من هو هذا الذي يشفي كلّ مرض؟

يجيب الأب جان باول اليسوعي (John Powell, S.J.) في كتابه "إنه استوقفني" ((He touched me،

الذي نقله إلى العربية المطران بولس الصياح،

عن هذا السؤال المهم من خبرته الشخصية ككاهن ومعالج نفساني.

 

أصبحت أستاذا ناجحا، وكاتبا ناجحا، ومحاضرا ناجحا. ففاح عالمي كله برائحة البخور. ولكنّي كنت أحس أن غيوما تتلبد في داخلي، وتنمو فيّ بذور أزمة. أما جذور تلك الأزمة فكانت تعود إلى أنّي قاربت الأربعين وفي نفسي توق إلى تحقيق ما يعطي حياتي معنى أعمق. لقد برهنت أن بإمكانك أن تنجح، ونجحت مرّة تلو المرّة. والآن إلى أين؟ ماذا يمكنك أن تفعل إذا شئت ألا تتوقف؟ لقد اعتاد الناس أن ينتظروا منك عملا مميّزا في الصف وفي قاعة المحاضرات، ومن على منبر الكنيسة. ولكن ماذا يعني كل ذلك في النهاية؟

إنّي أتذكر بوضوح كيف كانوا يقدموني إلى الجموع، وكم كانت كلماتهم الحلوة تدغدغني فتدفعني من جديد لأحاول أن أكون على قدر ما كانوا يتوقعون، وكانوا دائما يتوقعون مني الكثير الكثير. كثرت عليّ الدعوات وتعدد الذين كانوا يريدون تقاسمي، فثقل العبء، ورحت أعطي من وقتي ومن جهدي ما أحدث لي ضيقا في نفسي، لأنه كاد يحول دون لقائي مع ذاتي. قال أحدهم يوما: "الكاهن بالنسبة إلى شعب الله أشبه بمضخة المياه لأبناء البلد. كلاهما منفعة عامة، وكلاهما دائما حاضر للاستعمال. أحسست في الحقيقة أني كنت "استعمل"، ولم يعد التبجيل ولا عبارات الشكر القديمة تكفي لتخفـّف من أثقال أتعابي.

إلى أين كانت تلك الأمور تقودني، وما كان سيحل فيّ، لست أدري. إن للمساومة طريقتها في تأمين استمراريّتها. ولكن الأمر غدا الآن مختلفا بالنسبة إليّ. لأن الله الكليّ الرحمة والطويل الأناة وسِيَر تاريخ البشر قد دخل تاريخ حياتي من جديد، ومن مدخلين رئيسيين. "ها إني من جديد أحس بك وألتقيك". وُضعت في خط جديد، او قل ارتدادا حصل في حياتي وتغيّرتُ في العمق من خلال خبرتين إثـنتين.

دعاني أحد أصدقائي إلى حلقات وتمارين تطبيقيّة في موضوع "الاتصال"، وذلك لمدّة اسبوع كامل. وأعطاني كُتَيّبا يعد بأن هذه الحلقات "ستجعل المشتركين يتعرّفون بصدق إلى عواطفهم". أذكر أن ردّة فعلي كانت مخيفة. ولكني عدت حالا وطمأنت نفسي أنني على اتصال تام بعواطفي. وفي اقتراع سريع فزت على نفسي بصوت مقابل لا شيء، واتـّفـَقت مع نفسي أنه ليست فيّ حاجة الى مثل تلك الحلقات. أخيرا، وبعد إلحاح من صديقي، وافقت على الذهاب "فقط لأرى ما الذي يقومون به في مثل تلك الحلقات". فأتت النتيجة ثورة "كوبرنيكيّة" قلّبَت حياتي فقلبتها رأسا على عقب.

فكّرت في نتائج ذلك الأسبوع، فبدا لي واضحا أنّي كنت أغشّ نفسي بنفسي فيما يخص عواطفي ودوافعي وأهدافي. كنت أحاول دائما أن أقول لعواطفي كيف يجب أن تكون، رافضا أن أسمح لها أن تظهر هي على حقيقتها. وكنت منشغلا أحاول أن أكون في المجتمع كاهنا قدّيسا، فحبست حقيقتي عن الناس. كنت ألعب دور الكاهن، أدور كالاسطوانة أقول للناس ما سجّلته في نفسي خلال سني تدريبي. لم أقل للناس أبدا كيف أشعر في الحقيقة، بل أخفيت ذلك حتى عن نفسي.

