جماعة "روح وقـوّة "                             دير الملاك جبرائيـل

  

"مدعوّون للسير في العمق " (لوقا 5، 4)

"ايها المخلّص، يا من أرسله الآب ليكشف حبَّه ورحمتَه للبشر،

هب لكنيستك شبابًا مستعدّين للسير "في العمق".

"سر في العمق"هي الكلمات التي بها دعا يسوع الرسل لإلقاء شباكَهم.

قال لبطرس: "سر في العمق".

وثق بطرس وباقي الرسل بكلمة المسيح وألقوا شباكهم، والنتيجة كانت "صيد عجائبي"!

وقال يسوع لبطرس: "لا تخف ستكون بعد اليوم صياد بشر".

"مدعوّون للسير في العمق"، هي الجمله التي عليها سنحتفل بيوم الدعوات

وهي مناسبة للتفكير في الدعوة لاتباع المسيح،

ولاتّباعه بنوع خاص في الكهنوت والحياة المكرّسة.

"سر في العمق".... وللسير في العمق

علينا السير في حياة الصلاة العميقة والتأمل في كلمة الله.

فصدق الحياة المسيحية يقاس بعمق روح الصلاة.

وروح الصلاة فنٌّ نتعلّمه من فم المسيح نفسه،

عندما نطلب منه ما طلبه الرسل: "يا رب، علّمنا أن نصلّي" (لوقا 11، 1).

وفي الصلاة يتعمّق فينا الحوار مع المسيح

وندخل معه في علاقة حميمة: "أثبتوا فيّ كما أثبتُ فيكم" (يوحنا 15، 4).

وهذه العلاقة المصليّة مع المسيح تؤهّلنا لاكتشاف وجوده معنا

حتى في فترات الفشل الظاهر،عندما ينتابنا الشعور أن عملنا دون فائدة،

كما حصل مع الرسل الذين تعبوا طوال الليل وقالوا: "يا معلّم لم نصد شيئًا" (لوقا 5، 5).

هذه هي اللحظات التي يجب أن نفتح فيها قلبنَا للنعمة

ونسمح لكلمة الفادي أن تعمل فينا بكل قوّتها.

"سر في العمق".... ومن يفتح قلبه للمسيح يفهم،

ليس فقط سرّ حياته بل سرَّ دعوته، ويعطي ثمار نعمة رائعة.

وأوّل هذه الثمار هو النموّ في القداسة في مسيرة روحية

تبدأ بالمعمودية وتسير الى ملئها بحياة المحبة الكاملة.

فالمسيحي الذي يعيش الإنجيل بكامل متطلّباته، يستطيع أن يحب كما أحب المسيح

الذي قال: "كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي كامل" (متى 5، 48).

كما يلتزم برباط الوحدة مع إخوانه المؤمنين في حضن الشراكة الكنسيّة،

ويضع نفسه في خدمة التبشير الجديد، ليُعلن ويشهد لمحبة الله الخلاصية.

أيها الشباب الأعزاء، أوجّه إليكم بنوع خاص دعوة المسيح "للسير في العمق".

فأنتم يجب أن تأخذوا قرارات مصيرية لمستقبلكم.

أذكرُ لقاءاتي الكثيرة معكم خلال زياراتي الرعوية لمختلف الكنائس.

فقد قابلت الكثير منكم: منهم من أصبحوا آباء وأمهات،

ومنهم من أصبحوا كهنة ورهبانًا وراهبات، وصاروا معلّمون لغيرهم في الإيمان.

رأيتُ الشباب فرحين كما ينبغي أن يكون الشباب،

لكنني وجدتُ فيهم أيضًا تساؤلات، لكونهم يبحثون عن معنى لحياتهم.

فهمتُ قوّة الرغبة التي تسكن قلوب الشباب في الحصول على قيم الروح،

كما فهمتُ صدق رغبتهم في القداسة.

يحتاج الشباب إلى المسيح، ويعلمون أن المسيح أراد أن يكون هو أيضًا بحاجة إليهم.

