جماعة "روح وقـوّة "     دير الملاك جبرائيـل

  

يسوع الربّ والمخلّص مع القديس لوقا

يسوع في الناصرة

عن موقع أعمال وكتابات الخوري بولس الفغالي

"مر من بينهم ومضى"

لو 4: 14:  ورجَعَ يَسوعُ إلى الجَليلِ، وهوَ مُمتلِـئٌ بِقوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ،

            فَذاعَ صِيتُهُ في جميعِ تِلك الأنحاءِ.
لو 4: 15:  وكانَ يُعَلِّمُ في مَجامِعِهِم، فيُمجِّدونَهُ كُلُّهُم.

لو 4: 16:  وجاءَ يَسوعُ إلى النّاصِرَةِ حَيثُ نَشأَ،

            ودخَلَ المجمَعَ يومَ السَّبتِ على عادَتِهِ، وقامَ ليَقرَأَ.
لو 4: 17:  فناوَلوهُ كِتابَ النَّبـيِّ إشَعيا، فلمَّا فتَحَ الكِتابَ وجَدَ المكانَ الّذي ورَدَ فيهِ:
لو 4: 18:  "رُوحُ الرَّبِّ علَيَّ لأنَّهُ مَسحني لأُبَشِّرَ المساكينَ،

             أرسَلَني لأُناديَ لِلأسرى بالحُرِّيَّةِ،وللعُميانِ بِعَودَةِ البصَرِ إليهِم،

             لأُحَرِّرَ المَظلومينَ
لو 4: 19:  وأُعلِنَ الوَقتَ الّذي فيهِ يَقبَلُ الرَّبُّ شعبَهُ".

لو 4: 20:  وأغلَقَ يَسوعُ الكِتابَ وأعادَهُ إلى خادِمِ المَجمَعِ وجَلَسَ.

            وكانَت عُيونُ الحـاضِـريـنَ كُلِّهِم شاخِصَةً إليهِ.

لو 4: 21:  فأخَذَ يقولُ لهُم: "اليومَ تَمَّت هذِهِ الكَلِماتُ الّتي تَلَوْتُها على مَسامِعِكُم".
لو 4: 22:  فشَهِدوا لَه كُلُّهُم، وتَعَجَّبوا مِنْ كلامِ النِّعمَةِ الّذي يَخرُجُ مِنْ فَمِهِ،

            وقالوا: "أما هوَ اَبنُ يوسُفَ؟"
لو 4: 23:  فقالَ لهُم يَسوعُ: "ستَقولونَ لي هذا المثَلَ: يا طبـيبُ إِشفِ نفسَكَ:

            فاَعمَلْ هُنا في وطنِكَ ما سَمِعنا أنَّكَ عمِلتَهُ في كَفْرناحومَ".
لو 4: 24:  وقالَ لهُم: "الحقَّ أقولُ لكُم: لا يُقبَلُ نَبِـيٌّ في وَطَنِهِ.
لو 4: 25:  وبِحَقٍّ أقولُ لكُم: نَعَم، كانَ في إِسرائيلَ كثيرٌ مِنَ الأرامِلِ في زَمَنِ إيليَّا،

            حينَ تَوقَّفَ المطَرُ ثلاثَ سنَواتٍ وسِتَّةَ أشهُرٍ،

            فحَدثَتْ مَجاعَةٌ شَديدَةٌ في البِلادِ كُلِّها،
لو 4: 26:  وما أرسَلَ اللهُ إيليَّا إلى واحِدَةٍ مِنهُنَّ، بل أرسلَهُ إلى أرمَلَةٍ في صَرَفَةِ صَيدا.
لو 4: 27:  وكانَ في إِسرائيلَ كثيرٌ مِنَ البُرصِ في زمَنِ النَّبـيِّ أليشَعَ،

            فما طهَّرَ اللهُ أحَدًا مِنهُم إلاَّ نُعْمانَ السوريَّ".

لو 4: 28:  فلمَّا سَمِعَ الحاضِرونَ في المَجْمَعِ هذا الكلامَ غَضِبوا كثيرًا.
لو 4: 29:  فقامُوا، وأخرَجُوهُ إلى خارِجِ المدينةِ،

            وجاؤوا بِه إلى حافَّةِ الجبَلِ الّذي كانَت مدينتُهُم مَبنيّةً علَيهِ ليُلقُوهُ مِنها.

لو 4: 30:  لكِنَّه مَرَّ مِنْ بَينِهِم ومَضى.

www.albishara.org

 ---------------------------------------------------------------------

روح الرب عليّ - مسحني لأبشّر المساكين

جاء يسوع الى الناصرة. وذهب الى المجمع كما اعتاد أن يفعل كل يوم سبت. هذه الملاحظة تدلّ على أن يسوع كان أميناً للممارسة اليهودية في عصره. واختاره رئيس المجمع ليقوم بالقراءة الليتورجية العلنية. وحسب التقليد الذي يشهد عليه سفر نحميا، تلا يسوع مقطعاً من نبوءة أشعيا التي كانت تقرأ مراراً. كان مؤمن أول قد تلا مقطعاً من اسفار موسى الخمسة (التوراة بحصر المعنى). ولما جاء دور يسوع، أخذ الدرج (أو: اللفيفة. كان يلّف) وتلا مقطعاً يتوافق كل الموافقة مع موضوع السبت، كما يتوافق مع برنامجه المسيحاني.

يعود هذا المقطع إلى أش 61 حيث نجد شخصاً لا نعرف اسمه. أقام فيه روح الرب. ونال بصورة رمزية المسحة (من هنا المسيح أو الممسوح بالزيت). إنه المسيح. ولهذا فقد أرسل من أجل رسالة خاصة: يحمل الانحيل، البشرى، الخبر الطيب، إلى جميع الفقراء الذين يتزاحمون في المدينة وينوءون تحت ثقل الشقاء والظلم والجور.

أعلن لجميع هؤلاء، ولاسيما إلى أفقرهم، سنة الرضى، السنة التي تحمل الخير والبركة. في هذه السنة (أية سنة؟) يبدأ عهد جديد، فترة زمنية جديدة. منذ قيل هذا النص في القرن السادس ق م، أعيدت قراءته وأعيد تفسيره، فرسم كلمة النبي التي لا تزال حيّة. كما رسم تصوّرات الأجيال التي قرأته دون أن تستشفّ زمن الخلاص الذي أعلنه الكتاب. وجاء يسوع قارئا بدوره. فانتزع هذا النص من الماضي. نقله إلى "اليوم". ففي اليوم الذي نحن فيه صار هذا النص حقيقياً. ستتمّ الكتب اليوم في حضوره وفي شخصه.

وأغلق يسوع الكتاب. وأنهى يسوع مساره بحسب البرنامج الذي وضعه على ضوء نصّ أشعيا. ونحن نعيد قراءة النص الذي قرأه يسوع. كيف نقرأ اليوم كلمة الرجاء هذه؟ وما هو معناها للناس في عصرنا؟ أية بشرى نحتاج اليها نحن، يحتاج اليها معاصرونا؟ كيف تكون قراءتنا للانجيل؟ خبر نعرفه غيباً، أم كلام حيّ ينير طريقنا ويوجه حياتنا؟

إمتلأ يسوع من الروح القدس فأخذ يعلّم في مجامع الجليل وسار على عادة اليهود فقرأ النصوص الكتابية وفسرّها. وحدّد موقعه في قلب حياة شعبه الروحية الترب تستند إلى قراءة متواصلة ومُعادة للكتب المقدسة.

ولكن من أين جاءت هذه الكتب؟ عاد المنفيّون من سبي بابل، وأعادوا بناء الهيكل، فجاء صغيراً لا يُقابل بهيكل سليمان. وقام كاهن غيور وعالم اسمه عزرا، فجهّز فريقاً يبحث عن الوثائق المتعلّقة بتاريخ شعبه، عن كل ما يتعلّق بالوصايا والفرائض والنظم، عن تعاليم الانبياء. في هذا الوقت دونت معظم الكتب أو أعيد تدوينها في الشكل الذي نقرأه اليوم.

ومنذ ذلك الوقت تنظّمت اليهودية حول قطبين: العبادة في الهيكل وتقديم الذبائح، وقراءة متواصلة للتوراة في المجمع. كانوا يقرأون أولاً من أسفار الشريعة الخمسة ثم من الأنبياء وسائر الكتب قبل أن يأتي الشرح والتفسير.

وجاء يسوع ففسّر الكتب المقدسة. ولكنه قلب بسلطانه التعليم التقليدي. قيل لكم.... أما أنا فأقول لكم. هناك تواصل، وهناك انقطاع. فالهيكل هو يسوع نفسه. وسيكون الكاهن والذبيحة. والكتب المقدسة والشريعة تتلخّص في كلمته. وهو يكشف عن نفسه: إنه كلمة الله الحيّة، كلمة تحيي مع وصية واحدة هي وصيّة المحبة.

لقد أعلن المسيحيون أنهم تلاميذه. فهل يعرفون أن يقرأوا كلمة الله "ويهضموها" ليتغذّوا منها؟ أم يتعلّقون بشريعة يلجأون إليها؟ هل عبادتهم طقوس تزاد على طقوس، أم انفتاح على فعل شكر، على افخارستيا حقيقية تحرّكهم وتدفعهم الى السخاء من أجل اخوتهم ومن أجل الملكوت؟

يا ليت الرب يلهمنا أمانة لكلمته تدفعنا لكي نحيا مثله في الحرية، وفي قوة الروح. قال يسوع: "اليوم تمّت هذه الكلمة". يومُ يسوع صار يومنا. فافتح يا ربّ أذاننا وقلوبنا على كلمتك الحاضرة فينا وفي العالم.