لا يمكنني أن أتوقف هنا لأتحدث عن هذا المنعطف الهام في حياتي. فذلك سيستغرق كتابا كاملا. ويسرّني أن أقول أن هذا الكتاب قد أنجز. أحسست يوما أني أريد أن أشرك الآخرين في خبرتي، فكان كتابا عنوانه: "لماذا أخشى أن أقول لك من أنا؟" (Why Am I Afraid to tell you who I am?) أذهلني نجاحه. فما من شك أنه لدى العديد من الناس، كما لديّ، حاجة إلى أن يقبلوا عواطفهم ويعبروا عنها بصدق.

وإني أذكر هذه الخبرة هنا لأنها تركت أثرا عميقا على مسيرتي في الصلاة. والوعي العاطفي، الذي أحاول الآن أن أتفهمه وأعيشه، هو في أساس طريقة صلاتي الحاضرة. آمل أن أشرح ذلك بشكل أوضح لاحقا.

عندما كنت أتعلم كيف أفيد عمليا من الوعي الذاتي الذي خبرت، قادني الله إلى المنعطف الثاني في تلك الفترة من حياتي. كنت أحاول أن أساعد سيدة تتخبّط في وضع نفسيّ مرضي، وطال ذلك بضع سنوات. قدّرت، منذ البداية، أن العمل معها سيكون طويلا، وأن الجهود، في النهاية، لن تثمر إلا القليل من الارتياح والتقدم في مجابهة الحياة. وبما أني تعوّدت النجاح وكنت أشعر دائما بحاجة إلى ما يثبت لي ذلك النجاح بسرعة، كنت أجد صعوبة كبرى في التعامل مع أمثال هؤلاء. فالنتائج تبدو بطيئة جدا وتفتقر إلى الثبات حتى بعد أن تتحقق. خلال الساعات الطوال الصعبة التي قضيتها مع تلك السيدة، بدا لي أمر واضح، وهو أن رغبتي في محبّة شعب الله وخدمته ستمتحن بقساوة. وما حلمت يوما أن الله الذي يخط خطوطا مستقيمة بخطوط مُلتوِية، سيجعل من تلك السيدة سبيلا لنعمته إليّ.

خلال السنوات المتعددة التي كنت فيها أحاول مساعدة تلك السيّدة، كانت حياة الصلاة عندي تتابع مسيرتها في طريق منحدر. وكنت أتعجب بل أضحك من نفسي أمام المسافة بين غنى الكلام الجميل الذي كنت به أتفوّه، وفقر الطريق الذي كنت أسلك في حياتي. فآلام المناقضات في الحياة أشبه بآلام ثنائية الرؤيا ترى شيئين، وبعد برهة تبدأ تتساءل أي منهما حقيقة، أو إذا كان كلاهما وهما. كنت قد بدأت أعي ذلك، مع أني كنت أسوّف الوعي النهائي لواقع المساومة عندي، لأني كنت على يقين أن الوعي سيفرض عليّ أعباء تلمذة جديدة مكلفة.

كانت تلك السيدة آنذاك تأتي وتذهب، وقلقها هو هو؛ منغلقة على ذاتها، تخشى القرار، وفي نفسها ألم كبير. فلاحظت أنها لا تزال متعبة مكبّلة كما أتتني في البداية. لقد فشلت! وبما أنّي أكره الفشل، أحسست باشمئزاز وغضب.

في أواخر ذاك الصيف، وقبل بدء الدراسة الجامعيّة، دق جرس الهاتف فسمعت صوت صديقتي المضطربة. عرفت أنها ستطلب موعدا آخر وأنني سأتكلم معها وهي تردد المشاكل عينها، وكأنها مقاطع من أغنية واحدة لا نهاية لها. ولكن كم يحلو للروح أن يفاجئنا. فالصوت الذي سمعت كان صوتها ولكنه كان غير ذلك أيضا. شعرت أن فيه سلاما جديدا، فسألت أكثر من مرّة أهي المتكلمة أم سواها. فقالت لي بهدوء أنها لا تريد مني موعدا، لأنها تأبى أن تزعجني، وأن تأخذ بعد من وقتي الثمين! وهدف المكالمة كي تقول: كم هي شاكرة لصبري ومساعدتي لها خلال تلك السنوات الثلاث.

لم أصدق أذني. كان في صوتها تعمّق صدق، وتساءلت كيف أن مثل هذا التغيير المفاجئ يحدث في واقع الحياة.

فقلت لها: "لقد تغيّرت، أليس كذلك؟"

أجابتني: "نعم".

فسـألت: "ما الذي حصل؟"

-   "لقد التقيت المسيح"

-   "إلتقيت المسيح!"

