جماعة "روح وقـوّة "                             دير الملاك جبرائيـل

  

"عدم الإيمان – الإيمان التقليدي – الإيمان"

خبرة حياة لقدس الأب يوحنا - نادر بشوتي

الثلاثاء 10.03.2009، فندق العين - الناصرة

أرغب في الحديث اليوم عن خبرة حياتي: الإنتقال من مرحلة عدم الإيمان – الإيمان التقليدي – إلى الإيمان. (لن أتحدّث عن إنتقالي من الإيمان إلى أن أصبحت كاهنًا فهذه خبرة أخرى يطول الحديث عنها). سأبدأ بالحديث عن حياتي الخارجيّة ثمّ سأنتقل إلى الحياة الداخليّة مرورًا بالتّحوّل.

إسمي نادر بشوتي. وُلدت بحيفا. وأنا في الوقت الحاضر كاهن متزوّج اسمي في الكهنوت يوحنّا. بدأت حياتي الإبتدائيّة في مدرسة راهبات النّاصرة في حيفا. كنت أعاني من ضُعف في الذّاكرة حتّى أنّني لم أستطع القراءة حتّى وصولي إلى الصفّ الرابع. حاول أبي تلقيني الحروف العربيّة ولكنّني حال وصولي إلى الحرف "ث" كنت أعاني في القراءة. كان أبي يغضب ويتّهمني بالغباء قائلا لي: لا جدوى منك، في النّهاية ستأخذ صنعتي "مَوَسرجي". كنت أجيبه لا بأس ولكن أتركني وشأني. كانت اللغات عائقا حقيقيا، عندما كنت أقرأ جملة وأصل إلى نهايتها أنسى ما جاء في بدايتها (هذا العسر لا يزال لدي حتى اليوم). في الصفّ الرابع بدأت أقرأ، إحدى المعلّمات العبريّات نصحتني في القراءة ببطء حتّى أفهم ما أقرأ. وساعدتني أيضًا على مشكلة كتابة الكلمات ملتصقة بعضها ببعض، طلبت منّي أن أضع إصبعي بين الكلمات حتّى أحافظ على مسافة بينها. كنت أتسابق دائمًا على المرتبة الأخيرة في السنوات الأربعة الأولى من التعليم الإبتدائي. وقناعتي الوحيدة كانت هي أنّني سأصبح "موسرجي". بالإضافة إلى ذلك لم أكن محبوبًا بتاتًا بين زملائي في المدرسة، والسّبب الرّئيسي في ذلك أنّني كنت أنسى أسماءهم جميعًا.

وصلت إلى المرحلة الإعداديّة، معلّم الطّبيعة لاحظ العسر في ذاكرتي ولكن لاحظ معه أيضًا قدرتي الفذّة في تحليل الأمور. وفي يوم ما عانقني وقال لي: "أنت تستطيع، عليك أن تقرأ ببطء وأن تفهم ما تقرأ". أخذت بنصيحة هذا المعلّم، المسائل الرياضيّة التي اعتاد زملائي على قراءتها خلال خمسة دقائق كنت أحتاج لخمسة عشرة دقيقة لفهمها ولكن بعد ذلك إستطعت الوصول إلى الحلول الصّحيحة بسرعة فائقة. أدركت بأنّ رأي أبي ليس صحيحًا وأنّني حقّا أستطيع. لا شكّ بأنّني سأواجه صعوبة في اللغات بسبب الضّعف في الذاكرة ولكنّ لديّ قدرة على التّحليل. كلمة "أنت تستطيع" بقيت عالقة في ذهني حتّى الآن حتّى أنّني أصبحت أومن بهذه الحقيقة. في تلك الفترة كان المعلّمون يحبطون الطلاب، وكانوا يفضّلون الطالب "الشاطر" عن غيره وكأنّ هذه الميزة حصل عليها بمجهوده، هذا أدّى إلى تمرّدي على جميع المدرّسين ولم أصغِ إلى أيّ منهم عندما كانوا يتحدّثون عن ذكائي أو عن قدراتي العلميّة. لهذا أستطيع الحديث عن قصّة حياتي كاملة بدون الإفتخار بأيّ من الإنجازات التي حققتها وصولي إلى لقب "بروفسور كامل"، وهذه نعمة من الله فهو من خلقني ذكيا وبالتّالي أصبحت بروفسورًا. وأنا أومن أنّ كلّ إنسان يستطيع أن يكون بروفسورًا في أحد المواضيع ولكن عليه أن يكتشف هذا الموضوع.