علّمنا يا رب أن لا نحبّ ذواتنا. أن لا نكتفي بأن نحب الذين يحبوننا، أن نحب فقط أخصّاءنا. علّمنا يا رب أن لا نفكّر إلا بالآخرين. وأن نحب أولاً اولئك الذي لا يحبهم أحد. وأجعلنا يا رب نتألم لآلام الآخرين. وأنعم علينا يا رب أن نفهم أن في كل دقيقة من حياتنا السعيدة التي تسير في حمايتك، هناك ملايين البشر الذين هم أبناؤك الذين هم إخوتنا: إنهم يموتون جوعاً وما استحقوا أن يموتوا جوعاً. إنهم يموتون برداً وما استحقوا أن يموتوا برداً. إرحم يا رب جميع الفقراء والمساكين في العالم. إرحم المرضى والمعذّبين، واغفر لنا لأننا لم نهتمّ بهم بما فيه الكفاية. لا تسمح يا رب أن نكون سعداء وحدنا. علّمنا القلق مع البشر وخلّصنا من ذواتنا وأنانيتنا.

www.paulfeghali.org/index.php?page=books&chapter_id=452

 ----------------------------------------------

 

إنجيل لوقا - ظهور الكلمة

عن موقع أعمال وكتابات الخوري بولس الفغالي

تقديم

يأتي هذا الكتاب بعد انجيل يوحنا وهدفه ان يساعد الكاهن والراهب والراهبة والمؤمن المسؤول في الكنيسة على التعمق في التعليم الانجيلي. الطِريقة التي سرنا عليها هي تلك التي تعرف اليها القارئ في انجيل يوحنا؛ بعد المقدمات التي تدخلنا في جو انجيل لوقا، نتوقف عند كل مقطوعة من المقطوعات الانجيلية فندرسها ونقدم لها شرحاً ينطلقِ من البحث العلمي ليصار بنا الى الجو الرعائي. فكلمة الله ليست نصاً قديماَ نقرأه كما نقرأ المؤرخين والفلاسفة القدماء. انها اليوم حاضرة امامنا وهي كسيف ذيَ حدين "تنفذ في الاعماق الى ما بين النفس والروح" (عب 12:4). انها تتوجه اليوِم الينا في المحيط الذي نعيشه وفي الظروف التي تحيط بنا، وهي تتطلب منّا جواباً.

لم نشرح انجيل لوقا شرحاً متواصلاً، بل قسمناه مقاطع صغيرة نقرأها في الليتورجيا او في التأمل اليومي، وحاولنا ان نقدم غذاء للنفوس المتعطشة الى كلمة الحياة. انجيل لوقا طويل، وهو بفصوله الاربعة والعشرين اطول الأناجيل الاربعة، ولهذا بدا الكتاب كبيراً، وقد اردنا ان نشرح كل مقطوعة فيه. ولكن القارئ لن يقرأ هذا الكتاب كما يقرأ قصة او رواية. انه يختار فيه فصلاً او آخر حسب حاجته الشخصية او التعليمية او الرعائية، فيدرسه ويتمعن فيه برفقة النص الانجيلي. هذا الكتاب هو اولا واخيرا كتاب تأمل نقرأه على مهل، نتوقف عند المقاطع التي تلفت انتباهنا، نعود الى مقاطع قرأناها في ما قبل. المهم لا ان نسرع في القراءة، بل ان نتذوق كلام الله كما يتذوق الانسان شراباً. فالقراءة تقود الى التأمل، والتأمّل الى المشاهدة، والمشاهدة الى المناجاة. هذا ما عاشته مريم حين جلست عند قدمي الرب يسوع تستمع الى كلامه. حقاً، لقد اختارت النصيب الأفضل (38:10- 42).

حاولنا في هذا الكتاب ان نكتشف طريقة لوقا في انجيله، ان نكتشف لاهوت ذلك الذي جاء من العالم اليوناني الوثني واراد ان يكتب لبني جنسه سواء كانوا في كورنتوس او انطاكية او غيرهما من المدن التي تأثرت بالحضارة التي حملها الاسكندر المقدوني فكونت ما يسمى العالم الهلنستي اي العالم الذي اخذ بغنى بلاد اليونان في الفلسفة والشعر والمسرح، الذي اخذ لغته وبسَّطها فصارت ما يسمى اللغة الشائعة التي يفهمها سكان مدن الامبراطورية الرومانية ويتعامل بها حتى ابناء رومة انفسهم.

قرأنا انجيل لوقا وقرأنا الدراسات العديدة عنه والشروح المطولة، واخذنا الكثير من هذا الكاتب او ذاك. فنحن لا نعتبر اننا نقدم شيئا جديدا، بل نبغيٍ ان نقدم للقارئ العربي زاداً بسيطاً يغنيه عن العودة الى كتب عديدة، خصوصا ان كان لا يعرف الا العربية. شروح انجيل لوقا عديدة في اللغات الغربية ولا سيما في الانكليزية والالمانية، اما في العربية...

قضيت سنتين كاملتين في رفقة القديس لوقا أتعرف الى انجيله، وحاولت ان اشرك الناس حولي في هذه الفرحة سواء في مصر او في فرنسا، في لبنان او في سورية. أَردت ان أَدخل في كلمة الله فدخلت هي فيّ وكونتني. اردت ان احمل يسوع الى الناس، فاذا هو يحملني ويدفعني على طريق الحياة.

طريق حلوة برفقة ذلك الذي بشر به الملائكة كالمخلص والمسيح والرب، ذلك الذي حمله سمعان الشيخ بين ذراعيه ورأى فيه من يكشف خفايا الافكار. طريق حلوة برفقة الرسل الاثني عشر مؤسسي كنيسة اورشليم، برفقة التلاميذ السبعين الذين اطلقوا الانجيل في انحاء العالم الوثني، برفقة النساء اللواتي كن قرب يسوع وساعدنه وكن اول الشهود لقيامته، برفقة الخطأة والعشارين والضعفاء والغرباء والذين يظنهم العالم لا شيء (1 كور 1 :8).

طريق حلوة سرناها مع لوقا على خطى المسيح ونحن ندعو القارئ ليختبر بعض السعادة التي اختبرناها والتي عبّر عنها تلميذا عمّاوس فقالا بعد ان توارى يسوع عنهما: "كان قلبنا يحترق في صدرنا حين حدثنا في الطريق وشرح لنا الكتب المقدسة" (24: 32).

www.paulfeghali.org/index.php?page=books&chapter_id=92

 ---------------------------------------------------------------

خطبة الناصرة برنامج حياة يسوع
( لو 14 :4 -20)

نصٌّ غنيّ جدًّا بما يقدّمه لنا من تعاليم: وُضع في رأس الانجيل فكشف عن سرّ المخلّص، وقدّم برنامج حياته العلنيّة. فصار هكذا لكلٍّ الذين يسمعونه، لا نداءً لاتبّاع الربّ وحسب، بل دستورًا من أجل حياتهم أيضا.

1- مجيء يسوع إلى مجمع الناصرة (لو 16:4 أ ب)

لا يكتفي لوقا بأن يجمع الموادَّ التي بين يديه ويضعها الواحدة قرب الأخرى، بل هو يلجأ الى تِقنيات عديدة أهمها تِقنيةُ المقدّمة. ولهذا يبدو من المفيد أن نقابل لو 16:4 أ ب مع ما يوازيه في مر 6: 1- 2 أو مت 13: 54، ثم نكتشف نوايا لوقا حين دوَّن هذه الآية كمقدّمة.

نلاحظ أوّلاً أن لوقا لا يشير إلى التلاميذ الذين، حسب مرقس، يرافقون يسوع. فهذا الاغفال يوافق طريقة عرضه. فقد اختلف لوقا عن متى ومرقس ولم يتحدّث بعد حتى الآن عن دعوة التلاميذ، ولم يذكر اختيارهم بيد يسوع. سننتظر أن يرى هؤلاء الربّ يعمل (4: 31- 44)، فيمتزج خبر اختيارهم مع خبر الصيد العجيب (5: 1- 11).

ثم إن لوقا يُحلّ محلّ العبارة التقليدّية التي استعملها متى ومرقس، يُحلّ عبارة شخصيّة وأكثر وضوحًا. كتب مرقس ومتى "مضى إلى وطنه". سيستعيد لوقا هذه المفردة في نهاية آ 23 (غابت عند مر ومت) وفي آ 24 (إزاء مر ومت). قال لوقا: "جاء إلى الناصرة". ان هذه الاشارة الواضحة إلى المدينة يُحيلنا إلى إنجيل الطفولة ويذكّرنا بالمكان الذي فيه نشأ: حسب النّص الدارج: ترافو أي إقتات. وحسب شهود آخرين: أناترافو أي نشأ. هذا الفعل، الذي يستعمله لوقا وحدَه (16:4؛ أع 20:7؛ 3:22) يضمّ مع فكرة القوت فكرة نموّ الشخصيّة وتقدّمها. وفي الناصرة أيضًا استعدّ يسوع لرسالته المقبلة (2: 39- 40، 51-52). ولكن بصورة أساسيّة أكثر، ينتمي ذكر الناصرة إلى رسمة جغرافيّة وضعت في مدخل الكتاب، فحدّدت مسبّقًا الخطوط المكانيّة لرسالة يسوع العلنيّة. فكما أن خبر طفولة يسوع بدأ في الناصرة (1: 26) ليجد ذروته في هيكل أورشليم (2: 41 ي)، كذلك انطلق خبر رسالة يسوع العلنيّة من الناصرة (4: 16)، ليتمّ بعد صعود طويل في قلب المدينة المقدسة (19: 45 ي). فمجيء يسوع إلى مجمع الناصرة لا ينحصر، في نظر لوقا، بمسعى من المساعي قام به المخلّص. إن هذه الزيارة تدشّن رسالته المسيحانيّة، وتحدّد البداية الفعليّة لنشاطه العلنيّ.

