جماعة "روح وقـوّة "                             دير الملاك جبرائيـل

  

المسيحيون العرب في إسرائيل والبحث عن هوية

آخبار الحراسة  giovedě 16 aprile 2009  

كيف يمكن للمرء العيش مع هوية رباعية كعربي وفلسطيني ومسيحي وإسرائيلي؟

هذا هو التحدي الذي يواجهه كل يوم المسيحيون العرب في إسرائيل والذين عددهم 120000 نسمة.

في ما يلي يعطينا الأب رفيق خوري من بطريركية اللاتين في القدس سلسلة من الإجابات عن هذا السؤال.

يعيش ضمن حدود عام 1948 لدولة إسرائيل (أي باستثناء القدس الشرقية) نحو 120 ألف مسيحي من شتى الكنائس، معظمهم من سكان الجليل، حيث الأكثرية هم من الروم الكاثوليك مع وجود ملحوظ للكنائس الأخرى (بشكل خاص اللاتين والموارنة والروم الأورثوذكس). إن هؤلاء المسيحيين ليسوا عبارة عن جالية أجنبية تم زرعها في البلد لا نعرف كيف أو من أين، بل هم متجذرون في البلد منذ بداية المسيحية ويشكلون جزءا من هوية الأرض كما تشكل الأرض جزءا من هويتهم. إنهم مسيحيون عرب وفلسطينيون مقيمون في دولة إسرائيل. ولكن الأمور ليست بهذه البساطة.

عندما تم تأسيس دولة إسرائيل وجدوا أنفسهم في وضع جديد وأمام واقع جديد لم يكونوا مستعدين له، وقاموا بالتساؤل عن هويتهم بطريقة جديدة: من نحن؟ ما هو معنى وجودنا هنا والآن، كعرب وفلسطينيين ومسيحيين، مقيمين في إسرائيل؟ كيف نوفّق بين هذه العناصر المختلفة لهويتنا؟ أي من هذه العناصر يجب أن نعطيها الأولوية؟ من الواضح أن هذه الأسئلة تسبب الكثير من الانزعاج والحيرة للمسيحيين، فيصبحون تائهين غير عالمين كيف يعرّفون أنفسهم.

من الواضح إنهم عرب، ولكنهم انفصلوا عن جذورهم الثقافية والوطنية عند تأسيس دولة إسرائيل. هم فلسطينيون أيضًا ولكن انفصالهم عن غيرهم من الفلسطينيين بسبب حدود عام 1948 وضعهم في وضع محير وحرج. هم مسيحيون ولكن مسيحيتهم لا تكفي لتحديد هويتهم الجوهرية. هم مقيمون داخل دولة إسرائيل، ولكن كيف يمكن أن ترتبط هويتهم بالصهيونية التي تعتبر إسرائيل دولة يهودية لليهود؟ كيف لهم أن يتقبلوا وضعهم وهم يعامَلون كمواطنين من درجة ثانية أو حتى ثالثة نظرًا إلى عددهم القليل؟ هل هم مواطنون إسرائليون؟ ولكن أي درجة من المواطنين؟ كيف لهم أن يوفقوا بين كونهم مواطنين إسرائليين وبين كونهم عربًا فلسطينيين مسيحيين؟ في جو تعدد الثقافات والأديان الذي يجدون نفسهم فيه، بمن ترتبط هويتهم؟ باليهود الإسرائيليين، الذين يشعرون باختلاف كبير عنهم؟ بالمسلمين، الذين يشاركونهم لغتهم وثقافتهم ولكنهم يتعارضون معهم جزئيًا من ناحية دينية؟ الأسئلة عديدة وليست نظرية على الإطلاق، بل إنها بالأحرى أسئلة وجودية تنطوي الإجابات عليها على خيارات عملية. يبدو وكأنه عليهم تربيع الدائرة. ولذلك فبإمكاننا تفهم وضعهم المحير، فهم ضائعون بين عناصر هويتهم المختلفة.

إن الأسئلة عديدة وكذلك الإجابات. البعض يعتبرون أنفسهم عربًا قبل كل شيء، والآخرون يرون أنفسهم كفلسطينيين يحملون جواز سفر إسرائيلي لم يختاروه من محض إرادتهم. وهناك من يعتبرون أنفسهم مسيحيين وحسب دون الإشارة إلى أي انتماء وطني أو ثقافي (ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: أي نوع من المسيحيين؟ أورثوذكس أم كاثوليك أم لاتين أم موارنة؟ وماذا يعني الانتماء إلى كل منها؟). أما الآخرون فيعتبرون أنفسهم إسرائيليين ويفضلون عدم سماع أية تسميات أخرى. ولكننا نرى أن هذه الحلول، نظرية كانت أو عملية، إنما تغرّبهم عن جانب من ذواتهم، شاءوا أم أبوا. أما فيما يتعلق بدولة إسرائيل فتتراوح مواقفهم بين الرفض التام ("هذه الدولة ليست لنا!") والاندماج التام ("فلنكن واقعيين!"). ولكننا نرى أن هذه المواقف ليست مطمئنة على الإطلاق. إن تحديهم للواقع الذي يعيشونه يضعهم دائمًا في حالة أزمة. هل من حل وسط بين الرفض التام والاندماج التام؟ يبدو كذلك، ولكن ما هو الحل وكيف يتحقق؟

