيلية من الأحداث، والتي لا تأبه لمعاناة الفلسطينيين.

وقال قراقع:" ان زيارة البابا للمخيم يعني زيارة الشعب الفلسطيني بأسره، حيث سيرى كيفية عيش الشعب الفلسطيني في المخيمات، وسيشاهد جدار الضم والتوسع المحيط بالمخيم من كافة الجهات، والأبراج والثكنات العسكرية المطلة عليه، وستعكس زيارته الآم ومعاناة هذا الشعب الذي يسعى للحرية والاستقلال والتخلص من الظلم والاحتلال، كما ستعكس الزيارة الاصرار الفلسطيني على الارادة القوية النابعة من الحضارة العربية الاسلامية والمسيحية التي تعايشت جنباً الى جنب بكل حب ومودة ومؤاخاة، وتصدت لكل أشكال الظلم الذي وقع على هذه الارض المقدسة على مر السنوات".

تحضيرات البرنامج

كشف قراقع عن برنامج الزيارة الى المخيّم، ذاكراً أنه تم التصديق على مقترحات الفعاليات والأنشطة التي سينظمها المخيم من قبل الجهات المعنية، بعد أن سلّمها كلّ من قراقع، والوزير البندك، والأب مجدي السرياني الى الجهات المختصة.

سيستقبل أطفال المخيم قداسة البابا على جانبيّ الطريق، مرددين بعض العبارات الترحيبية، وبعض الهتافات الانسانية والوطنية، تصاحب الموكب لوحات جدارية ويافطات ترحيبية، وستكون أعلام فلسطين والفاتيكان خير دليل على ترحيب أهالي المخيّم بقداسته.

وستبدأ الاحتفالات الى جانب الجدار في منصة يعمل أهالي المخيّم على تهيأتها للحدث، كما ستتجمع أوساط الصحافة لنقل الأجواء عن كثب. وسيتخلل البرنامج المُعدّ نحو ساعة من الزمن، معرضاً يحتوي على صور النكبة، ومراحل اللجوء الفلسطينية. وبعدها يبدأ الاحتفال بكلمة من الرئيس محمود عبّاس، تليه كلمة لقداسة الحبر الأعظم، يتبعها كلمة لأهالي المخيّم، يعقبها فقرتين فنيّتين.

وأوضح أهالي المخيم انهم يودّون تقديم هديّتين لقداسته، تتمثل الأولى: بقلادة على شكل مفتاح، في محاولة للربط بين مفتاح الكرسي الرسولي ومفتاح العودة رمزاً لحق عودة اللاجئين. وتتمثل الأخرى في حجر من طبريا، نحتت عليه خارطة فلسطين. وأكد الأهالي أن المخيم يعتبر رمزاً للتعايش المسيحي الاسلامي الأخوي المميز، مشيرين الى العلاقات المميّزة التي تربطهم بجيرانهم واخوانهم المسيحيين.

تصريحات الفاتيكان حول اللاجئين والقضية الفلسطينية

وتجدر الاشارة الى حديث لقداسة البابا بندكتوس السادس عشر في خطابه الى الدبلوماسيين المنتدبين الى الكرسي الرسولي عن اللاجئين، حيث قال: "لا نستطيع أن نسكت أمام "الصور المعلّقة للمخيّمات الكبيرة لأناس مهجّرين أو لاجئين- في مناطق عديدة من العالم، مجمعّين في ظروف مرتجلة متجنّبين هكذا ظروفاً أقسى، بينما هم بحاجة الى كلّ شيء. هذه الكائنات البشرية أليسوا إخوتنا وأخواتنا؟ ألم يأتِ أولادهم الى الحياة منتظرين، كسواهم، وسعادة مشروعة؟"

وفي هذا الشأن أيضاً، أدلى المطران كاليستينو مليوري، المراقب الدائم للكرسي الرسولي لدى الأمم المتحدة، بتصريحات حول موضوع اللاجئين الفلسطينيين في عام 2007، معرباً عن أمله في ايجاد حلّ لكثير من مشاكل المنطقة عن عن طريق التفاوض والحوار، مؤكداً على أن الحل الدائم يجب أن يشمل وضع مدينة القدس المقدسة بصورة دائمة، شاجباً جميع التحديات التي تواجه حرية الحركة المتجسّدة بالجدار الفصل العنصري، ومشدداً على مطلب حرية التنقل من دون عوائق إلى الأماكن المقدسة لجميع المؤمنين من جميع الأديان والجنسيات.

زيارة البابا يوحنا بولس الثاني لمخيم الدهيشة

وللاضاءة على زيارة البابا السابق، يوحنا بولس الثاني -رحمه الله- الى مخيم الدهيشة في عام 2000، أشار قداسته في كلمة كان قد ألقاها في المخيّم عن معاناة الشعب الفلسطيني، قائلاً: " لا يمكن لأحد أن يتجاهل ما عاناه الفلسطينيين في العقود الأخيرة على مرأى من العالم أجمع والذي استمرّ لفترة طويلة جداً".

بالاضافة الى ذلك، تحدث قداسته باهتمام في الكلمة ذاتها عن دور الفاتيكان واسهاماته في دعم القضية الفلسطينية، قائلاً: "لطالما أدرك الكرسي الرسولي بأن الشعب الفلسطيني له الحق الطبيعي في أن يكون له وطن، والحق في العيش في سلام وطمأنينة مع الشعوب الأخرى في المنطقة". وشدد قداسته على ما يبذله الكرسي الرّسولي في مواصلة التشجيع للحوار والمضي قدماً في ارساء سبله، اذ قال: "علينا جميعا أن نواصل العمل والصلاة من اجل نجاح كل جهد حقيقي لإحلال السلام في هذه الأرض. سوف تتحقق التطلعات الفلسطينية المشروعة من خلال سلام عادل ودائم، غير مفروض ولكنه سلام نابع عن حوار حقيقي".

كما دعا قداسته الى تجسيد مجموعة كاملة من القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة المتراكمة التي تدعو الى تقرير المصير الوطني الفلسطيني، وحق العودة للاجئين الفلسطينيين، وانسحاب اسرائيل من الأراضي التي احتلّوها في حزيران 1967 (المتمثلة في االمستوطنات العسكرية وغير الشرعية) من غزة ، والقدس الشرقية ، والضفة الغربية.

ولطالما حث قداسته على الصلاة للفلسطينيين -مسلمين ومسيحيين- الذين لا يزالون بلا مأوى، ومن غير مكانة مناسبة لهم في المجتمع، وعدم تمكنهم من العمل العادي في الحياة. كما أسهب قائلاً: " ويحدوني الأمل في أن الزيارة التي قمت بها اليوم لمخيم الدهيشة للاجئين ستعمل على تذكير المجتمع الدولي بأن هناك حاجة إلى اتخاذ إجراءات حاسمة لتحسين وضع الشعب الفلسطيني".