هكذا نفسّر اهتمام لوقا بتدوين هذا المشهد الافتتاحيّ. إكتفى مر 6: 2 ب ومت 13: 53 ب بعبارة إجماليّة وقصيرة، فحدّدا موضوع زيارة يسوع إلى الناصرة ("شرع يعلم "، "وكان يعلم"). أمّا لوقا فتوسّع كثيرًا في هذا التعليق، فأدخل فيه استشهادًا طويلاً من النبيّ أشعيا. ويَلفِت نظرنا هذا التوسّع، ولاسيما وإن لوقا لم يتحدّث إلا بالتلميح عن "تعاليم يسوع في مجامع" الجليل (15:4).

نجد هذا الأسلوب الأدبيّ في مواضع أخرى من المؤلَفّ اللوقاويّ، خصوصًا في أع 2: 16 ي حيث يستشهد بطرس مطوّلاً بالنبيّ يوئيل في بداية خطبته الأولى في أورشليم. لهذا سنتساءل عن الوظيفة اللاهوتيّة لنصّ أشعيا (6: 1- 2 أ) في بداية حياة يسوع العلنيّة.

2- إطار الليتورجيّا المجمعيّة

وحدّد لوقا موقع أوّل تدخّل رسميّ ليسوع في المجمع، في إطار الليتورجيا المجمعيّة. لسنا هنا أمام أمر شاذّ، بل تدلّ هذه الاشارة على طريقة عمل يقوم بها كلّ يهوديّ أمين على حفظ الشريعة. لقد اعتاد يسوع، شأنًه شأنُ أبناء أمَّته، أن يؤمَّ المجمع المحليّ ويشارك في احتفالات السبت.

ونلاحظ أيضًا أن يسوع اختار مرارًا المجامع وهيكل أورشليم (4: 15، 16، 44؛ 6: 6؛ 13: 10؛ 19: 45، 47؛ 20: 1؛ 21: 37- 38؛ 53:22) ليعلم ويعلن البشارة، وسار رسله على إثره (24: 53؛ أع 2: 46؛ 3: 1، 3، 8؛ 5: 20، 21- 25، 40). هذا مُعطى تقليديّ سنتحقّق منه حتى حين يتوجّه العمل الرسوليّ إلى الوثنيّين (أع 9: 20؛ 13: 5، 14، 43؛ 14: 1 ؛1:17...)

إذا كان إعلان الملكوت لم يحصل على هامش الجماعةِ الدينيّة اليهوديّة، بل يتجذّر في أرض وَجد فيها إيمانُ الشعب المختار غذاءه، فالحدَث الأخير من الخبر (أي حين طُرد يسوع من المجمع على يد أبناء بلده أنفسهم) يتّخذ طابعًا دراماتيكيًّا كبيرًا. فرفْضُ الناصريين (أي أهل الناصرة) استقبالَ يسوع وتعليمه (28:4) صار حينئذ نبوءة تكاد تكون خفيّة عمّا سيكون عليه في يوم من الأيام: رفض الأمّة اليهوديّة كلّها ليسوعِ. صار طردُ يسوع من المدينة ومحاولةُ طرحه من قِمّة الجبل علاماتٍ تشير مسبّقًا إلى مصيره المأساويّ.

أمّا الليتورجيّا المجمعيّة بحصر المعنى، فقد كانت بسيطة. تبدأ خدمة السبت بتلاوة "شماع" (أي اسمع، تث 6: 4- 9؛ 11: 13- 21؛ عد 15: 36- 41) أي إعلان الايمان بالاله الوحيد مع سلسلة من المباركات. وتمتّد الخدمة بقراءة مقطع من أسفار الشريعة (فرشه او فصل) وقراءة أخرى من كتب الأنبياء (هافتره اي تفسير). وينتهي الاحتفال ببركة الكاهن.

كان يحِقّ لكلّ رجال بالغ، لكونه عضوًا في الشعب المقدّس، أن يشارك في هذه الخدمة الليتورجيّة التي يرئسها رئيس المجمع (لو 8: 41 يتحدث عن يائيرس) ويسهر على النظام في الاجتماع والترتيب في الاحتفال (13: 14)، ويختار القارئين، وإذا لزم الأمر، من يفسّر القراءات (أع 13: 15).

كانت خدمة القراءات (وهي العنصر الرئيسيّ في هذه الليتورجيا) منظّمةً تنظيمًا مُحْكمًا. يقف القارئ ويبحث عن النصّ المعين في الروزنامة (او التقويم)، ويتلوه في اللغة المقدّسة اي العبريّة. لم يكن يفهم هذه اللغة إلا بعض المتعلّمين الكبار، لهذا كان هناك من يترجم إلى الآراميّة ويتصرف في ترجمته فتصبح ما يسمى في اللغة التِقنية "الترجوم". وبعد الانتهاء من القراءة كان المسؤول عن الكتب المقدسة (خزان او الخازن، رج آ 20) الذي يقوم أيضًا بوظيفة البّواب والحارس ومعلّم المدرسة، كان يستعيد اللفيفة (او الدرج) التي أعطاها للقارئ. بعد هذا، كان الجميع يجلسون ليسمعوا العظة. فان وُجد في الجماعة شخصُ يحبّ أن يحُثّ إخوته على التقوى انطلاقًا من الأسفار المقدسة، دعاه رئيس المجمع للكلام. هذا ما حصل ليسوع في الناصرة، وهذا ما حدث لبولس في مجمع أنطاكية بسيدية.

يبدو أن لوقا كان عارفًا بالتقاليد الليتورجيّةَ في عصره. ومهما يكن من أمر فالطريقة المحدّدة والمتوازنة التي بها أورد لوقا الرُتَب التي تحيط بالقراءات تدلّ على أهميّة كلمة النبيّ أشعيا (4: 18- 19) في نظره.

وقام ليقرأ ثم طوى السفر
فدفع إليه السفر ودفعه إلى الخادم
فلما نشر السفر وجلس

إن مثل هذا الابراز للنصّ النبويّ يدعونا الآن لكي ندرس بعناية موضوع هذا الاستشهاد. يستعمله لوقا ليكشف هوّية المسيح العميقة، وليقدّم، في بداية الانجيل، البرنامج الملموس لعمله على الأرض.

3- نص اش 61: 1- 2 آ (آ 18- 19)

أَورد لوقا بحريّة نصّ أشعيا راجعًا إلى الترجمة اليونانيّة للتوراة (السبعينية). وهذا ما نكتشفه حين نقابل نصّ لوقا ونصّ أشعيا.

لو 18:4-19                      أش 61: 1-2 أ (حسب السبعينيّة)
روح الربّ عليّ
                  روح الربّ عليّ
لأنه مسحني لأبشّر المساكين
     لأنه مسحني لأبشّر المساكين
وأشفي منكسري القلوب
وأرسلني
                          وأرسلني
لأنادي للمأسورين بالحريّة
       لأنادي للمأسورين بالحريّة
وللعُميان بالبصر
                  وللعُميان بالبصر
وأطلق المرهَقين أحرارًا
وأعلن سنةَ نعمة الربّ
          وأعلن سنةَ نعمة الربّ.

يستعيد لو 18:4- 19 جوهر نص أشعيا. ألغى الانجيليّ عبارة "وأَشفي أصحاب القلوب المنكسرة". قال الُشرّاح ": هو الطبيب الذي غالبًا ما يستعمل كلمة "شفى" بالمعنى الماديّ، فلماذا تردّد في استعمالها في المعنى المجازيّ؟ لا يكفي هذا التفسير ليجعل لوقا مسؤولاً عن هذا الالغاء.

نذكر أوّلاً، أنّ مخطوطات يونانيّة عديدة، ونصّ اللاتينيّة الشعبية (فولغاتا) تورد هذا الشطر (أشفي القلوب الكسيرة) أمّا السريانيّة البسيطة فتقول: "أرسلني لأشفي منكسري القلوب ولأبشر المسبيّين بالتخلية". إن وجود هذا الشطر المُلغى يبرز صورة الطبيب التي تحدّثت عنها آ 23 والتي نجدها أيضًا في 5: 31؛ 9: 11. وفي 5: 17 يعود فعل "ياؤماي" (شفى) في عبارة قريبة من اش 61: 1 ولوقا 4: 18: "وكانت قدرة الربّ (عليه) لتُجري الأشفية". وأخيرًا في إجمالة حياة يسوع الواردة في أع 10: 38 (مع ايراد واضح لنص اش 61: 1)، فهناك كلمات نقرّبها من النصّ الذي ندرس: بشر (أع 10: 36)، مسح، الروح، شفى (آ 38)، وهي مستعملة في معنى مجازيّ.

إهتمّ لوقا بصورة خاصّة وأكثرَ من سائر الانجيليّين، بهذه السِمَة التي تميز عمل الفادي الخلاصيّ. فإذا أخذنا عبارة "شفى أصحاب القلوب الكسيرة" بشكل حرفيّ، فهي قد لا تتوافق مع رفض يسوع بأن يصنع المعجزات ويجري الأشفية في وطنه. هذا يفهمنا أن يكون هذا الشطر قد أُلغي فيما بعد (شورمان، انجيل لوقا).