أراد أبي أن أنتسب إلى مدرسة الروم – "الارتذكسية" في حيفا لأنّها كانت في تلك الفترة من أرقى المدارس في حيفا. تقدّمت إلى إمتحان الدّخول في اللغات والرّياضيات، حصلت في الرّياضيات على علامة مئة وأمّا اللغات ففشلت في جميعها. ولكن كان لأبي معارف فاستطاع أن يدخلني إلى تلك المدرسة. في المدرسة حصلت على علامات كاملة في المواضيع العلميّة أمّا في اللغات فقد استطعت الحصول على علامات كافية بعد جهدٍ جهيد (عن طريق النقل أحيانًا). ولكن وضعت نصب عينيّ أخي داوود الذي كان يقوم بأطروحة الدكتوراه في التخنيون. وكان أيضًا يتردّد في مسامعي صوت ذلك المعلّم الذي قال لي يومًا "أنت تستطيع"، فأردت أن أتمرّد على المجتمع وعلى كلّ من حولي من الذين كانوا يقولون لي "أنت لا تستطيع" وأردت أن أثبت لجميعهم بأنني أستطيع بالرّغم عن "أنوفهم جميعًا". ومن ناحية أخرى، كان مثلي الأعلى أخي فأردت أن أذهب في أعقابه وأن أصل إلى "الدكتوراه" كما فعل هو. بقيت عيناي موجّهتان نحو هذا الهدف، سعيت إليه بكلّ قوّتي، حاولت أن أجد أيّة طريقة لأتغلّب على ضعف ذاكرتي. أنهيت دراستي الثانويّة في مدرسة الرّوم بتفوّق في المواضع العلميّة أمّا المواضيع الأدبيّة فبالكاد إستطعت أن أنجح بها، ولكن كان كافيًا لأن أُقبَل في التخنيون.

في التخنيون سعيت إلى هدفي: حصلت على اللقب الأوّل بإمتياز في موضوعَي الحاسوب والرياضيات. وتابعت دراستي حتّى حصلت على اللقب الثاني في الحاسوب بامتياز. وأخيرًا وصلت إلى هدفي: "الدكتوراه" حيث كان من المفروض أن أنهيَ أطروحة الدّكتوراه خلال ثلاث أو أربع سنوات ولكنّني استطعت الحصول على اللقب خلال سنتين. ليس هذا فقط، فعندما أنهيت أطروحة الدّكتوراه كان بحوزتي ثلاث مقالات علمية نشروا في أكبر مؤتمر في الكمبيوتر. فعندما أنهيت الدّكتوراه طلب منّي القسم أن أعمل في التخنيون كمحاضِر وهذا كان من النّادر حدوثه، فعادة كان يطلب ممّن ينهي دراسته للقب الثالث أن ينتقل إلى جامعة أخرى للحصول على خبرة إضافيّة هناك، ولكن بما أنّني أنهيت الدّراسة بامتياز سُمِح لي بأن أعمل محاضرًا مباشرة بعد حصولي على اللقب الثالث. من بعد هذا اللقب أردت أن أنتقل إلى بلد آخر للحصول على خبرة إضافيّة لمدّة سنتين، فقدّمت طلبًا لعدّة أماكن في الخارج، فذهبت إلى كندا. قبل حصولي على لقب الدّكتوراه بستّة شهور تزوّجت نادرة حدّاد وحال انتهائي من الدّكتوراه ذهبنا سويًا إلى كندا. بكندا وضعت أمامي هدفًا آخر وكان هذا حين حاول أحد الأشخاص معايرتي حيث قال لي "لا تعتقد أنّك وصلت إلى أعلى المراحل فلا يزال أمامك العديد من الألقاب الأكاديميّة (محاضر، محاضر متقدّم، بروفسور صديق، وبروفسور كامل) تحتاج على الأقل اثنتي عشرة سنة للحصول عليها". قبلت التّحدّي، أنهيت الدّكتوراه عندما كنت أبلغ الثامن والعشرين من عمري خلال ستّ سنوات استطعت الوصول إلى الدّرجة الأخيرة والحصول على لقب بروفسور كامل، بعد سنة اقترحوا عليّ أن أصبح رئيسًا للقسم فرفضت مفضّلا أن أستمر في الأبحاث والتّحليل بعيدّا عن الإجتماعيّات والسياسة... بعد عام من حصولي على الدّرجة الأخيرة حصلت على أعلى منحة بكندا، وسُمِحَ لي بالسّفر حيثما شئت ومتى شئت. وصلت إلى المقدّمة في الأبحاث، جميع المؤتمرات التي اشتركت فيها كان يُعطى أهميّة كبيرة لأبحاثي، وكان يؤمّه جمهور غفير للإصغاء إلى تفاصيل البحث. في العام 1995 قمت بإنجاز بحث هزّ العالم حيث استطعت أن أجد حلا لمشكلة كانت قائمة منذ عشرين عامًا في مجال الحاسوب، وتلقّيت دعوات كثيرة من جميع الجامعات في العالم لكي أنقل إليهم نتائج البحث.