أيها الشباب والشابات الأعزاء، ثقوا بالمسيح.

استعموا لتعاليمه، ثبّتوا نظرَكم في وجهه،

ثابروا على سماع كلمته،

دعوه يهديكم في بحثكم وفي تمنياتكم وفي رغبات قلبكم.

وأتوجّه الآن، إليكم أيها الأهل والمربين المسيحيين،

وإليكم أيها الكهنة والمكرَّسين ومربّي الإيمان.

فقد عهد إليكم الله بمهمّة السير بالشباب في طريق القداسة.

كونوا لهم مثالاً في الأمانة السخيّة للمسيح.

شجّعوهم على الاّ يتردّدوا في "السير في العمق" وأن يتجاوبوا دونما تردّد مع دعوة المعلّم.

فهو يدعو البعض الى الحياة العائلية والبعض الآخر إلى الحياة المكرّسة أو الى الكهنوت.

ساعدوهم كي يروا ما هي الطريق التي يدعوهم الله إليها،

كي يصبحوا أصدقاء وتلاميذ حقيقيّين للسيد المسيح.

فعندما يُظهر البالغون وجهَ المسيح بكرمهم ومثلهم،

يمكن للشباب أن يقبلوا رسالة المسيح المُلزمة، والممهورة بعلامة الصليب.

ثم لا تنسوا أننا بحاجة اليوم أيضًا إلى كهنة قديسين، وإلى أنفس سخية مكرّسة لخدمة الله.

لذا أريد أن أكرّر: "يجب وضع تصوّر لعمل راعوي خاص بتنشيط الدعوات،

عمل يصل إلى الرعايا والمدارس والعائلات،

عمل يعرض تفكيرًا عميقًا حول قيم الحياة الأساسيّة،

قيم تجد كمالها في التجاوب مع نداء الله،

لاسيما عندما يكون هذا النداء موجّهًا نحو التكريس الكامل لخدمة الملكوت".

أكرّر لكم أيها الشباب: " سيروا في العمق".

أقول ذلك وأتذكر ما قالته مريم العذراء للخدم في عرس قانا الجليل:

"أفعلوا ما يأمركم به" (يوحنا 2، 5).

ايها الشباب الأعزاء، إن المسيح يطلب منكم أن تسيروا في العمق،

والعذراء تشجعكم على عدم التردّد في اتباعه.

فلتصعد من جميع أنحاء العالم، مدعومة بشفاعة مريم العذراء،

صلاةٌ حارة إلى الآب السماوي كي "يرسل عملة إلى كرمه".

ليعط الرب كنائسه في العالم كهنة غيورين قديسين.

وبهذه المشاعر نتوجه إلى المسيح، الكاهن الأعظم

ونقول له بثقة متجدّدة:

يا يسوع، يا ابن الله الذي فيه يسكن ملء اللاهوت
أنت تدعو المعمّدين الى "السير في العمق"
وإلى اتباع طريق القداسة
إزرع في قلب الشباب الرغبة
في أن يكونوا شهودًا لقوّة محبّتك في عالم اليوم
إملأهم من بروح القوّة والحكمة
كي يكتشفوا الحقيقة الكاملة عن ذواتهم وعن دعوتهم

أيها المخلص، الذي أرسله الآب ليكشف محبته الرحيمة
هب كنيستك شباًبا مستعدّين للسير في العمق
ليكونوا وسط إخوتهم
علامة لوجودك الذي يجدّد ويخلّص

أيتها العذراء الكلية القداسة، يا أم المخلّص
يا أيها المرشد الأكيد في الطريق نحو الله ونحو القريب
أنتِ ما من حفظت الكلمة وتأمّلتيها في قلبك
اسندي بشفاعتك القديرة
العائلات والجماعات الكنسية
كي تساعد الشباب أن يجيبوا بقلب كبير على دعوة الرب
- آمين.

عن رسالة قداسة البابا يوحنا بولس الثاني ليوم الدعوات 2005
 الفاتيكان بتاريخ 11/8/2004