ومن جهة ثانية، يبدو أكيدًا أنّ لوقا أوقف بإرادته نصّ أشعيا عندما "أعلن سنة نعمة الرب" وألغى ما تبقّى أي "يوم انتقام". نفسّر هذا الالغاء بنظرة الكاتب التي تتّصف بالشمول فيما يخصّ الخلاص. فلو قرأ لوقا النصّ كلّه لدفع إلى ان يعلن مع النبيّ عن "يوم انتقام" من الوثنيّين وحكما عليهم بالهلاك.

وهناك مثل آخر يدلّ على اهتمام لوقا بالتحاشي عن استعادة نصوص تخصيصية وجدها في الأسفار المقدّسة (يرامياس): حين أورد يؤ 3: 1- 5 آ في أع 2: 17- 21 (رج ايضا لو 7: 22= مت 11: 5 مع جواب يسوع لتلميذَي يوحنّا المعمدان) مزج اش 35: 5- 6 مع 28: 18- 19 و 61: 1. نحن هنا أيضا أمام خُطبة افتتاحيّة وقد اهمل فيها لوقا بإرادته خاتمة نصّ نبويّ ينتهي في السبعينيّة على الشكل التالي: "سيكون مخلّصون على جبل صهيون وفي أورشليم، كما قال الربّ، ومبشّرون (النص العبري الماسوري: باقون على قيد الحباة) يدعوهم الربّ" (يوء3: 5 ب). أسقط لوقا هذه الأشارة التي تحصر المعنى في إطار ضيّق، فأعطى قوّة للبعد الشامل في تعليم يُرى في بداية القول النبويّ: "أفيض روحي على كل جسد أو بشر" (يوء 3: 1 أ).

ولا ننسى أيضًا أن لوقا سيعود إلى شهادة إيليا وإليشاع الذاهبين إلى الوثنيّين (آ 25- 27) ليسنُد اعتقاده بأنّ الخلاص الذي يحمله يسوع المسيح يشمل البشريّةَ كلّها.

ونلاحظ أن عبارة "بشر المساكين" ترتبط بكلمة "أرسلني". اذًا ربط لوقا بطريقة مباشرة واقع هذا التبشير بالتكريس (يُمسح بالزيت المقدس فيُكرّس) المسيحانيّ (مسحني لأبشّر المساكين) فقوّى مرّةً أخرى العلاقة بين مشهد الأردنّ (3: 21) وحدَث الناصرة (4: 1، 14). إن مجيء الروح القدس على يسوع هو أساس إرساله وشرط ضروريٌّ لحياته العلنية المقبلة التي تكمن كلّها في إعلان البشارة لصغار القوم. وسيوضح هذه الفكرةَ ما تبقى من استشهاد أشعيا. إن هذا الطابع الكرازيّ لاعلان الانجيل على المساكين هو الذي دفع لوقا لأن يحل في 19:4 كلمة "دعا، سمّى" (كاليو) (ق اش 2:61) محل كلمة "نادى، اعلن (كيروسو)" المذكورة في آ 18 ج.

بالاضافة إلى إيراد اش 61: 1- 2 أ، تتضمن آ 18 في خاتمتها شعرًا مأخوذًا من اش 58: 60: "أطلق المرهَقين أحرارًا" (أو لاحرّر المظلومين). هذا التشديد على موضوع الاطلاق والتحرير لا يزعج لوقا. ولكن هل ننسب أليه مسؤولية إقحام هذه العبارة؟ كلاّ. فظهور هذه الآية المستغرب للوَهْلة الأولى يُفهَم إذا عرفنا بوجود سلسلة من الاستشهادات المتداولة في أوساط الكنيسة الأولى، كانت تتضمّن فيما تتضمّن اش 58 واش 61. هنا يشير دود في كتابه "كما جاء في الكتب" إلى أن اش 61: 21 لا ترد بوضوح إلا في لو 4: 17- 18، ولكنّنا نستشفّها في الخطبة الكرازيّة في أع 10: 38 وفي نص مت 11: 15= لو 7: 22، على الأقل بصورة ضمنيّة. أمّا اش 58 فقد توسّع العهد الجديد في استعماله. رج أع 18: 23= اش 58: 6 ب؛ مت 25: 35 ي= اش 7:58.

إن نصّ أشعيا الذي سيطبّقه يسوع على نفسه بعد لحظة، ينتمي إلى مجموعة مؤلّفة من قصيدتين طويلتين (اش 60- 62) تعلنان لشعب إسرائيل حياة جديدة ترتبط بإعادة بناء أورشليم، المدينة المقدّسة، بناء يُذهل العقول.

فإذا أردنا أن نتعرّف إلى قوّة الرجاء الحاضر في هاتين القصيدتين الخارقتين، لن نكتفي بقراءتهما بل نتعرّف إلى تجذّرهما التاريخيّ. عاد المنفيّون إلى بلادهم وبدأوا عمل البناء، فواجهتهم الصعاب والمَظالم... فلا بدّ من إيقاظ ألثقة بتدخّل الله الحيّ في جماعة هي فريسة الشقاء والقُنوط. وأظهر النبيّ جرأة عبّر فيها عن إيمانه: اعلن لكل هؤلاء المساكين، لهؤلاء المنكسري القلوب، لهؤلاء العُميان وهؤلاء الأسرى أنّ الله سيضع حدّا للضيق الذي يعانونه. لقد انتهى كلّ شيء. وقال الله: "القليل عندك يصير ألفًا والصغير يصير أمّة عظيمة. أنا الربّ سأجمعكم في الوقت المعيّن" (أش 22:60 حسب السبعينية في العبريّة: أنا الرب أسرع به في وقته).

وفي الوضع الحاليّ للنصّ الأشعيائّي، إرتبطت هذه الولادة الموعودُ بها بمجيء نبيّ يحدّد كلُ ف 61 رسالتَه. هذا النبيّ الذي تذكّرنا سماتُه (حتى على مستوى العهد القديم) بصورة عبد الله (اش 42: 1ي) سيكون قبل كلّ شيء "رجلاً يمسحه الله بروح الأنبياء". كما يقول الاسهاب الترجوميّ في أش 61: 1، "قال النبي: روح النبوءة جاءني من عند ألربّ الاله، لأنّ الربّ مسحني لأبشر المساكين".

وهذا المسيح النبيّ سيكون "مرسلَ الله نفسِه" الذي يمنحه مواهب خاصّة ليقوم بمهمتّه الالهية. وتبدو هذه المهمّة بشكل جوهريّ كعمل إعلان (كيريسو، ايوانغليزو: نادى، بشر) يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتحرير (افاسيس) المساكين الذين تتوجّه إليهم كلمة الخلاص بدرجة أولى.

نفهم هذا الخلاص الاسكاتولوجيّ الذي يعلنه النبيّ في المعنى الواسع، أي على مستوى المادّة والجسد. وهو يصيب أيضًا كائن الانسان الداخليّ والعميق. مثلاً، نقول إن العمى هو عاهة جسديّة. أمّا بالنسبة إلى النبيّ فهو يقابل عمى روحيَّا يصيب ألشعب الذي لا ينهضه من شقائه إلا استنارةٌ جديدة في القلوب (أش 42: 16- 20؛ 43: 8؛ 56: 10؛ 59: 10). وفي النهاية، إن هذه التحرّرات المختلفة تتبع إعادة مُناخ من الحقّ والعدالة والحبّ في العالم (أش 58: 6- 12؛ ار 34: 8- 9) وهذا ما يفعله المسيح الآتي.

إن هذه البشرى ستَفتح أزمنة جديدة وتقابل مجيء ملكوت الله على الأرض. ويلخّصها أشعيا في بضع كلمات فيصوّرها "سنة نعمة من عند الرب". من الممكن أن تلمّح "سنة نعمة الرب" إلى السنة اليوبيلية التي يحتفل بها العبرانيّون سنةً كاملة مرّةً كلَّ خمسين سنة (سبعة أسابيع أو سبع سبعات من السنين، اي 77. تكون السنة الخمسون هي السنة اليوبيلية) كما يقول سفر اللاّوّين (25: 8-17؛ رج تث 15: 12- 18؛ خر 21: 2- 11). كانت تقوم هذه السنة اليوبيليّة (جوهرّيًا) بإعلان تحرير عامّ لكل سكّان البلاد. "في تلك السنة يعود كلّ واحد إلى مُلكه (اي تعود أرضه إليه)، ويرجع كلّ انسان إلى عشيرته (او عائلته)" (لا 25: 10).

تحدّث النصُّ اليونانيّ عن سنة (انيوتوس) مقبولة (في كتوس) من قِبَل الربّ، فتبعته السُريانية البسيطة التي جعلت النبيّ "يكرز بالسنة المقبولة لدى الربّ (لو 4: 19). أمّا النصّ السُرياني في اش 61: 2 فيتحدّث عن "سنة رضى للربّ".

إستعاد لوقا هذه السِمات الأساسيّة في الكرازة الأشعيائيّة وتبنّاها. وإنْ شدّد على الطابع الكرازيّ لمجيء يسوع، مُقْحِمًا فعلاً جديدًا هو كيريسو (الذي منه تأتي كلمة كرازة عَبْرَ السُريانية)، فهذا يدلَّ على أنه عاد إلى المهمّة الحاليّة (نشر الانجيل) في الكنيسة الرسوليّة. فمهمّة هذه الكنيسة ليست في أن تلقي الخُطَب عن الله أو تقدّم الدروس الفلسفيّة، بل أن تسير على خطى يسوع فتعلن وتنادي بواقع عمل الله وسْطَ البشر.

