جماعة "روح وقـوّة "     دير الملاك جبرائيـل

  

الحب والصداقة

الأصدقاء

" الفم العذب يكثر الأصدقاء، واللسان اللطيف يكثر المؤانسات.

   ليكن المسالمون لك كثيرين، وأصحاب سرّك من الألف واحدا.

   إذا اتخذت صديقا فاتخذه عن خبرة ولا تثق به سريعا.

   فان لك صديقا في يومه، ولكنه لا يثبت في يوم ضيقك.

   وصديقا يصير عدوا فيكشف عار مخاصمتك.

   وصديقا يشترك في مائدتك، ولكنه لا يثبت في يوم ضيقك.

   يكون نظيرك في أموالك، ويتخذ دالة بين أهل بيتك.

   لكنّه إذا انحططت، يكون ضدك ويتوارى عن وجهك.

   تباعد عن أعدائك واحذر من أصدقائك.

   الصديق الأمين معقل حصين، ومن وجده فقد وجد كنزا.

   الصديق الأمين لا يعادله شيء، وصلاحه لا موازن له.

   الصديق الأمين دواء الحياة، والذين يتقون الرب يجدونه.

   من يتق الرب يحصل على صداقة صالحة، لان صديقه يكون نظيره" (ابن سيراخ 6: 5- 17)

منذ وُجد الإنسان وُجدت معه الصداقة، إذ تئن أحشاؤه الداخلية طالباً من يستريح إليه. يودّ أن يجد من يحبه بحق بلا أنانية، يحبّه فوق كل الظروف دون أن يطلب لنفسه نفعا ماديا أو اجتماعيا أو عاطفيا أو معنويا، علانية أو خفية.

هذه الصداقة يتعطش إليها الكل، حتى المتعجرفين والدكتاتوريين الذين يتسمون بجفاء المشاعر.

إذا رأى الرب عطش الكلّ إلى الصداقة، تقدّم إلينا كصديق ليُشبع عاطفة الحب، فنقبل صداقته ونصادقه. تقدّم إلينا كصديق الهي خلاله نصادق الناس ونقبل صداقتهم. وكصديق مثالي فيه نفهم الصداقة ونتذوقها ونمارسها...

يا لعظمة الصداقة

* "الصديق الأمين دواء الحياة". (ابن سيرخ 6: 16)

لا يوجد علاج مؤثر في شفاء الأوجاع مثل الصديق الصادق الذي يعزيك في ضيقاتك، ويدبرك في مشاكلك، ويفرح بنجاحك، ويحزن في بلاياك. من وجد صديقا هكذا فقد وجد ذخيرة. فالصديق الأمين لا شبيه له، فوزن الذهب والفضة لا يعادل صلاح أمانته (انظر ابن سيراخ 6: 14، 15)

* بحق ليكن لك صديق تدعوه " نصف نفسي".

* ليست دعوة للحب أعظم من أن تبادر بالحب.

* لا توجد صداقة حقيقية، ما لم تجعلها كوصلة تُلحم النفوس، فتلتصق معا بالحبّ المنسكب في قلوبنا بالروح القدس.

* لا يوجد علاج مؤثر لشفاء الآلام مثل الصديق الصادق الذي يعزيك في ضيقاتك. (القديس اغسطينوس)

* إذا عجزت عن أن تكون غنيّا بالله، فالتصق بمن يكون غنيّا به، لتسعد بسعادته، وتتعلم كيف تمشي حسب أوامر الإنجيل.  (القديس باخوميوس)

الله نفسه يجعلنا أصدقاء عوض كوننا عبيدا، إذ بنفسه يقول:" أنتم أحبائي إن فعلتم ما أمرتكم به". أعطانا مثالا للصداقة كي نتبعه.

يلزمنا أن نحقق رغبة الصديق (الرب يسوع)، ونكشف له أسرارنا التي نحتفظ بها في قلوبنا، ولا نتجاهل ثقته. لنريه قلوبنا فيفتح قلبه لنا. لذلك يقول: قد سميتكم أحباء، لأني أعلمتكم بكل ما سمعته من أبي". إذن الصديق إن كان صديقا حقا لا يُخفي شيئا، بل يسكب نفسه، كما يسكب الرب يسوع أسرار أبيه.

هكذا من يفعل إرادة الله هو صديقه، ويتكرم بهذا الاسم. هذا الذي له فكر واحد معه هو أيضا صديقه إذ توجد وحدة فكر بين الأصدقاء. وليس أحد مكروه أكثر من إنسان يسيء إلى الصداقة. (القديس امبروسيوس)

يرى الأب ثيؤفلاكتيوس في الصداقة التي قامت بين بيلاطس وهيرودس من أجل قتل السيد المسيح بعد العداوة التي كانت بينهما توبيخا لنا، فان الشيطان وحّد بين المتخاصمين لتحقيق هدفه الشرير، أما نحن فننقسم على أنفسنا عوض الوحدة من أجل خلاص النفوس. أما القديس امبروسيوس فيرى في هذه الصداقة بين العدوين إشارة إلى الوحدة التي صارت بين شعب إسرائيل والشعوب الأممية، خلال موت المسيح بقبول الكل كأعضاء في كنيسة العهد الجديد.

