جماعة "روح وقـوّة "     دير الملاك جبرائيـل

  

الفرنسيسكان ودورهم في لبنان منذ القرن الثالث عشر

الدكتور بيار مكرزل

جريدة النهار اللبنانية

في ذكرى مرور 800 سنة على تأسيس الرهبنة الفرنسيسكانية، وكان الاحتفال بها في لبنان يوم الخميس 19 شباط 2009 بتجديد دير الفرنسيسكان في طرابلس - الميناء، الذي تأسس سنة 1858. يلقي هذا المقال الموجز الضوء على الدور الذي لعبه الرهبان الفرنسيسكان في لبنان منذ القرن الثالث عشر.

تأسست الرهبنة الفرنسيسكانية في الشرق سنة 1217. وبعد قدوم القديس فرنسيس الى القدس سنة 1219-1220، انتشر الرهبان الفرنسيسكان وأسسوا أديرة في معظم مدن بلاد الشام، في القدس، في يافا، في عكا، في بيروت، في انطاكيا، في صيدا، في صور، في طرابلس وفي طرطوس.

استمرت مدينة القدس، بعد استيلاء صلاح الدين الايوبي عليها سنة 1187، باستقطاب الحجاج المسيحيين. وفي سنة 1228-1229، نتيجة للمفاوضات بين السلطان الكامل والملك فريديريك الثاني، حصل الحجاج الغربيون على المزيد من التسهيلات لزيارة المدينة. سنة 1244، سقطت المدينة بأيدي الخوارزميين، وفي سنة 1260، ضمّها المماليك الى دولتهم واصبحت تحت حكم نائب دمشق. وفي أواخر القرن الثالث عشر، وفقاً لشهادة المرسل الدومينيكاني ريكولد دو مونتي كروشي، الذي زار المدينة سنة 1288، كانت معظم دور العبادة المسيحية مهجورة، متروكة، وآثار الدمار والخراب منتشرة في كل أرجائها.

سنة 1291، سقطت آخر المدن التي كانت تخضع للحكم الصليبي بأيدي المماليك، وتالياً زال الحكم الصليبي في الشرق. وبرغم ان فكرة تنظيم حملة صليبية جديدة لاستعادة أورشليم بقيت راسخة في أذهان بابا روما وملوك الغرب، الا أن المصالح التجارية بين الغرب والشرق كانت أقوى. وصدرت مجموعة قرارات عن بابا روما لقطع أي اتصال بين المسيحيين في الغرب والمسلمين المقيمين في البلاد الخاضعة لحكم السلطان، وتتضمن تهديدات بالحرم للمخالفين. ولم يمض وقت طويل حتى عاودت المدن التجارية الاوروبية صلتها بسلطان مصر وأرسلت السفراء الى القاهرة لعقد معاهدات صلح تسهيلاً للتبادل التجاري. وسنة 1302، أرسل حاكم مدينة البندقية سفيراً الى السلطان الملك الناصر محمد لمعاودة التجارة ومنح الامتيازات للتجار البنادقة الذين يقصدون مصر، فاستجيب. وفي سنة 1304، سمح السلطان للبنادقة بإرسال سفنهم التجارية الى موانئ بلاد الشام. ايضاً، في بداية القرن الرابع عشر، أقام جاك الثاني، ملك أراغون، علاقات ودية مع السلاطين المماليك: بين 1300 و1330، ارسل ثماني بعثات دبلوماسية الى القاهرة من أجل عقد اتفاقات تجارية ومطالبة السلطان ان يحسن معاملة المسيحيين المقيمين في البلاد الخاضعة له، وان يسمح للحجاج المسيحيين بزيارة الارض المقدسة وخصوصاً كنيسة القيامة في القدس.

ويعتبر الملك جاك الثاني اول من فاوض السلاطين المماليك لمعاودة نقل الحجاج الى الارض المقدسة بعد سنة 1291. نتج من هذه المفاوضات السماح لرعايا ملك أراغون بزيارة الاماكن المقدسة في فلسطين. وفي سنة 1322، سمح لإثني عشر راهباً دومينيكياً من كاتالونيا بالاقامة في القدس، ولكن قليلاً في ما بعد تم استبدالهم برهبان فرنسيسكان من مملكة أراغون. من جهة أخرى، ساهم تدخل ملك نابولي والتفاهم مع السلطان في دعم عودة الفرنسيسكان الى القدس، ومعاودة الحج وممارسة العبادة في الاماكن المقدسة. وأدت المفاوضات الى مجموعة من الاتفاقات الرسمية بين سنتي 1335 و1337 سمح بموجبها للرهبان الفرنسيسكان بالاقامة في فلسطين وشراء اراض في الاماكن المقدسة. ونالت هذه الاتفاقات موافقة البابا كليمنضوس السادس، وعيّن الرهبان الفرنسيسكان الممثلين الوحيدين للاكليروس اللاتيني في البلاد الخاضعة لحكم السلطان، وأوكلت اليهم مهمة خدمة الكنائس والمزارات المقدسة في فلسطين: كنيسة القيامة في القدس، كنيسة المهد، كنيسة قبر العذراء، العلّية التي إختبأ فيها التلاميذ الاثنا عشر حيث ظهر عليهم الرب يسوع المسيح بعد قيامته من الموت. كما، والى فلسطين، عاد الرهبان الفرنسيسكان الى بيروت وتولوا خدمة كنيسة المخلص.