وهذا العمل التحريري الذي أبرزته لفظة "أفاسيس" مرتين، يعني الفقراء والبائسين على مختلف فئاتهم. وإذا عُدنا إلى الينبوع القديم للتطويبات (المساكين، الجياع، الحزانى، 6: 20- 21) نظنّ أنّ هذا العمل يعبّر أوّلاً عن إرادة الله التي تحاَول أن تضع حدَّاًَ لهذه الأوضاع اللا إنسانية، لكل هذا الشرّ الذي لا يُطاق والذي ينتصب أمام الله متحدّيًا عدالته الملوكيّة فيجعل ضحاياه من صغار القوم في شعبه. برء المسيح هو بالنسبة إليهم بُشرى هي بُشرى تحريرهم

ولقد كتب الأب دوبون عن الفقر الانجيلي في كتابه "الفقر والفقراء" ما يلي: "إن امتياز الفقراء يجد أساسه اللاهوتيّ في الله. فنحن نخطئ حين نحاول أن نؤسسه في استعدادات أخلاقية لدى هؤلاء الفقراء، أو حين نحاول أن نروحن فقرهم. فيسوع ينظر إلى فقر الذين يوّجه إليهم بشارة ملكوت الله على انه وضع حرمان بشري، وضع يجعل من الفقراء ضحايا الجوع والظلم. الفقر هو شر، هو وضع يرفضه الله لأنه يمس كرامته. وحين اعلن يسوع بشرى ملكوت الله للفقراء، أظهر عناية الله بهم ومشيئته بأن يضع حدّا لآلامهم. فعلى المسيحيّين أن لا يفهموا من هذا أن الفقر هو مثال بل ان يفهموا أن الفقراء هم موضوع محبّة خاصّة من قبل الله". أجل، ليس الفقر هدفًا نبلغ إليه. إنه وسيلة تحرّرنا من كل ما يفصلنا عن الله وعن القريب. نحن نتجرّد من خيرات الأرض لا من أجل التجرّد، بل لنشرك الآخرين فيها.

هذا التحرير الذي هو علامة مجيء الملكوت نفهمه كخلاص الله وغفرانه المقدّمينَ إلى كلّ البشر في يسوع المسيح. هذا ما فهمته أقدَمُ تقاليد العهد الجديد التي تربط دومًا مدلول التحرير (افاسيس) بمدلول الخطيئة (امارتيا). وغفران الخطايا (أفاسيس امارتيون) الذي هيّأ له الدربَ عملُ المعمدان التبشيريّ (مر 1: 4 وز؛ لو 1: 77) هو في قلب عمل يسوع على الأرض (مت 26: 28)، كما هو في الكرازة الرسوليّة وشهادتها (24: 47؛ أع 2: 38؛ 5: 31؛ 13: 38). وهذا الغفران يفرض على الانسان التوبةَ والايمان بالمعمودية. وإذ ينتزعه من سلطان الظلمة يفتح له أبواب الملكوت والأتحاد بالمسيح القائم من الموت (أع 10: 43؛ 26: 18؛ كو 1: 13- 14). وبقدر ما أنّ الخطيئة ليست أمرًا عارضًا، بل قوّة تحدّد كيانها كلّه، نفهم أن هذا التحرير الداخليّ يقابل في الواقع تجديد حياةِ الانسان كلّها. مثل هذا التحرّر لا نفهمه إلا كبشرى وخبرٍ سارّ.

4- تأوين الكلمة النبوية (آ 21)

حين طبّق يسوع على نفسه نصّ النبيّ، أعلن بوضوح أنه النبيّ المسيحانيّ الذي تحدّث عنه أشعيا، وحدّد في الوقت عينه برنامج رسالته على الأرض.

أن يكون هو المسيح، هذا ما عبّر عنه لوقا بوضوح في إطار الرؤية العماديّة. أسمعَت السماءُ صوتَها فأعلنت في خط مز 2: وأنت ابني، أنا اليوم ولدتك " (3: 22 ب كما في النصّ الغربيّ. النصّ الشرقيّ: "بك سررت"). وتحدّدت هوّية هذا المسيح في حدَث الناصرة: إنه المسيح النبيّ. وكما شدّد لوقا على لفظة "اليوم" (سامرون) التي أخذها من المزمور المسيحانيّ وتحقّقت مع مجيء يسوع، كذلك يشدّد هنا على أن لفظة اليوم (4: 21) التي أخذها من الكلمة النبوّية قد تحقّقت (بلاروو) في شخص يسوع الذي يبدأ حياته العلنيّة. يرِد فعل "بلاروو" مرّتين عند لوقا في معرِض حديثه عن الكتب المقدّسة: هنا، في بداية حياته العلنيّة، ومرّةً ثانية في نِهاية الانجيل، ساعة يعطي يسوع لتلاميذه تعليماته الأخيرة، ويجعل منهم شهودًا لعمله (24: 44: لابد ان يتم). وفي كلتا الحالتين نحن أمام مقاطع خاصّة بلوقا.

وكلمة لوقا "أليوم" (4: 21) تميّز الحديث عن الخلاص عند لوقا (2: 11؛ 3: 22 حسب النص الغربي؛ 5: 26؛ 13: 32- 33؛ 19: 5؛ 23 : 43) وهي تَعني أن نبوءة النبيّ صارت واقعًا ملموسًا: ذلك الذي تكلّم عنه النبيّ في الماضي هو الآن حاضرٌ هنا. قد بدأت الأزمنة الأخيرة بعد أن دشّنها رسمّيًا مجيء يسوع إلى الناصرة، الذي يشكل "البداية" (في 3: 23؛ تدل "ارخومانوس" على بداية نشاط يسوع المرتبط بحلول الروح القدس. وتقابلها عبارة "فشرع يقول لهم" في 4: 21، لتدلّ على البداية الفعليّة لعمله الرسوليّ) الفعليّة لحياة المخلّص العلنيّة. إنه (يوم) الله في زمن حاسم في تاريخ خلاصهم. وبعبارة أخرى إن كلمة "اليوم" لا تحمل فقط بُعدًا كرونولوجيًا، بل هي تُحيلنا إلى زمن التكميل الذي، من خلال هذا الزمن المحدّد في التاريخ، يَعني كلّ الحِقبة اللاحقة من نعمة الله في الكنيسة.

وبقدر ما يدشن يسوع الآن "سنة نعمة الرب" هذه لا تستطيع كلماتُه إلاّ أن تكون كلمات "تحمل النعمة التي صنعها الله للبشر" (لوغوي تاس خاريتوس، رج أع 14: 3؛ 20: 32). وفي النهاية، هذه الكلمات تمتزج بيسوع (كيانه، شخصه، تعليمه) كما يشهد على ذلك البدَلُ اللافت في أع 10: 37- 38 (ما جرى تو غانومنون ريما: يسوع ألناصري)، وتشديد الانجيليّ الخاصّ على تقديم يسوع كحامل هذه "النعمة" (2: 40؛ 52؛ أع 15: 11؛ 40). إن الكلمة التي أتمها يسوع في مجمع الناصرة هي في الوقت عينه كلمة الله التي تكمل ما تنبئ به، والكلمة المتجسّدة في يسوع الذي أمامه يحدّد كلُّ إنسان مَوقعه منه أذا أراد الحياة.

كان لوقا قد كتب: "لا يحيا الانسان بالخبز فقط" (4:4)، وزاد متى في هذا الموضع: "بل بكل كلمة (ريما) تخرج من فم الله" (مت 4:4). لم ينسَ لوقا هذا العنصر الذي زاده متى، ولكنه جعله في مقطوعة الناصرة ليسند آنيّة الخلاص الحاضر في يسوع المسيح. فالخبز لا يكفي في نظره لحياة الانسان. فإن أراد أن يحيا احتاج أن يتقبّل "كلمات النعمة الخارجة من فمه" (4: 22).

وهكذا لا يكون ظهور يسوع في الناصرة هديّة نعمة خاصّة وحسب، بل وعد تحرير وحياة لكل الذين يتعلقّون به بالايمان. نجد هنا ملخّصًا لكل الانجيل وُضع في بداية حياة يسوع العلنية، نجد فيه برنامج رسالته كما نجد دعوة ملحّة لنحمل نحن اليوم هذه البشرى إلى الخليقة كلّها.

www.paulfeghali.org/index.php?page=books&chapter_id=95&page_id=546

 

لا يقبل نبي في وطنه
( لو 21:4- 30)

يشكّل المشهد الأوّل في الناصرة (16:4- 30) قطعة أساسيّة في إنجيل لوقا ووسيلة تساعدنا على فهم كلّ مؤلّفه فهمًا لاهوتيّا. جُعل في بداية رسالته العامة فوجّه القارئ نحو ملء إدراك سرّ شخص المخلّص وعمله. إنه يحدّد مسبقًا برنامج عمله على الأرض، ويجعلنا نستشف النهاية المأساويّة حين يُرذل عبدُ الله ويموت. وإن أحالنا هذا الخبر إلى وضع تاريخي واقعي، إلاّ أنّنا لا نفهمه حقًا إلاّ على ضوء كنيسة بعد فصحيّة تتحدّث عن المخلّص والقائم من الموت، وتنفتح بكل إدراك على عالم الوثنيّين.

إذا نظرنا إلى الوجهة الأدبيّة لهذه المجموعة نكتشف جزئين كبيرين.