يبدو أنه لا بد من إيجاد حل من خلال أيمانهم. ولكن هنا أيضًا علينا طرح سؤال، وهو أي نوع من الإيمان؟ من الواضح أن الإيمان من النوع الاجتماعي لا يمكن أن يوجّه المسيحيين عندما يتأملون بالمسائل التي تتعلق بهويتهم والاختيارات التي يقفون أمامها. ولكن إيمانهم غالبًا ما يكون مجرد واقع اجتماعي (دون التعميم على طبيعة الحال)، وهو يبعد كل البعد عن الإيمان الشخصي والكنسي. هذا يضعنا نحن كقادة روحيين أمام سؤال جوهري: ماذا نفعل لكي ينتقل المسيحيون من إيمان اجتماعي إلى إيمان شخصي وكنسي؟ هذا سؤال هام جدًا، ونحن نتساءل إلى أي حد تدرك الكنائس المختلفة هذا الواقع، وبالتالي إلى أي حد تعمل على مواجهته. نرى إذن أن مسألة الهوية هذه ترافقها أسئلة أخرى كثيرة ليست أقل جوهرية. إن المسيحيين كثيرًا ما يتجهون إلى كنائسهم باحثين عن إجابات عن الأسئلة المتعلقة بهويتهم. ولكن الكنائس هي أيضًا في وضع محير ولا يمكنها أن تعطي رعاياها أية إجابات واضحة وصريحة أو إرشادات دقيقة.

فلنعُد إلى اختيار سبيل الإيمان (أي "إيجاد حل من خلال الأيمان"). إن الإيمان من شأنه أن يساعد المسيحيين المقيمين في داخل دولة إسرائيل على تحديد هويتهم أو على الأقل على التأمل بها بطريقة تجعلهم يخترقون السدود التي تعترض طريقهم. بل وإن هذا الاختيار من شأنه أن يساعدهم على التوفيق بين عناصر هويتهم المختلفة. وبهذه الطريقة يتمكنون من تقبل عروبتهم وهويتهم الثقافية والوطنية التي لا مفر منها. هم فلسطينيون ويشكلون بميزاتهم الخاصة بهم جزءًا من الشعب الفلسطيني. هذا هو عنصر من هويتهم لا يرقى إليه الشك. هم أيضًا مسيحيون وعالمون بأن المسيح لا يفصلهم عن واقع مجتمعهم، كما أن مجتمعهم أيضًا لا يجب أن يفصلهم عن المسيح.

ولكن كيف لهم أن يوفقوا بين كل هذا وبين جنسيتهم الإسرائيلية التي هي عبارة عن واقع لم يختاروه وغالبًا ما يتصارعون معه سواء بشكل علني أو بشكل مبطن؟ هنا علينا القول أنهم لا يجب أن يكافحوا من أجل المساواة مع مواطني إسرائيل اليهود من ناحية الحقوق فحسب، بل أن يناضلوا – سوية مع بقية مواطني دولة إسرائيل – كي يكون وجودهم جزءا من تعريف طبيعة دولة إسرائيل بحيث لا تكون دولة لشريحة معينة من سكانها وحسب بل دولة لمواطنيها أجمعين. ولكننا نواجه هنا سؤالاً آخرًا ألا وهو: كيف تعرف دولة إسرائيل نفسها؟ هل هي دولة لليهود فقط أم دولة للجميع؟ من الواضح أن إسرائيل تتجه أكثر فأكثر نحو سياسة الاستثناء أي اعتبار نفسها دولة لليهود فقط. ولذلك فهي تعامل غير اليهود ككيانات منفصلة دون هوية وطنية معروفة (سياسة فرق تسد).

إذن، إذا كان يهود دولة إسرائيل مدعوين إلى تعريف هويتهم بناء على هذا الواقع فكذلك المسيحيون – تمامًا مثل بقية العرب في إسرائيل – مدعوون إلى تعريف هويتهم بناء على الواقع نفسه. في هذا السياق يصبح من الممكن التغلب على أزمة "تربيع الدائرة" لمصلحة الجميع. ولكننا بعيدون كل البعد عن إحراز ذلك.

لهذه الأسباب جميعها يستحق المسيحيون المقيمون داخل إسرائيل كل تفهمنا وتعاطفنا ودعمنا ومحبتنا.

الأب رفيق خوري