لماذا اختار الرهبان الفرنسيسكان العودة فقط الى الارض المقدسة والى بيروت ولم يحاولوا العودة والاقامة في المدن الساحلية لبلاد الشام حيث كانوا خلال القرن الثالث عشر؟

يرتبط وجود الفرنسيسكان في الارض المقدسة وبيروت بعملية تنظيم نقل الحجاج المسيحيين على متن السفن التجارية التي كانت تؤمّن الاتصال والتبادل التجاري بين الغرب والشرق. وكانت مدينة البندقية من أبرز المدن الاوروبية التي خصصت سفن أسطولها التجاري لنقل الحجاج الى الارض المقدسة، نظراً الى المكاسب المالية والارباح التي تجنيها من الحجاج. ومع تطور العلاقات التجارية بين مدينة البندقية والسلطنة المملوكية في خلال القرن الرابع عشر، ولا سيما بعد سنة 1370 إثر توقيع معاهدة صلح بين القوى المسيحية في الغرب والسلطنة المملوكية، تمت اعادة التجديد والتنظيم لخطي ملاحة بحريين يصلان البندقية ببيروت وبالاسكندرية، لذلك، اصبح لزاماً على الحجاج الاختيار بين هذين الخطين. وابتداء من منتصف القرن الخامس عشر، نظمت البندقية خطاً بحرياً اضافياً لنقل الحجاج الى يافا. وعلى هذا الاساس، نسق الرهبان الفرنسيسكان مع البنادقة الحج الى الارض المقدسة. وسمح السلطان للرهبان الفرنسيسكان بالعودة الى فلسطين والى بيروت، وللحجاج بالتجوال بحرية في بلاد الشام ومصر وزيارة الاماكن المقدسة، ضمن اطار تحسّن العلاقات مع الغرب المسيحي والتطور والنمو في التبادل التجاري بين اوروبا والسلطنة المملوكية عبر البحر المتوسط.

في بيروت، استعاد الرهبان الفرنسيسكان ديرهم وكنيسة المخلص، وقاموا بمهمة الاهتمام بالحجاج الاوروبيين الذين كانوا يمرّون في مدينة بيروت قبل توجههم الى فلسطين. كما عمل الرهبان الفرنسيسكان على توطيد العلاقات مع السكان المحليين، فأصبح الفرنسيسكان في القرن الخامس عشر صلة الوصل بين الكنيسة الكاثوليكية في الغرب والكنائس الشرقية في بلاد الشام. سنة 1440، عيّن البابا أوجين الرابع، أنطوان دو ترويا قاصداً رسولياً لدى الموارنة والنساطرة والسريان والملكيين في بلاد الشام باستثناء الارض المقدسة. شملت ايضاً مهام القاصد الرسولي اقامة علاقات مع الدروز في جبل لبنان: سنة 1444، عاد أنطوان دو ترويا الى روما ومعه وفد من الموارنة والدروز. وهدف الكرسي البابوي في روما تثبيت سلطته في بلاد الشام من خلال تعيين ممثل له في شكل دائم، ولذلك تأسست قصادة رسولية لتنظيم العلاقات مع الموارنة والسريان والملكيين والدروز، تولاها الراهب بيار دي فرّارا من دير الفرنسيسكان في بيروت.

ابتداء من النصف الثاني من القرن الخامس عشر، اتخذت العلاقات بين الفرنسيسكان والموارنة طابعاً خاصاً: سنة 1470، أفاد الحاج انسيلمي أدورنو، الذي زار دير الفرنسيسكان في بيروت، أنه رأى الأخ غريفون، الراهب الفرنسيسكاني المرسل من روما لدى الموارنة، ومعه البطريرك الماروني مرتدياً ثوب الرهبنة الفرنسيسكانية. وسنة 1480، زار الحاج جوس فان غيستل دير الفرنسيسكان في بيروت وذكر أن الموارنة كانوا يشاركون الرهبان الفرنسيسكان في كنيسة المخلص: الطابق السفلي للموارنة والطابق العلوي للفرنسيسكان.