الجزء الأوّل (4: 16- 21) يذكر مجيء يسوع إلى الناصرة. يقدّمه لنا في إطار ليتورجيا مجمعيّة (أي: داخل مجمع يهوديّ أو كنسيّ) كذلك الذي يأخذ على عاتقه أقوال النبيّ أشعيا (أش 61: 1- 2 أ) فيحدّد نفسه على أنه النبيّ المسيحانيّ. إنه رجل الله الذي أوكلت إليه مهمّة حمل بشرى التحرير إلى صغار القوم. وبمجيئه سيُدخل في زمن بشري "يومَ" الله (4: 21)، سيُدخل زمن "النعمة" الخارقة (4: 19، 22) في تاريخ الخلاص. هذا هو ملخّص الإِِنجيل كلّه، وهو في بداية عمل يسوع برنامج واضح عن رسالته، كما هو دعوة ملحّة تتوجّه إلى كلّ إنسان، فيطلب منه أن يحدّد موقعه بالنسبة إليها.

ويورد الخبر الثاني (4: 22- 30) ردّات الفعل المتنوّعة لدى السامعين في الناصرة: عرفان جميل وتقبل وإعجاب في البداية (آ 122). ثمّ دهشة وحيرة (آ 22 ب). وفي النهاية، رذلوه وقطعوا علاقاتهم به (آ 28- 29). هذه المسيرة الرافضة تدريجيًّا تدهشنا، ولا سيما وأن يسوع هو الذي سبّبها كما يقول العمل التدوينيّ: لم يكتفِ بأن يورد المثل الشعبيّ: "يا طبيب اشفِ نفسك" (آ 23)، بل لجأ إلى شهادة إيليّا واليشاع (آ 25-27) ليوبّخ مواطنيه على موقفهم الذي يخلو من الإِِيمان.

هذا الوضع يتطلّب شرحًا ويدعونا أوّلاً لكي نرى كيف اعاد لوقا قراءة نص مرقس الذي اتّخذه له نموذجًا. بعد هذا، نحدّد معنى الزيادات التدوينيّة وبُعدها في إطار مؤلَّفه العام أيّ في إطار الإِِنجيل الثالث وسفر الأعمال.

1- قراءة نص مرقس (آ 22- 24)

يقدّم الخبر من آ 22 إلى آ 24 موازاة مع مر 6: 1- 6 أ، مع تحوّلات عميقة لها معناها. فالطريقة التي بها يعيد لوقا تدوين مرقس يعكس تفسيره الشخصيّ لحدث الناصرة الذي يوضحه أيضًا في آ 25- 30. قراءة الفعل لدى أهل الناصرة تبدو موافقة ليسوع في البداية، وهذا ما لا نجده في مر 2:6- 3، فيدهشنا حين نأخذ بعين الاعتبار نهاية الحدث. قالت آ 22: "فشهدوا له كلّهم وتعجّبوا من كلام النعمة الذي يخرج من فمه". أمّا في آ 28- 29 فنقرأ: "غضبوا كثيرًا، فقاموا واخرجوه الى خارج المدينة...".

يفترق لوقا عن مر 2:6 فلا يلمّح إلى معجزات نسبها أهل الناصرة إلى يسوع. ونحن نفهم هذا الوضع حين نعرف أن الإِِنجيليّ جعل حدث الناصرة يقع في بداية رسالة يسوع، يوم لم يكن بعد قد اجترح معجزة واحدة. إذن، سيتركّز إعجاب الناس على "الأقوال المليئة بالنعمة، التي تخرج من فمه". نحن ولا شكّ أمام تأوين قام به يسوع حين طبّق على شخصه نبوءة أش 61 التي قرأها فيما قبل وأعلن عنها: "اليوم تمّت هذه الكلمات".

لا يشدّد النصّ على مضمون كلمات يسوع (تحدّث مر 2:6 عن الكلمة)، بل بالأحرى على وقعها وتأثيرها: إنها تحمل نعمة يوصلها الله إلى البشر، وهي تتماثل مع يسوع نفسه. فالتماثل بين يسوع وكلمته (يسوع هو كلمته) يبرز في صيغة البدل التي نجدها في أع 10: 37- 38: "الكلمة (أو الحدث) التي جرت في اليهوديّة... ويسوع الناصري". نلاحظ تشديد الانجيليّ على تقديم يسوع كحامل هذه النعمة (2: 40، 52؛ أع 14: 3؛ 15: 11- 40؛ 20: 32). ثم نرى في عبارة "الكلمات الخارجة من فم يسوع" تلميحًا إلى تث 3:8: "لا يحيا الإِنسان بالخبز وحده، بل بكل كلمة تخرج من فم الله". يورد مت 4: 4 الجملة كلَّها في خبر تجارب يسوع. أمّا لوقا فيورد القسم الأوّل في 4: 4، ويطبّق القسم الثاني هنا على الأقوال الخارجة من فم يسوع.

ويجمع لوقا في جملة واحدة ما قاله مر 3:6 عن تفاسير أهل الناصرة حول هوية يسوع وقرابته: "أما هو ابن يوسف" (آ 22 ب)؟ بما أن يسوع ليس في نظر الإِِنجيليّ "ابن يوسف" بحصر المعنى (22:3- 23: "كانوا يحسبونه ابن يوسف")، فقد نكون أمام تلميح خفيّ إلى عجز أهل الناصرة عن التعرّف إلى هوية يسوع الحقيقيّة. ويفترق لوقا هنا أيضًا عن مرقس: لا نوايا شريرة لدى اهل الناصرة، بل سؤال تعجّب ودهشة. أما في المقطع الموازي في مرقس، فأقوال أهل الناصرة عن يسوع وأمه وإخواته وأخواته، تجعلنا نظنّ أنهم يحسبونه انسانًا عاديًا، ويرفضون أن يصدقوه أو يثقوا به. لهذا تشكّكوا بسببه أي انزعجوا حين رأوا يسوع يبرهن عن حكمة وقدرة عجائبيّة تتجاوزانهم.

نحن لا نجد شيئًا من هذا عند لوقا. فيسوع نفسه هو الذي "يهاجم" أهل بلدته. نلاحظ بسهولة أن لوقا لا يهتمّ بالخبر في ذاته كما أورده متّى ومرقس، لا يهتمّ بعدم فهم أهل الناصرة ليسوع وقد جاء يزور موطنه. إنه يتطلّع إلى رسالة يسوع وما ستؤول إليه. فأوّل مرّة جعل يسوع يتكلّم في بداية عمله الرسوليّ، جعله يتنبّأ عن فشل رسالته لدى مجمل شعب إسرائيل. وهذا ما يفهمنا قساوة يسوع وهجومه. فكأنّي به يفترض في الأساس النوايا الشرّيرة لديهم: "لا شكّ. ستقولون لي هذا المثل: يا طبيب اشف نفسك. فاعمل هنا في وطنك ما سمعنا أنك عملته في كفرناحوم" (آ 23).

نجد هذا القول الشعبيّ (يا طبيب) في الأدب الربّاني. مثلاً في "التكوين العظيم": "يا طبيب، اشف نفسك من فالجك". ونقرأ تفسيرًا لرابي لاوي (حوالي سنة 300) حول كلمة لا 3:4: "اذا كان الممسوح بالزيت قد أخطأ... يجيب: الويل لمدينة كاهنها مريض في رجله بمرض النقرس".

حين يطبّق يسوع هذا المثل على أهل الناصرة فهو يعبّر في نظرهم عمّا هو ضروري لكي يتعرّفوا إلى يسوع: كما أنّ على الطبيب أن يستطيع تأمين الشفاء لنفسه ليحوز على ثقة زبائنه المقبلين وتقديرهم، فعلى يسوع أيضًا أن يبرهن على سلطانه الخلاصيّ أمام أهل بلده قبل أن يحاول ان يقنعهم. وإلاّ اية قيمة لكلمات النعمة الخارجة من فمه؟

إن التلميح إلى ما يمكن أن يكون يسوع قد صنعه في كفرناحوم يدهشنا في هذه المرحلة من تدوين الإِِنجيل، ولا يُفَهم من الوجهة التاريخيّة المحضة، لأن يسوع بدأ رسالته في الناصرة حيث هو الآن، ولأن الإِِنجيل لم يروِ لنا بعدُ شيئًا عن نشاطه في كفرناحوم. لا شكّ في أنّ آ 14-15 تحدّثاننا بصورة عامّة عن تعليم يسوع في الجليل. ولكن يبدو أن لوقا لا يشير هنا إلى نشاط سبق خطبة الناصرة. نحن بالأحرى أمام مقدّمة لمجمل الخبر الذي يلي. في الواقع، سيصوّر لنا لوقا عمل يسوع في كفرناحوم حالاً بعد حدث الناصرة (4: 31- 43= مر 1: 21- 39). إذن، إن 23:4 تستبق ما حدث في كفرناحوم. ونحن نفهم هذا بالنسبة إلى الطابع الذي به طبع لوقا مقطوعة الناصرة: إنّها برنامج عمله فيما بعد. وهذه المقطوعة لا تروي فقط الحدث الأوّل من رسالة يسوع كما حصل في الزمن، بل تشير بصورة رمزيّة إلى مجمل هذه الرسالة: كيف رذله شعب إسرائيل وكيف تقبّله الوثنيّون.