-   "سمعت عنه في الماضي، أما الآن فأنا أعرفه".

-   أتقولين لي أنك رأيت رؤيا؟"

-   "لا، لم أر رؤيا، إني التقيت المسيح حقا".

-   "لا أعرف هل تريدين مقابلتي أم لا، ولكني أريد أنا أن ألتقي بك من جديد".

وعندما وصلت إلى مكتبي، تحققت عيناي مما ظننت أنني سمعت. إنها سيدة تعافت تماما. أنا لا أريد أن أقلل من قدر مساهمة علم النفس أن ينصب ذاته مخلصا أو فاديا. فالعلاج النفسي لا يستطيع أن يقوم مقام حياة الايمان. وما من عالم نفسي يمكنه أن يَعِد مريضا بمثل هذا الشفاء، بمثل هذه "الوحدة الداخلية" الجديدة. وما من جراحة تستطيع أن تمحو آثار الجراح النفسية التي نحمل في ذواتنا. فمن المعالجة النفسية ما يريح الانسان القلق، ومنها ما يساعده على التأقلم وتطوير قدرات جديدة، ولكن... هذا كله لا يستطيع شفاء الانسان المريض في عمق نفسه. هذه السيدة الجالسة أمامي تعبّر عن امتنانها وتدّعي أنها التقت يسوع المسيح وشفيت، هي تعرف تلك الحقيقة، وأنا كذلك أعرفها.

بكل تواضع وتجرّد أخبرتني قصتها. لقد تلقت دعوة إلى اجتماع صلاة، فقررت الذهاب، لا لأنها تريد أن تصلي، ولكن ليمكنها القول أنها جرّبت كل شيء، حتى اجتماعات الصلاة. ولكنها لم تكن مهيأة لما استهلّ به المسؤول عن ذلك الاجتماع إذ قال موجها إلى كل من الحاضرين بمفرده:

"لقد حضرنا إلى هنا الليلة لنصلي. فإذا كان في قلبك رغبة في الصلاة أرجوك أن تبقى معنا. نحن نريد حضورك بل فينا حاجة إليك. ولكني أشعر أن من بين الحاضرين من دفع بهم الفضول إلى الحضور، فقط لكي "يتفرّجوا" على اجتماع صلاة. فإذا كان هذا سبب حضورك، وإذا لم يكن قلبك مستعدا لمشاركتنا في التطلع نحو الله، فأود، بكل احترام، أن أطلب إليك ترك الاجتماع".

يا إلهي! هذا هو القرار الأول، قالت لي: "قررت البقاء، وملت بنظري بعيدا عن الباب الخارجي، لأحصر كل انتباهي بالله، ثم سمعت أحد المسؤولين يحث الناس على "الانفتاح" على الله:

" افتحوا أبواب نفوسكم كلها والشبابيك لله.

   لا تبقوا أيّة غرفة مقفلة أو مغلوقة بوجهه.

   دعوا المسيح يتسلم القيادة.

   إن عمق الايمان هو الذي يحرر، وقدرة الله رهن بإرادتكم إفساح المجال لله كي يوجّه حياتكم.

   ضعوا حياتكم بين يديه".

في العهد الجديد كلام في "زمن" الله في تاريخ البشرية وحياة الأفراد. إسهروا وصلوا، يحثنا المسيح، لأن لا أحد يعرف ساعة مجيء الرب. أنا تعلمت أن أؤمن بذلك بثبات وقوّة، بعد أن خبرته في حياته مرات عديدة. وأنا على يقين أن تلك السيدة كانت تختبر لحظة من "زمن" الرب في حياتها. أحسست أنها عاجزة عن إدارة حياتها بنجاح، لذا قرّرت، بدعوة من أفراد الجماعة المُصلّية، أن تفتح للمسيح نفسها وحياتها، وتجعل له مقاما في عالمها. سلّمت ذاتها إليه من دون شروط. أخذ كلامها على محمل الجدّ، فقبل تقدمتها وقبلها هي في مصافي أبنائه.

ومما قالت لي: "إنني من سنوات عديدة أشعر بأنّ بين الله وبيني حائطا سميكا وعاليا. كنت أقذف بتقادمي الصغيرة فوق الحائط، آملة أن أجد في الجهة الثانية من يتلقاها، فما كانت تقادمي شخصيّة ومرضية، ولكنّي ظننت أن تلك كانت أقصى حدود رجائي".

"في تلك اللحظة ربما لأن الكل في الجماعة كان يصلي للكل- انهار ذلك الحائط بطريقة ما! وشعرت كأن يسوع يقف هناك باسطا يديه يضمّني إليه. وكانت تلك المرة الأولى التي شعرت فيها بحقيقة المسيح".