أقمت تسع سنوات في كندا، بالإضافة إلى نجاحي في الأبحاث، كنت ناجحًا أيضًا بجمع المال. كنت أشتري شقّة أقوم ببعض التّرميمات من ثمّ أقوم بتأجيرها، ثمّ أشتري شقّة أخرى وأقوم بالعمل نفسه... بعد ذلك قمت بشراء بيت يحوي أربع غرف للنّوم لي ولزوجتي وابنتي وقمت بتأجير الطابق السّفلي ومن هذا المبلغ الذي حصلت عليه استطعت تسديد ثمن البيت، فكانت هذه تجارة إضافيّة. ولو أنّني بقيت مقيمًا في كندا لا بدّ وأنّني الآن مليونيرًا، لأنّ أسعار البيوت أصبحت أضعافًا مّما كانت عليه. وفي النّهاية حصلت على جائزة أفضل باحث في الجامعة، وكانت هذه بمثابة مفاجأة لي.

هذه هي حياتي الخارجيّة، من يرى هذه الحياة لا بدّ وأن يقول: "يا ريتك بديارنا". نجاح من جميع الاتّجاهات حتّى اليوم، عندما عدت إلى البلاد كنت العربي الوحيد الحاصل على درجة بروفسور في جميع البلاد. ومن الناحية العائلية كنت متزوّجا وأنعم الله عليّ بابنة وحيدة، فلم ينقصني شيء من الناحية الخارجيّة.

ولكن من الدّاخل عاثت فوضى عارمة في ذاتي (قبل أن أومن). ربّما قد تفاجأون من صراحتي في حديثي، ولكن لا أستطيع سوى أن أقول الحقيقة. كنّا أنا وزوجتي في مظهرنا الخارجي أناسًا مثاليّين واعتاد النّاس على النّظر إلينا بهذه الطّريقة. لكن الحقيقة لم تكن كذلك، فقد كنت في قرارة نفسي عبدّا لعدّة أمور، سأتحدّث عن أربعة منها:

- العبوديّة الأولى كانت عبوديّة الرّغبة الجنسيّة. كأيّ شاب قبل الزوّاج كنت مشغولا بالرّغبة الجنسيّة، واعتقدت كباقي الشباب أنّ الحلّ هو في الزواج حيث سأوجّه هذه الرّغبة فقط لزوجتي فاشبع حاجتي الجنسيّة. صديق لي كان على علاقة بإحدى الفتيات أثناء المدرسة وتزوّجا فتحقّق حلم حياته وبعد فترة قرّرا الطلاق. وبعد فترة أراد هذا الشاب الزواج بأخرى قائلا: "هذه هي حلم حياتي"! أجبته بأنّها ليست كذلك، بعد ستّة شهور من زواجك ستجد نفسك تفعل كما فعلت مع الزّوجة الأولى. رفض هذه الفكرة وتزوّجها، بعد ثلاثة شهور من زواجهما عاد ليقرّ بأنّ ما قلته له كان صوابًا.

الحياة الزوجيّة تتحوّل إلى روتين بعد فترة قليلة من الزّمن، يعتقد الإنسان أنّ الزواج هو الحلّ للعديد من الأمور، ولكن بعد الزوّاج تتحوّل حياته إلى روتين، لهذا توقّعاتي من زواجي لم تتحقّق. خبرتي ككاهن أثناء الإعترافات تقول بأنّ العديد من الأشخاص المتزوّجين يتحوّلون إلى "آلة جنس"، ويفقد الجنس مفهومه المسيحيّ الحقيقي. بعد أشهر قليلة من الزواج بدأت أشعر بأنّ العادة القديمة لدي وهي "عبوديّة الجنس" عادت إلي فأصبحت أشتهي نساء غير زوجتي. أصبحت أنزعج من زوجتي ومن طلباتها، أصبحت أستغلّ الفرص التي تسنح لي للسّفر كي أبتعد عن البيت وحاولت أن أبحث عن أمور أخرى خارج بيتي. المؤتمرات كانت تجعلني أسافر كثيرًا، وبسبب الروتين في حياتي تحوّلت إلى إنسانًا شرِسًا مع زوجتي وابنتي. لا أنكر أنه كان هنالك لحظات جميلة في بيتي، ولكن افتقدت الفرح والسلام، حتّى أنّني فكّرت أحيانًا بالطّلاق، لماذا ألتزم مدى حياتي بامرأة واحدة؟ وقد بدأت أشعر بعدم محبّتي لها! وكان حولي العديد من العلماء الذين قاموا بهذه الخطوة، وكان أمر الطلاق في كندا سهلا.