ولهذا يميل لوقا في هذا المشهد عينه إلى اظهار معارضة محاوري يسوع بشكل قاسٍ بقدر ما تبدو هذه المعارضة نموذجًا لموقف اليهود بصورة عامة. وإن هو أوجز في آ 22 ما قاله مرقس وخفّف من قوة ردّة الفعل عند أهل الناصرة، فقد احتفظ بالشيء الجوهريّ: عدم إيمانهم (مر 6: 16). كما صوَّر بصورة جذريّة بُعد قلة الإِِيمان هذا في فم يسوع نفسه. والأمر ملفت بصورة خاصة في الطريقة التي بها يُعيد قراءة نهاية خبر مرقس ويعيد تدوينها كليًّا. قال مر 6: 5- 6 أ: "وتعذّر على يسوع أن يصنع أية معجزة هناك، سوى أنه وضع يديه على بعض المرضى فشفاهم، وكان يتعجّب من قلة إيمانهم".

إن عدم قدرة يسوع العجائبيّة عند مرقس لم تكن في المخطط: إنها نتيجة عدم ايمان أدهش يسوع وقيَّده بشكل من الأشكال. أما عند لوقا فلا مجال إلى أن يعمل يسوع معجزة واحدة، مع أن أهل بلده طلبوا منه بوضوح. إن سؤال أهل الناصرة لدى مرقس يدلّ بالأحرى على أنهم لا ينتظرون شيئًا من "ابن مريم". ولكن الوضع يتبدّل عند لوقا. قالوا له: "فاعمل هنا في وطنك ما سمعنا أنك عملته في كفرناحوم" (آ 23).

ويعبر يسوع نفسه عن هذه المتطلبة. ولكن كلّ شيء يشير إلى أنه يوردها لكي يرفضها: هو لا يقدر أن يفعل أي شيء من أجل أهل البلدة، بل هولا يريد. وإن كان لا يريد، فهذا ناتج في نظر الإِِنجيليّ، عن رفض مجمل الشعب اليهوديّ بأن يتقبّل كلمات النعمة الخارجة من فمه، بأن يقرّ أن يسوع هو الذي يُتمّ مواعيد العهد القديم . ولكن هذا لا يمنع لوقا من أن يورد بعد هذا سلسلة من المعجزات تمّت فعلاً على يد يسوع من أجل إسرائيل، أكان ذلك في كفرناحوم أو في مكان آخر. ولكن لوقا يشدّد على أن يسوع لم يُرد بملء حريّته أن يعمل معجزة واحدة في بلدته، فيقدّم لنا تفسيرًا لاحقًا عن عمل يسوع كلّه: إن اسرائيل لن يستفيد من الخلاص الذي حمله إليه يسوع.

وتقدّم آ 24 جواب يسوع على الكلمات التي نسبتها آ 23 إلى محاوريه، ثم تبدأ إعلان آ 25-27. وهنا أيضًا قام لوقا بتصحيح آخر لنصّ مر 4:6 له معناه. كتب مرقس: "لا نبيّ بلا كرامة إلا في وطنه". فكتب لوقا: "لا يُقبل نبيّ في وطنه". لا يكتفي لوقا بأن يستعيد بطريقة شخصيّة المثل الذي أورده مرقس عن النبيّ، بل يشدّد على ما يقول فتحلّ لفظة "دكتوس" (مقبول) محل "أتيموس" (بلا كرامة). اختار لوقا "أتيموس" قصدًا، فعاد إلى نبوءة أشعيا التي ذكرت اعلاه وأعلنت سنة نعمة، سنة مقبولة (دكتوس) من عند الربّ (آ 19). المعنى واضح: إن زمن الخلاص الذي دشّن يسوع تتمّته (آ 21) بكلمات النعمة الخارجة من فمه (آ 23) لا يتحقّق لأهل الناصرة الذين لا يقبلون يسوع، حامل هذا الخلاص.

والمثل الشعبيّ الذي أورده مرقس والذي يجد في يسوع تطبيقًا بين تطبيقات عديدة، ويقابل ملاحظة مؤسفة ولكن لا مدلول خاصًا لها، اتخذ هنا شكل بلاغ لاهوتيّ. لم نعد أمام نبيّ (من الأنبياء) استهان به أقاربه، بل أمام النبيّ الذي أرسله الله إلى شعبه ليخلّصهم في هذا الوقت المحدّد من تاريخهم، ولكن هذا النبي لم يكن مقبولاً في بلده.

والنتائج عند لوقا أكثر خطورة مما عند مرقس: لم نعد أمام عجز عجائبيّ موقّت ومحدّد في حياة يسوع. فلوقا يفهمنا أن مجمل شعب إسرائيل ابتعد بصورة نهائيّة عن عمل يسوع الخلاصيّ، لفائدة الوثنيّين. وهذا ما يدلّ عليه وَلْيُ الخبر. نحن هنا أمام رؤية تستبق رسالة يسوع وترتبط بخبرة عاشتها الكنيسة بعد الفصح.

2- معنى الزيادات التدوينيّة وأبعادها

أ- خلاص يُعطى للوثنيّين (آ 25- 27)

إن آ 25- 27 هي خاصة بلوقا. دوّنها، فدلّت على تحوّل ظاهر في النظرة، وارتسمت في منطق تقديم كرازة يسوع التدشينيّة في الناصرة كما رآها لوقا. وهي تُقدّم أيضًا الجواب الإِيجابيّ والشامل على آ 23- 24. هنا رذل أهل الناصرة ابنَ بلدهم النبي يسوع، فكان تصرّفهم نذيرًا لتصرّف مجمل شعب إسرائيل. أمّا في آ 25- 27، فالتذكير بما أتمّ إيليّا واليشاع من معجزات من أجل غير اليهود (أي: الوثنيّون) ينبئ بخلاص سيحمله النبيّ يسوع إلى الوثنيّين.

لن نبحث هنا عن تحقيق لكلمات يسوع خلال رسالته على الأرض، وهي ستنحصر جوهريًّا في شعب اليهود ولن تتوجّه إلى الوثنيّين إلا في حالات استثنائيّة. هذا ما نقوله عن ممسوس الجراسيين (26:8- 39 وز) وضابط كفرناحوم (7: 1- 10 وز) والأبرص السامري (17: 11- 19، خاص بلوقا). لا شكّ في أن يسوع سيقول بأن ايمان الضابط يتفوق على الايمان الذي وجده في إسرائيل (7: 9؛ مت 8: 10) وأن السامري الذي شفي مجّد وحده الله (18:17). ولكن هذا لن يدفعه إلى نشر عمله بصورة عادية لدى الوثنيّين.

والعودة إلى إيليا وأليشاع لا توافق أيضًا الواقع التاريخيّ. فهما لم يحصرا عملهما في شعب إسرائيل، ولكنهما في الواقع بدأا عملهما لدى شعبهما. ولكن لوقا يحتفظ فقط بحدثين ساعداه على إبراز البُعد الشامل لعمل يسوع كما يتصوّره.

وعلى مستوى التعبير، فالتقديم اللوقاويّ يشدّد على الطابع النموذجيّ لهذين الحدثين ويعطيهما بعدًا استثنائيًّا لم يكن لهما في خبرَي كتاب الملوك. لا شكّ في ان إرسال إيليّا إلى أرملة صرفت صيدا ليؤمّن لها الطعام بصورة عجائبيّة وليقيم لها ابنها (1مل 7:17- 24) وشفاء نعمان السوري على يد أليشاع (2 مل 5: 1- 27) يدلاّن على أن قدرة إله إسرائيل وصلت من ذلك الوقت إلى الوثنيّين فنعموا بها. ولكن لا شيء في هذين الخبرين يفترض أن معجزتي هذين النبيّين تتضمّنان شيئًا يدلّ على أن إله إسرائيل يفضّل الوثنيّين على اليهود. فأليشاع سيصنع عجائب كثيرة من أجل أبناء أمته، ويقيم خاصة إبن الشونمية (2 مل 4: 8- 37).

غير أن لوقا يقدّم هاتين المعجزتين وكأن الله يفضل الوثنيّين على اليهود. قال: "كان في إسرائيل كثير من الأرامل في إسرائيل: وما أرسل الله إيليّا إلى واحدة منهنّ، بل أرسله إلى أرملة في صرفت صيدا. وكان في اسرائيل كثير من البرص في زمن النبي أليشاع، فما طهّر الله أحدًا منهم إلاَّ نعمان السوريّ". وُضعت هذه الكلمات في فم يسوع فدلّت، انطلاقًا من مثلين خاصين، على أن نبيَيْ العهد القديم لم يصنعا معجزات إلا من أجل غريبين عن شعب اسرائيل، لا من أجل الكثير من ابناء شعبهما الذين احتاجوا إلى تدخلهما.

والنتيجة الخفيّة هي أن يسوع نفسه، وهو النبيّ الذي لم يقبله أهل بلده، لن يمارس في النهاية خدمته إلا لدى الوثنيّين. وهكذا يرى لوقا لاهوتيّ التاريخ، أن حياة يسوع على الأرض والأقوال التي قالها والأفعال التي قام بها حقًا وسط شعبه، لم تحمل إلى هذا الشعب الخلاص الذي سينعم به الوثنيّون. إن مقطوعة الناصرة تصوِّر مسبقًا ما وصلت إليه رسالة يسوع الذي كان يتوقّع استقبالاً أكثر حرارة وايمانًا.

ورفض يسوع أن يصنع معجزة واحدة من أجل بلده، مع أنه سيصنع في كفرناحوم. فوطنه ومجمل الشعب اليهوديّ لم يرَ فيه النبيِّ الذي يُتمّ اليوم مواعيد الكتب المقدّسة، لهذا فهو لن يرى تحقيق هذه المواعيد التي ستتعدّى حدود إسرائيل وتمتدّ إلى العالم كلّه. وسيصوّر لوقا مسيرة هذه البشارة في سفر الأعمال. قد بدأ بطرح الفكرة في بداية الإِِنجيل، وستكون الذروة في ما سيقوله بولس لليهود في رومة: "أُرسل خلاص الله هذا إلى الوثنيّين وسيستمعون إليه" (أع: 28: 28).