بفضل الفرنسيسكان، قويت العلاقات بين الموارنة وكنيسة روما. وبعد وفاة الأخ غريفون سنة 1475، عيّن البابا الأخ ألكسندر أريوستو قاصداً رسولياً لدى الموارنة لمدة ثلاث سنوات. وسنة 1513، ارسل البطريرك الماروني شمعون الحدثي الراهب الفرنسيسكاني مرقس الفلورنسي، رئيس دير بيروت، الى روما لطلب الطاعة والتثبيت من البابا. وسنة 1515، عين البابا الراهبين الفرنسيسكانيين فرنشسكو سوريانو، رئيس دير بيروت، وفرنسيس دو بوتنزا قاصدين رسوليين لدى الموارنة.

وتبدو من خلال هذه الامثلة أهمية الدور الذي لعبه الرهبان الفرنسيسكان في بيروت بين المسيحيين الشرقيين والكنيسة الكاثوليكية في الغرب، ونجحوا في التمهيد لاتحاد الكنيسة المارونية مع روما ابتداء من سنة 1439. لم تكن النشاطات والاعمال التي قام بها الفرنسيسكان في بيروت مقصورة الفائدة على المسيحيين، بل اقاموا ايضاً علاقات ود ومحبة مع السكان المسلمين، يعطون مثلاً صالحاً للحياة المشتركة بين المسيحيين والمسلمين زمن كانت العلاقات بين الغرب المسيحي والشرق الاسلامي تتعرض لانتكاسات تؤدي الى مواجهات عسكرية تنعكس سلباً على الوجود المسيحي اللاتيني (رهبان وتجار أوروبيون) في المدن الخاضعة لحكم السلطان.

بعد عودتهم الى الشرق في القرن الرابع عشر، لم يكن التبشير الهدف الرئيسي للرهبان الفرنسيسكان، لذلك لم يحاولوا تبشير المسلمين بل اكتفوا بالعيش بسلام وعملوا على ترسيخ علاقتهم بهم على اساس الثقة والاحترام ومحبة الآخر. وأبرز ما يميّز الرهبنة الفرنسيسكانية، انها الرهبنة الوحيدة التي يتضمن قانونها نصاً يفسّر بوضوح العلاقة بين الرهبان والمسلمين، ويدعو الرهبان الى العيش بسلام في الاماكن التي يحكمها المسلمون بعيداً عن النزاعات والخصومات.

يعطي فرنشيسكو سوريانو، رئيس دير الفرنسيسكان في بيروت في أواخر القرن الخامس عشر، بعض الامثلة على ما بين الفرنسيسكان والمسلمين في بيروت: كان المسلمون في بيروت يظهرون احتراماً كبيراً لكنيسة المخلّص. كانوا يقصدون الدير، يعرضون مشاكلهم على الرهبان، يستشيرونهم، يطلبون منهم أن يذكروهم في صلواتهم ويقدمون نذوراً للدير. اذا مرض أحدهم، لا يترددون في دخول حديقة الدير لأخذ الأعشاب المباركة من الرهبان وإعطائها للمريض املاً بشفائه. وكان السكان المقيمون قرب الدير ينتظرون زيارة الرهبان لحدائقهم وبساتينهم لمباركة الأشجار وثمارها. وكانوا يعتبرون ان البيت الذي يدخله راهب فرنسيسكاني تحل فيه البركة، وعند بناء بيت جديد كان صاحبه لا يدخله قبل أن يطلب من أحد الرهبان أن يباركه ويرشه بالمياه المقدسة.

تظهر هذه الامثلة التي ذكرها فرنشيسكو سوريانو الاحترام والاجلال والتقدير من سكان بيروت المسلمين للرهبان الفرنسيسكان. هؤلاء كانوا رمزاً للقداسة وكانوا يؤمّنون خدمة كنيسة المخلص، التي كانت للمسيحيين وللمسلمين مكاناً حصلت فيه أعجوبة في القرن الثامن (سيلان الدم من أيقونة يسوع المصلوب) واستمرت في ذاكرة سكان بيروت عبر التاريخ.