- العبوديّة الثانيّة هي عبوديّة للشكّ. قبل زواجي عانيت من مرض نفسي وهو مرض الشكّ، كنت أشكّ بخطيبتي دائمًا لدرجة أنّني كنت أقف على شرفة منزلهم لأراقب جميع الأشخاص هناك لأرى إذا كانت تنظر لأحدهم. هذا الشكّ مرض نفسي يعاني منه العديد من الأشخاص بشعبنا، من خلال رتبة سر التوبة أعرف أنّ هنالك أشخاص تحوّلت حياتهم إلى جحيم بسبب هذا المرض. جميعنا نعاني من أمراض نفسيّة عدّة: الشكّ، الغيرة، الحسد، الغضب... يصعب علينا تشخيص هذه الأمراض وكشفها.

- بالإضافة إلى ذلك، كنت عبدًا للخوف وخصوصًا الخوف من الموت. قبل خلودي إلى النّوم كنت أحرص على أن أصلّي أبانا والسّلام، حتّى إذا فارقت الحياة أثناء الليل يستطيع أن يقول "متمّمًا واجباته الدّينيّة". والخوف من المرض كذلك عانيت منه لدرجة إنّني إذا شعرت بأيّ ألمٍ جسماني كنت أعاني من خوف عظيم. كذلك عانيت من الخوف بسبب ضعف ذاكرتي لهذا لم أكن أرغب بالمشاركة في أيّة إجتماعات لأنّني علمت أنّني سأنسى أسماء الأشخاص، فلن أستطيع أن أوجّه حديثي لأيّ منهم لهذا فضلت عدم الإشتراك بهذه الإجتماعات؛ هذا بالإضافة إلى ضعفي باللغات، فكان خوفي عظيمًا من أن أتحدّث بشكل غير صحيح خاصّة في اللغة الإنجليزيّة. وعانيت بشكل مميّز من الخوف من المستقبل.

- العبوديّة الرّابعة هي عبوديّة المال، كلّ عام كان عليّ أنا وزوجتي أن نقوم بتخطيطات كثيرة لنعرف كيف يمكننا أن نجمّع أكبر قدر من المال. وهنا لا بدّ أن أذكر التّعبير التالي لكلّ من يهلك ذاته لتجميع المال: "الإنسان يهلك ذاته لتجميع المال ثمّ يصرف ماله ليستردّ صحّته". وبسبب خوفي من المرض كنت حريصًا على تجميع المال ففي حال مرضي أستطيع أن أرشي الطّبيب ليعالجني بشكل مميّز. عانيت من هذا الخوف والتّفكير دائمًا، كأيّ شخص هنا.

كمالي الخارجي لم يطغى على الفساد والفوضى في داخلي مما جعلني تعيسًا فاقِدًا للسلام والفرح.

أمّا عن انتقالي من عدم الإيمان للإيمان وتخّلصي من عبوديّتي للخطيئة، سأحدّثكم عن اختبار لي قبل زواجي وقبل انتقالي إلى كندا. في عام 1987 عندما اكتشفت مرض الشكّ، أثناء فترة خطبتي لاحظت أنّني سوف أعاني أنا وزوجتي بسبب هذا المرض. لم يكن الأمر تحت سيطرتي، شيء ما في داخلي دفعني إلى الشكّ رغمًا عنّي. في يوم من الأيام عندماعدت إلى البيت، أغلقت باب غرفتي وركعت على ركبتيّ وقلت للرّب: "يا الله، إذا كنت موجودًا وتريد أن تعطيني هديّة زواجي، حرّرني من الشكّ". كرّرت طلبي عدّة مرات، وأخذت دموعي تنهمر بغزارة كما لو أني لم أبكي من قبل. بعد يومين تزوّجنا، ولاحظت بأن الشكّ لا أثر له في ذاتي! فتساءلت أين هذا الذي كان يقضّ مضجعي ويشغل بالي؟ كيف تحرّرت؟ عندها، شعرت أنّ هذه هي إشارة لوجود الله. انشغلت في دراساتي وحياتي العمليّة وتناسيت هذا التّحرير وتابعت حياتي. بعد فترة إلتقيت بامرأة تدعى "ايفون" قالت لي: "تحدّث مع الله". كان طلبها غريبًا، إنّني أصلي أبانا والسلام، ولكن لم أتحدّث مع الله!! حاولت ذلك، وتوقّعت أنّني سأصبح قدّيسًا. فأصبحت أركع وأتحدّث إلى الله وأراقب نفسي لعلّني سأطير! هذا كان مفهومي للعلاقة مع الله. لكنّني آثرت أن أترك جميع هذه الأمور لأهتمّ بعلمي.