ب- إعلان مصير يسوع المأساويّ (آ 28- 30).

ودوّن لوقا نهاية المقطوعة (آ 28- 30) فأنبأ بالمصير المأساويّ الذي يُنهي عمل يسوع على الأرض. ما أراد أهل وطنه أن يستقبلوه. بل هم حاولوا أن يزيلوه: "فلمّا سمع الحاضرون في الجمع هذا الكلام امتلأوا غضبًا (ردّة فعل مماثلة ضدّ اسطفانس في أع 7: 54). فقاموا ودفعوه إلى خارج المدينة..." ففي طرد يسوع العنيف خارج مدينة الناصرة، أراد لوقا أن يقدّم صورة مسبقة عن موت يسوع مهانًا ومصلوبًا خارج مدينة أورشليم. سنجد هذا الموضوع في مَثَل الكرّامين القتلة. أرسَل اليهم صاحبُ الكرم ابنه الحبيب، فرموه خارج الكرم وقتلوه (15:20؛ مر 8:12). منذ بداية حياة يسوع العامة، يركّز لوقا انتباه القارئ على النهاية: الموت الخلاصي للذي سيسمَّى يومًا ملك اليهود (23: 33).

"وجاؤوا به الى حافة الجبل الذي كانت مدينتهم مبنيّة عليه ليلقوه عنه. لكنّه مرّ من بينهم ومضى". يمكننا أن نتساءل: أما يدلّ الخلاص الذي نعم به يسوع هذه المرّة على الحماية التي يؤمنها الربّ للصديق في مز 91: 11-12؟ "يوصي ملائكته بك ليحفظوك في كل طرقك. على أيديهم يحملونك لئلا تصدم . بحجر رجلك". روى لوقا في 9:4- 12 أن الشيطان عاد إلى هذه الكلمات الكتابيّة خلال التجربة الثالثة ليدفع يسوع إلى أن يرمي بنفسه عن شرفة هيكل أورشليم. ولكن يسوع رفض أن يجرِّب الربّ الإِِله.

ما نقرأه في لوقا هنا هو صدى لهذا المشهد، وهو يبيّن أن يسوع يملك في ممارسة رسالته سلطانًا امتنع عن استعماله حين طلب منه الشيطان ذلك. وإلى أن تأتي الساعة الحاسمة (53:22؛ رج يو 7: 30، 44؛ 59:8؛ 10: 39) سينجو من أبناء بلده. ولكن الطريق التي تبعها ستقوده في النهاية إلى أورشليم ليموت فيها (9: 51، 53؛ 13: 22، 33؛ 17: 11؛ 19: 28).

أمّا هو فجاز (مرَّ) بينهم. نستطيع أن نقرأ هنا بإيجاز ما فعله المسيح النبيّ. أمّا أع 38:10 فيعبّر عن هذا المرور بايضاح: "مسحه الله بالروح القدس والقدرة، فمرّ وهو يعمل الخير ويشفي جميع الذين استولى عليهم ابليس، لأن الله كان معه ".

3- تعليم يتوجّه الينا اليوم

قد نظنّ أننا بعيدون عن موقف أهل يسوع. ولكن غالبًا ما يكون تصرّفنا مثل تصرّفهم دون شعور منّا.

- نحسب أن يسوع هو لنا وفي الوقت عينه نرذله.

- نعجب بكلمات النعمة الخارجة من فمه، ولكننا لا نعمل شيئًا لكي تتحقّق فينا اليوم، فنترك مناسبة الخلاص تمرّ دون أن نستفيد منها.

- قد نشهد ليسوع ولكننا لا نفهم تعليمه ولا ندخله في حياتنا.

- لا نسمّيه "ابن يوسف" بل "ابن الله " ولكننا في الواقع نتجاهله.

- قد ننتظر منه أن يضع قدرته في خدمة مصالحنا، وإن لم يفعل عارضناه "ولم نقبله".

- نتعبّد لابن الله، ولكنّنا نرفض النبيّ الذي يوجِّه إلينا كلمة الله.

وهكذا نصل، نحن المسيحيّين، إلى ما وصل إليه اليهود من أهل يسوع. رفضنا الإِِنجيل فتوجّه إلى غيرنا وكنا نعتبرهم غرباء ووثنيّين. مثل هذه النظرة تُدهشنا وتملأنا غضبًا. لا نستطيع أن نزيل يسوع، نحاول ان ننكر اليقين، نحاول أن نقتل الكلمة التي يوجّهها إلينا الانبياء اليوم. ولكن يسوع يمرّ في وسطنا ويمضي. يسير في طريقه بعيدًا عنّا نحو أناس آخرين سيستمعون إليه. وحين نغلق آذاننا عن الإِِنجيل، لا نقدر أن نمنع انتشاره خارج كنائسنا. والمخرج الوحيد بالنسبة إلينا هو أَن نترك اليقينات الكاذبة والمخاوف التي تقيّدنا. والطريقة الوحيدة تقوم بأن نتبع يسوع في طريقه إلى أورشليم، في طريقه إلى الآلام والمجد.

www.paulfeghali.org/index.php?page=books&chapter_id=95&page_id=548

 

عزرا يقرأ كتاب الشريعة

"نحميا" الفصل : 8

واَجتمعَ الشَّعبُ كُلُّهُ بقلبٍ واحدٍ في السَّاحةِ التي أمامَ بابِ المياهِ وقالوا لعزرا الكاهنِ والعالِمِ بالشَّريعةِ، أنْ يُحضِرَ كتابَ شريعةِ موسى التي أمرَ بِها الرّبُّ بَني إِسرائيلَ.

فأحضرَ عزرا الكاهنُ كِتابَ الشَّريعةِ أمامَ جميعِ الشَّعبِ الرِّجالِ والنِّساءِ والأولادِ القادرينَ على الفَهْمِ. كانَ ذلِكَ في اليومِ الأوّلِ مِنَ الشَّهرِ السَّابعِ.

وقرأَ عزرا في الكتابِ أمامَ السَّاحةِ التي أمامَ بابِ المياهِ، مِنَ الصُّبحِ إلى نِصفِ النَّهارِ، وكُلَّهُم آذانٌ صاغيةٌ إلى كتابِ الشَّريعةِ.

وقامَ عزرا على مِنبرٍ مِنْ خشَبٍ مصنوعِ لهذا الغرضِ، ووقفَ مَتَّثْيا وشَمَعْ وعنايا وأورِيَّا وحِلْقِيَّا ومَعَسيا عَنْ يمينهِ، وفدايا وميشائيلُ وملْكِيَّا وحَشومُ وحِشْبَدَّانةُ وزكريَّا ومَشُلامُ عَنْ يَسارِهِ.

وفتحَ عزرا الكتابَ بمرأى مِنْ جميعِ الشَّعبِ لأنَّهُ كانَ فوقَ الشَّعبِ كُلِّهِم، فوقفوا جميعُهُم.

وباركَ عزرا الرّبَّ الإلهَ العظيمَ، فأجابَ جميعُ الشَّعبِ: "آمينَ. آمينَ!" وهُم رافعونَ أيديَهُم، وركعوا أمامَ الرّبِّ وسجدوا لَه بوجوهِهِم إلى الأرضِ.

ثمَ وقفوا في أماكنِهم وأخذَ اللاَويُّونَ يشوعُ وباني وشرَبْيا ويامينُ وعَقُّوبُ وشَبْتايُ وهُودِيَّا ومَعْسِيا وقَلِيْطا وعزَرْيا ويوزابادُ وحنانُ وفلايا واللاَويُّونَ يُفسِّرونَ لهُمُ الشَّريعةَ.

فقرأوها في كتابِ شريعةِ اللهِ وترجموها لهُم وفسَّروا معناها.

وكانَ الشَّعبُ كُلُّهُم يَبكونَ عِندَ سَماعِ كلامِ الشَّريعةِ. فقالَ لهُمُ نحَمْيا الحاكمُ، وعزرا الكاهنُ والعالِمُ بالشَّريعةِ، واللاَويُّونَ الذينَ كانوا يفسِّرونَ لهُم الشَّريعةَ: "هذا يومٌ مُقدَّسٌ للرّبِّ إلهِكُم. لا تنوحوا ولا تبكوا".

وقالوا لهُم: "إذهبوا كُلوا ما طابَ لكُم واَشربوا ما حلا، ووزِّعوا مِنه حِصصًا على مَنْ لم يكُنْ عِندَهُ، لأنَّ اليومَ يومٌ مقدَّسٌ لربِّنا. ولا تحزنوا، فالفَرحُ المُعطَى مِنَ الرّبِّ يُقوّيكُم".

وكانَ اللاَويُّونَ يُهدِّئونَ الشَّعبَ بقولِهِم: "أُسكتوا لأنَّ اليومَ يومٌ مقدَّسٌ ولا تحزنوا".

فاَنصرفَ جميعُ الشَّعبِ ليأكلوا ويشربوا ويوزِّعوا حِصصًا مِمَّا يأكلونَ ويشربونَ، وليفرحوا فرَحًا عظيمًا، لأنَّهُم فهِموا الكَلامَ الذي تعلموهُ.

 

www.paulfeghali.org/index.php?page=bible&section_id=43&chapter=8