الصداقة غاية الوصية الإلهية

* "وأما غاية الوصية فهي المحبة من قلب طاهر، وضمير صالح، وإيمان بلا رياء" (1 تي 1: 5) لكن أي نوع من المحبة يتحدّث عنها الرسول؟ المحبة الخالصة التي لا تقوم على كلمات مجردة، إنما تنبع عن الميل الداخلي والوجدان والعاطفة، إذ يقول: "من قلب طاهر" فالحياة الشريرة تجلب انقسامات، لان كل من يعمل السيئات يُبغض النور" (يو3: 20). حقا توجد صداقات حتى بين الأشرار فالقتلة واللصوص يحبون بعضهم البعض، لكن ليس من ضمير صالح ولا من قلب طاهر، إنما من قلب دنس، ليس من إيمان بلا رياء، وإنما من إيمان باطل مراءٍ. - القديس يوحنا الذهبي الفم

أنواع الصداقات

عرض الأب يوسف في حديثه مع القديس يوحنا كاسيان لموضوع "الصداقة" فذكر عدة صداقات تقوم على أسس غير التمتع بالسيد المسيح، هدفها ليس خلاص الأصدقاء. هذه الصداقات مؤقتة تزول بزوال مسبباتها أو بعامل الزمن.

*  توجد أنواع كثيرة من الصداقات والمصاحبات بين البشر بطرق مختلفة من جهة رباطات الحب.

فالبعض يدخلون في تكوين علاقة تعارف يليها علاقة صداقة خلال معرفة سابقة وأخرين يرتبطون برباط حب بعد الدخول في صفقات أو اتفاقات تجارية.

والبعض يتحدون معا في صداقة بسبب التشابه ووحدة العمل أو العلم أو الفن أو الدراسة، الأمر الذي يجعل حتى النفوس الشرسة تشفق على بعضها البعض. فنرى الذين في الغابات والجبال يتلذذون باللصوصية، ويشغفون بسفك الدم، يحتضنون شركاءهم في الجرائم، يهتمون ببعضهم البعض.

لكن يوجد نوع آخر من الحب، فيه يكون الاتحاد نابعا عن دوافع طبيعية وبسبب رابطة الدم، مثل الرباط الذي بين أفراد القبيلة الواحدة، أو الرباط بالزوجات والآباء والأخوة والأبناء، إذ لهؤلاء تمييز  خاص عند الإنسان عن غيرهم. وهذا الأمر لا نجده في البشرية فقط بل وبين كل الطيور والحيوانات. فعند الخطر تدافع(الطيور والحيوانات) عن صغارها بدافع طبيعي،حتى أنهم لا يخشون التعرض للخطر والموت من اجلها. حقا حتى هذه الأنواع من الحيوانات والحيات و الطيور التي تنعزل بعيدا عن غيرها بسبب شراستها المهلكة أو سمّها المميت مثل الأفاعي والثور الوحشي والنسور، بالرغم من أنه يقال حتى عن نظراتها أنها خطيرة على كل إنسان، لكنها لا تؤذي بعضها البعض، بل يوجد فيما بينها سلام ومشاعر صداقة بسبب وحدة أصلهم.

هذه الأنواع كلها من الحب التي نتحدث عنها عامة ، توجد بين الصالحين والأشرار، وبين الحيوانات المفترسة والثعابين، وهي لا تدوم إلى الأبد! غالبا ما تفسد وحدتهم وتنكسر بسبب البعد المكاني، أو بسبب عامل النسيان بحكم الزمن، أو بسبب المضايقات في التعامل والاحتداد في الكلام. فإذ تقوم هذه الأنواع على أساس النفع الخاص أو الرغبات أو بسبب القرابة أو التشابه في العمل، لذلك متى انتهت هذه الظروف بطلت الألفة.

* اتحاد الصداقة الأكيد الذي لا ينحل هو الذي يكمن بين المتشابهين في الصلاح وحده... بهذا يكون الحب غير مغشوش بين من لهم هدف واحد وفكر واحد ليشاءوا أو يرفضوا نفس الأمر معا.

* الاتحاد يتم بالله وليس بالمكان... ولا يمكن للسلام الثابت أن يبقى متى اختلفت الإرادة بين الناس.      الأب يوسف

*  لكي تكونوا مخلصين أمام الله، وبلا عثرة أمام الناس، إلى يوم المسيح، فان صداقات كثيرة للبشر يمكن أن تضرّهم، حتى إن كانت لا تضركم أنتم، فقد يتعثر بها الغير."إلى يوم المسيح"، أي حتى توجدوا أتقياء، غير معثرين لأحد.  

القديس يوحنا الذهبي الفم

وقد لخص القديس اكليمنضس الاسكندري الصداقات في ثلاث أصناف:

1.  صداقة تقوم على أساس إيماني روحي، فيه يحب الإنسان ويصادق من أجل الله أو من أجل الحب ذاته.

2.  صداقة أساسها إنساني اجتماعي نفعي، ماديا أو معنويا.

3.  صداقة أساسها حيواني شهواني.

أولى هذه الأنواع وأعظمهن هي التي تأتي كثمرة للفضيلة، لأنه الحب المتأسس على الذهن (للروح) ثابت.

ثانيها والمتوسط هو الذي يقوم على أساس المكافأة وهو اجتماعي متسع ومفيد للحياة، لان الصداقة هنا تقوم على أساس نفعي مشترك.

ثالثها واقلهم وهي طلب الصداقة القائمة على أساس المودة (اللذة)، وهي تحتمل أشكالا متنوعة قابلة للتغير، تقوم على اللذة.

سؤال للتفكير:  وأنا.... اي نوع من الصداقة أعيشها ؟ 

                                            www.rosary-cong.com