بعد أن حصلت على اللقب الأخير في كندا عام 1995 تذكّرت ذلك التّحرير من الشكّ. ها إنّني متزوّج لمدّة سبع سنوات ولا أثر للشكّ في حياتي. وبدأت أفكّر، إنّ الله قام بفعل عظيم في حياتي، لمَ لا أبحث عن أعمال أخرى مثلها، إذا حاولت العمل بنصيحة المرأة العجوز (ايفون). ففي يوم من الأيام قررت الذهاب ماشيًا إلى الجامعة، وكانت الطريق تحتاج إلى حوالي ساعة سيرًا على الأقدام. بدأت أسير وأتحدّث إلى الله، أنا إنسان علمي لا أومن إلا بالبراهين، وعليّ إن أتحدّث إلى الله! يا للعجب! ولكننّي قد اختبرت سابقًا شيئًا في حياتي، يجب أن أتابع في هذه المسيرة حتّى لو أنّني أتحدّث إلى ذاتي، لا بأس، سأتابع لأرى النّتيجة. فكنت في صراع بين العلم والبراهين وفي ذات الوقت كنت أسير وأتحدّث إلى الله، فاعتقدت أنّني وصلت إلى مرحلة الجنون بسبب التقدّم في العلم. ولكن قوّة غريبة في داخلي دفعتني لأن أتابع هذا الحديث مع الله.

ماذا عليّ أن أتحدّث؟ قرّرت أن أحدّثه عن ذاتي. إذا كان موجودًا، لا بدّ وأنّه يعلم كلّ شيء. ولكن لا بأس، أستطيع أن أخبره كلّ شيء عن ذاتي. بدأت أحدّثه عن ذاتي، حياتي، متاعبي، وبدأت أكشف له الأمور الداخليّة في ذاتي. لماذا خلقتني على هذه الصورة؟ لماذا تسيطر عليّ رغبتي الجنسيّة ؟ (الإحصاءات أثبتت بأنّ 80% من تفكير الإنسان سواء أكان واعيًا أو غير واع يدور حول الجنس، شئنا أم أبينا) لماذا خلقتني مع هذه الأمور وهذه الصعوبات وهذا الخوف؟ بدأت بالنقاش مع الله بصراحة وبساطة. حدّثته عن كلّ ما في داخلي وعن تفكيري عنه أيضًا. في يوم من الأيام قلت له، أثناء حديثي معه: "أنني لا زلت لا أومن بك حتّى تبرهن لي ذاتك وترني وجودك الحقيقي".

بعد ثلاثة شهور من حديثي مع الله لمدّة ساعة يومياً أثناء ذهابي إلى الجامعة، بدأت أشعر بتغيير: الأفكار الجنسيّة بدأت تتلاشى، الغضب بدأ يتلاشى، تحوّلت إلى إنسان هادئ. الخوف من الموت كان أوّل خوف أزاله الله من ذاتي. عندما شعرت بهذا التغيير، زاد شكّي بجنوني. زوجتي، لاحظت أيضًا هذا التّغيير وسألتني عنه، وكذلك جميع من حولي لاحظوا هدوئي مقارنة مع ما كنت. تساءل الجميع عن هذا التغيير! لم أجد الإجابة ولم أخبر أحدًا عن حديثي مع الله. أنا إنسان علمي أومن بالبراهين وعلم الكمبيوتر والرياضيات، فهل جننت؟ ولكن من ناحية أخرى تساءلت: "ما سبب هذا التغيير في ذاتي؟ كيف لي أن أفسّره؟". فوصلت إلى تفسير علميّ: لا بدّ أنّ هذا التّفسير هو أمر نفسيّ، فالعديد من الأشخاص يتخلّصون من شوائبهم عند زياراتهم لأطباء نفسيين، كذلك جميع من يمارسون اليوجا الساينس والتنويم المغناطسيّ فيشفى الشخص ويلاحظ تغييرًا في نفسه. فاعتقدت أن ما وصلت إليه يؤول إلى هذه الأمور، ولكن لا بأس من ذلك، سأستمرّ.