وبينما كانت السيدة تتابع الكلام عن زمن الرب في حياتها، كان الله، بشكل عجيب، على موعد معي أنا. كنت أحاول بنهم أن أتذكر كل قصص الله في حياتي، ذاك المساء الذي كنت فيه أركز المركع في مكانه، وتلك اللحظة التي قلب فيها حياتي رأسا على عقب. كما أني تذكرت أيضا تلك الليلة التي تقدم مني فيها واستوقفني.       

فبعد ما تحدثنا معا طيلة فترة ما بعد الظهر، طلبت إلى السيدة صديقتي أن تعود في المساء لتنضم إلى تجمع لطلابي الجامعيين. أتت بكل سرور، وبكل سرور أيضا خبـِرت تأثيرها على طلابي. وطلبت إليها فكلمتهم عن المشاركة في اجتماعات الصلاة، ودعتنا جميعا إلى اختبارها. ولو لم تفعل لبدا ذلك وكأنه إضاعة لمناسبة جميلة. فأغمض الجميع عيونهم، وأحنوا رؤوسهم، وراحوا يصلون. وكنا نناجي الله بصوت عال فيصغي كلّ إلى حديث الآخرين معه. كانت تلك محاولتي الأولى ولم أكن مرتاحا، وكان في نفسي بعض الصدأ.

في نهاية السهرة قال لي أحد الطلاب المشاركين: "أتعرف ما كنا نعمل؟ كنا جميعا نمثل، وحدها تلك السيدة كانت صادقة، إنها في الحقيقة تعرف المسيح، أليس كذلك؟".

- "نعم" أجبته، "وهل تعلم أنها لم تتعرّف إليه إلا حديثا؟".

- "ماذا؟!".

ربيع لنفسي

في الأيام التالية، بدأت أصلي بعمق جديد. من الصباح الباكر حتى هبوط الظلام، موعد نومي. كنت أدعو المسيح إلى بيتي، إلى كل غرفة منه. ورحت أؤكد له أنني على استعداد أن أقرّ بإفلاسي، بعدم قدرتي على توجيه حياتي، وعلى اكتشاف الفرح والسلام لوحدي. وكنت أدعو الروح دائما كي يهدم الجدار من حولي ويحطم السّياجات والحواجز التي أمضيت سنين في بنائها. سألته أن يحرّرني من عادة المنافسة التي تتملّكني، ويشفيني من الجوع الدائم إلى النجاح ومن حب رائحة البخور وعطور التبجيل.

  ما بدأ يحدث في حياتي فجأة آنذاك يمكن مقارنته فقط بزمن الربيع. أحسست وكأنّني أمر في ظلمة شتاء طويل قارس. فقلبي وروحي عاشا قحط الطبيعة وعريها في فصل الشتاء. أما الآن، وفي زمن ربيعي هذا، فأشعر الحياة تدبّ في عروق نفسي، والدم يتدفق فيّ من جديد، وجمال الإزدهار عاد يبهج عالمي.

مرة جديدة شعرت وكأنني وضعت على عيني نظارات جديدة، فانجلت أمامي أمور متعددة كان يلفها الغموض. فمن دون إيمان حيّ يبدو العالم غريبا مخيفا، وحياة الإنسان فيه تتحوّل إلى مبارزة شاقة يصمد فيها الأقوى. ومن خلال الرؤيا الإيمانيّة يظهر العالم دافئا ومحبا. إنه عالم الله، يتحول فيه البشر من أناس يهدّد أحدهم الآخر إلى أخوة وأخوات لهم أب واحد هو الله وأخ مشترك هو المسيح.

أترى الذي يجول في نفسي نفحة من عند الله، أم هو تطوّر يشرحه علم النفس كحدث طبيعي؟

الإنسان قبل أن يستوقفه الله يكون شيئا، وبعد ذلك يصبح كائنا آخر. حتى عندما لا يكون التغيير دراماتيكيا، فاختبار حضور الله يترك أثرا لا يمحى. إن العواطف الهيّاجة وإيحاءات اللاوعي تجيء وتمضي، أما "زمن الرب" فثابت أبدا.

الإنسان الذي انفتح على الله يتحول، بفضل ذلك، أكثر فأكثر، إلى ما يشبه الله. أن يصبح أكثر حبّا، لأن "الله محبة". وموهبة الحب هي أعظم مواهب الروح.       

مجموعة "روح وقـوّة"                                                                                                                         ديـر المـلاك جـبــرائيـل