إن طريقة عيش الرهبان الفرنسيسكان، وقدوتهم الحسنة، ساهمتا في خلق هذا المناخ من الاحترام والتقدير من قبل سكان بيروت. فالرهبان الفرنسيسكان كانوا الاوروبيين الوحيدين الذين نجحوا في إعطاء نموذج للعيش المشترك القائم على الثقة، والإلفة، والاحترام بين الغربيين والشرقيين بعيداً عن الكراهية وفكرة الحرب التي كانت لا تفارق عقول الحكام في الغرب والشرق، فكان الوجود الفرنسيسكاني في بيروت حالة فريدة ومميزة في الشرق في العهد المملوكي. بقي الرهبان الفرنسيسكان في بيروت حتى سنة 1571. فبعد  استيلاء الاتراك على قبرص، ونتيجةً للحروب بين الاتراك والقوى المسيحية الاوروبية، اضطر الرهبان الى مغادرة بيروت مع التجار البنادقة المقيمين في المدينة والتوجه الى حلب. هجروا نهائياً ديرهم وكنيسة المخلص. تركوا بيروت ولكنهم لم يتخلوا عن رسالتهم في لبنان. سنة 1582، عادوا الى مدينة طرابلس وبنوا ديراً.

في بداية القرن السابع عشر، تظهر المصادر انه لم يكن اي كاهن في بلدة حريصا، فبين سنتي 1612 و1625، كان راهب فرنسيسكاني يتردد الى حريصا لتأمين الخدمات الروحية والرعوية. في سنة 1628، بتشجيع الامير فخر الدين ومباركة البطريرك الماروني يوحنا مخلوف، أسس الفرنسيسكان ديراً لهم في محلة الرويس درعون. بعد حوالى ست سنوات، اضطر الرهبان الفرنسيسكان ان يغادروا ديرهم ويرحلوا من كسروان بعد ان اسر الاتراك الامير فخر الدين واقتادوه الى اسطنبول. كان سبب ترك الفرنسيسكان لكسروان اندلاع موجة الاضطهادات ضدّ الذين كانوا يدعمون الامير فخر الدين ومقرّبين منه: كان بين مستشاري الامير فخر الدين إثنان من الرهبان الفرنسيسكان، احدهما أوجين روجيه طبيب الامير الخاص.

ومن ديرهم في درعون، انتقل الفرنسيسكان الى دير مار يعقوب في إهدن الذي اعطاهم إيّاه البطريرك الماروني يوحنا سنة 1632. في النصف الثاني من القرن السابع عشر، فكر الرهبان الفرنسيسكان في العودة الى درعون وبناء دير جديد سنة 1671، لكن المشروع توقف بسبب وفاة الأب بطرس دي لبرا الذي كان موكلاً اليه تنفيذه. سنة 1681، بوشر العمل من جديد على شراء ارض وبناء دير في منطقة درعون، فوهبهم الشيخ سنتو بن فياض الخازن ارضاً في حريصا. وفي شهر تشرين الثاني من السنة ذاتها انتهى بناء دير وكنيسة مار انطونيوس البادواني. سنة 1699، صدر قرار عن المجمع المقدّس ان يكون هذا الدير مدرسة لأجل عشرة مرسلين يقيمون في الدير، يدرسون اللغة العربية ويساعدون الطائفة المارونية في الامور الروحية.

في القرن التاسع عشر، مع عودة الارساليات المسيحية باندفاع الى الشرق، استعاد الفرنسيسكان نشاطهم الرعوي وانطلقوا مجدداً حاملين رسالتهم، التي أساسها حب الله والآخر، الى مختلف المناطق اللبنانية. عادوا الى صيدا سنة 1827، الى بيروت سنة 1830، الى طرابلس سنة 1849، والى صور سنة 1866.

سنة 1849، أسّس الفرنسيسكان مدرستين للصبيان وللبنات في مدينة طرابلس، وسنة 1852، وبدعوة من الموارنة، أقام الفرنسيسكان في منطقة الميناء لتوفير الخدمات الروحية للمسيحيين الكاثوليك. سنة 1856، بوشر العمل في بناء كنيسة ودير في طرابلس الميناء، وتمّ انجازهما سنة 1858.

اعطى الرهبان الفرنسيسكان، منذ قدومهم الى لبنان في القرن الثالث عشر حتى اليوم، شهادة الحياة المسيحية، وكانوا علامة حيّة على حضور الله اينما حلوا، عاملين على نشر المحبّة والأخوّة والإلفة بين كل اللبنانيين على اختلاف طوائفهم وانتماءاتهم. أينما انوجدوا اعطوا اعمالهم ومؤسساتهم زخماً من روحهم، ودفقاً من صلابة عزيمتهم. وبهذا الإيمان، وبهذه العزيمة، خرج الرهبان الفرنسيسكان فَعَلَة غيارى في حقول الرسالة المتعدّدة، هدفهم بناء مجتمع من النواحي الروحية والإنسانية والإجتماعية والفكرية.