تحدّيت الله أكثر، وقلت له: "لقد قمت بتغييرات في نفسي، لكنّي أريد أن أسمع صوتك"! بدأت أسأله عدّة أسئلة متحدّيًا. أمّا الله فقد قبل التّحدّي، إذ بدأت أحصل على إجابات، هذه الإجابات لم تكن صوتًا، لم تكن أمورًا أرغب بها أو أمورًا ضد رغبتي!! كانت الإجابة أمرًا آخر لا يطابق توقّعاتي إطلاقًا، أمورًا لم تخطر ببالي قطّ. هذه الإجابات كانت دائمًا أفضل من جميع رغباتي وتوقّعاتي. الإجابات كانت مقنعة جدّا، أكثر من مجرّد ممارسة لنصائح معيّنة. كانت مقنعة لدرجة أنّني تماشيت معها وتحوّلت لها وعشتها. مع كل صوت كان هنالك تحوّل وقناعة، كان يغيّر فكرتي وقناعتي. كان الصوت غريبًا، كنت أحيانًا عديدة أطرح سؤالا، وعندما أحصل على الإجابة، أقف ولا أستطيع الإستمرار في المشي، فأشعر برعشة في جسدي، وأشعر بشفاء وتحرير وتغيير في ذاتي، في هذه اللحظة لم أستطع القيام بأيّ شيء سوى أن أبتسم. كانت إبتسامتي غريبة! وفي يوم من الأيام شعرت بهذا الشعور في الكنيسة، وهناك العديد من الأشخاص قالوا لي: بأنّهم حين نظروا إليّ رأوا نورًا يشعّ من وجهي وكان بياضه ناصعًا كالنّور"! ومع ذلك لم أقل لأحد عن أيّ من هذه الأمور. كنت سعيدًا من هذه التغييرات العميقة، ولكنني شعرت بخوف من تعمّقي بالإيمان لعلّ الله يطلب منّي أمورًا والتزامًا- كالتزامي بالذهاب إلى الكنيسة كلّ يوم أحد. فسألته عن هذا الموضوع كعادتي، فتلقّيتُ إجابة رائعة:" أنا لن أطلب منك شيئًا فوق طاقتك، وحين أطلب منك أيّ شيء سأعطيك القوّة والقدرة على تحقيقه"!!. بعد حصولي على هذه الإجابة تسمّرت في مكاني مدّة طويلة، للتأمّل في هذا القول العظيم. "لا خوف للإصغاء لصوتك، فمع طلبك سأحصل على القوّة لتحقيقه". من تلك اللحظة إلى أن وصلت إلى درجة سر الكهنوت لم أقم بأي عمل دون أن أصغي إلى هذا الصوت في حياتي. كشماس كان يجب عليّ أن أصوم، كنت أقول دائمًا: لا معنى لكلمة "يجب" عندما يعطيني الله النّعمة لأن أصوم سأصوم. أنا أطلب من الله النّعمة فيعطيني إيّاها، لا داعي للالتزام. هذه السنة هي السنة الأولى التي يعطيني الله بها النّعمة لأن أصوم، وكذلك أعطى هذه النّعمة لزوجتي وابنتي. كلّ أمر قدّمه الله لي كان من خلال نعمته، لم يفرض عليّ أي التزامات، لم أكن ملتزمًا في الكنيسة، ولكن في أحد الأيام انسكبت قوّة الله عليّ فشعرت برغبة شديدة للذّهاب إلى الكنيسة، وتحوّل هذا إلى حب دائم، فكان الاحتفال بالقدّاس بمثابة عرس لي.

كلّ صوت حصلت عليه كان مرافقًا لشفاء. في أحد الايام سألت الله: "لماذا اخترتني أنا، ولم تختر سواي"؟ فأجابني: "عليك أن تعلّم الباقين فيختبرون الشيء نفسه". فسألته: "ماذا تريد منّي إذن؟!". لم يجِبني، ولكنّه أعطاني رغبة عارمة لأن أعود إلى البلاد. وشعرت أنا وزوجتي أنّه لا بدّ لنا أن نعود إلى هذه البلاد، فهناك مكاننا.

في بداية الأمر وعندما فاتحت زوجتي بهذه الرّغبة أجابتني بشكل حاد: "لا تجرؤ على التّفكير بهذا"! فقد كانت لها وظيفة ممتازة قي مجال المحاسبة، لم أجِبها. توجّهت إلى الله بإجابتها وطلبت منه أن يتولّى أمرها، وهذا ما فعل. وإذ هي ترغب بالعودة إلى البلاد أكثر منّي. لم أجبرها على شيء، وأشكر الله اليوم على التفاهم العظيم الذي نعيشه سويًّا، وعلى الاتّفاق، لست أنا المحور في البيت، بل نحن سويّة، والمحور الوحيد هو يسوع المسيح.

كان هذا الصوت الذي رافقني يعطيني دفعة وقوّة لأتمّم مشيئته، وكان الله ذكيًّا جدًا، دائمًا لديه طرق أخرى لم تخطر ببالي قطّ. بعد كلّ هذا، ماذا يجب عليّ القول الآن؟... الله غير موجود!... من أين أحصل على هذه الإجابات؟... أهي من الإنسان الذي سبقني (نظرية تناسخ الأرواح)؟! قرّرت أن أقرأ الكتاب المقدّس، كتاب الله. كنت أقف عند كلّ آية أقرؤها، وكنت أبكي، إذ رأيت أنّ كلّ ما في الكتاب المقدّس هو ذاته ما كان يقوله الربّ لي، ولكن بطرق مختلفة. فرأيت أنّ الله علّمني الكتاب المقدّس دون أن أقرأه، كنت كلّما أردت أن أقرأه يطلب الله منّي أن أغلقَه وأن أتحدّث إليه، كنت أتعجّب من ذلك، إلى أن اكتشفت أنّ ما كان يقوله الله لي، هو ذاته ما كُتِب في الكتاب المقدّس ولكن بطرق أخرى.

تغيّرت حياتي للأفضل، حصلت على فرح وسلام؛ سألته: "يا ربّ ماذا عن الديانات الأخرى؟" فأجابني: "أنا أب للجميع". هذه الكلمة جعلتني أغيّر نظرتي كليّا عن نفسي وعن أصدقائي وعن جميع المؤمنين غيري. تغيّرت نظرتي عن ذلك الإله الذي يحمل عصاه ويضرب أبناءه كلّما خطئوا، أصبحت أنظر إلى الله كأب؛ أب، إذاً لا بدّ لوجود المحبّة، إنّه إله محبّة.

إكتشفت أيضًا أنّ الله لا يريد تغيير رغبتي، بل يريد أن يوجّهها ويقدّسها. الرّغبة الجنسيّة التي كانت لديّ لا تزال موجودة وهي رغبة مقدّسة سمح فيها الله، وفي المسيحيّة تحدّث اللاهوتيون عنها. ولكنّ الله قدّسها ووضع في ذاتي كراهيّة لاشتهاء أيّة امرأة سوى زوجتي. كلّما اشتهيت امرأة غير زوجتي شعرت باشمئزاز من ذاتي وكراهيّة تجاه نفسي، لقد وضع الله في نفسي هذه الكراهيّة ضدّ الرّغبة، وقام بتوجيهها نحو زوجتي. أصبح لديّ رغبة بقضاء وقتي في منزلي مع زوجتي، أصبحت أشتاق لزوجتي جدًا أثناء سفري وابتعادي عنها. لم يعد مفهوم شهر العسل هو الشهر الأوّل من زواجنا، بل أصبحت هنالك لحظات عديدة مشابهة. لا أنكر وجود العديد من الصعوبات والألم والغضب، لكن لم يقتصر شهر العسل فقط على الشهر الأوّل بل أصبح أمرًا مستمرًا. لم أبقَ مجرّد "آلة للجنس" وأدركت أنّني لست أنا هو المهمّ في هذه العمليّة، بل لشريكة حياتي أهميّة أيضًا، وأيقنت أنّ هذه العمليّة لا تقتصر فقط على ذاتي، بل هنالك شريكين أنا وزوجتي، هذا دفعني إلى العطاء ليس فقط إلى الأخذ، فتحوّل زواجنا إلى شيء مقدّس. العديد من الأشخاص يصلّون قبل قيامهم باللقاء الجنسي ( طوبيا 8: 4- 8)، فهم على يقين بأنّ هذه العمليّة هي ركن مقدّس، نحن نفتقد إلى هذه التعاليم.

الخوف والخجل من الضعف تلاشيا، حتّى أنّني أصبحت أن أتحدّث لجميع من حولي عن ضعفي، بل وأشكر الله على نقاط ضعفي. أشكره على الضّعف في ذاكرتي، فالله استطاع أن يتمجّد من خلال الضّعف في ذاكرتي. عندما أحاول أن أعِظ فإنّني لا أذكر العظات الماضية التي ألقيتها، لا أذكر اللاهوت الذي درسته. كنت أقول لله: "كيف لغبيّ مثلي أن يعِظ أمام النّاس؟! يجب أن تلقني ماذا أقول، وإلا لن أتحدّث كي لا أحرج ذاتي وأحرجك". كنت أبدأ في الصلاة كصفحة بيضاء وأطلب الإلهام من الله. وكان الله كأنّه يمسك يدي ويعلّمني ماذا أكتب، فكنت أشكره دائمًا على ضعف ذاكرتي، لهذا أتحدّث بأمور جديدة دائمًا. في كلّ لقاء اشتركت به كنت أطلب من الله عدم اخضاعي لموقف حرج، فلم أقع في هذا الموقف مطلقًا. كانت يد الله ترافقني في كلّ مؤتمر أو عظة كان عليّ تقديمها. هذا الضّعف جعلني أستسلم لله أكثر وأكثر، الله لا يريد أن أُشفى منه، لا بأس، أنا سعيد به.

الله يريد لي النّجاح، هو لا يريدني أن أترك التخنيون، عندما قبلت للعمل في التخنيون، عند عودتي من كندا، كان ذلك بشكل عجائبي! فإننّي شخص عربي والمقالات المعروفة التي وضعتها ليست بعدد كافٍ. ولكنني إتّكلت على الله، قمت بإرسال سيرتي الذاتيّة وطلبت منه أن يتوكّل الأمر. بعد فترة وجيزة حصلت على الإجابة، قُبلت للعمل في التخنيون بدرجة بروفسور كامل، وهي الدرجة التي حصلت عليها في كندا، مع تثبيت، وكان هذا عجيب ولم أدرك ذلك إلا عندما عدت إلى البلاد، حين قال لي أخي: "أنّ هذا يحدث للمرّة الأولى في تاريخ التخنيون حيث أن كلّ من يعمل هناك لا يحصل على تثبيت إلا بعد عمله هناك بفترة معيّنة، أما أنا فقد حصلت على التّثبيت قبل البدء بالعمل". لم أجبه فأنا أعلم أنّ هذا عمل الله وليس مجهودي. الله يرغب لنا بالنّجاح والفرح والسلام أكثر مما تعتقد أنّ العالم يستطيع أن يعطيك. عند الله العديد من الأمور وهو يستطيع أن يعطيك أمورًا وأن يغيّر رغبتك. والتّغيير عند الله هو ليس فقط تغييرًا آنيًّا بل هو تغيير مستمرّ، أنا اليوم ليس ما كنت عليه قبل عام، وأنا سعيد بأنّني في العام المقبل لن أكون كما أنا عليه اليوم، وأنا سعيد بهذه التغييرات، بالصفاء في عقلي، والسلام في داخلي، والفرح في ذاتي كل هذا سيزداد أكثر وأكثر.

بعد جميع هذه الأمور إستسلمت للحقيقة، ألله موجود. لا أحتاج لإثباتات وبراهين إضافيّة، يعجز لساني عن قول أكثر من ذلك. أيّ عالم نفسيّ يستطيع تحقيق هذه التغييرات؟ وعلماء النّفس أنفسهم بحاجة إلى هذه التغييرات! بدأت أستسلم لله أكثر وأكثر في جميع الأمور، تحوّل الله إلى صديق لي. وكّلته جميع أموري وأمور زوجتي، فأعطاها خبرات شبيهة ولكن بطريقة أخرى، وكذلك ابنتي. أصبحت عائلتي تملك روحاً واحدًا أصبح حديثنا عن الله واحدًا وأصبحت لغتنا واحدة، أصبحنا نملك حبًا غريبًا. إبنتي تعاملني كصديق وتحدّثني عن أمور عديدة: أصدقائها، علاقاتها، علاقتها مع الله... عندما تسألني أيّ سؤال كنت أتّجه إلى الله قبل الإجابة وأطلب منه أن يدلّني على الإجابة المناسبة. كنت أحصل منه دائمًا على فكرة لم أتوقّعها من قبل، كانت زوجتي أحيانًا تحاول أن تتدخّل لإقناعها، لم تحتاج ابنتي لهذا الإقناع فعندما كنت أتلفّظ ببضعة كلمات كانت كافية لكي تدخل إلى اعماق كيان ابنتي وتقنعها فلم تحتاج لأكثر من ذلك. لم أكن أحتاج كباقي العائلات إلى ساعات وساعات من الوعظ على ابنتي، إنني أفضّل أن أقضي هذه الساعات في حديثي مع الله وهذا سيجعل جملة واحدة كافية لأقنع بها ابنتي. وأنا واثق بأنّ أيّ طبيب نفسي كان غير قادر على إقناع الأشخاص بهذه الطريقة.

في الفترة الأخيرة شعرت بآلام في جسدي، سببها إلتهابات، كانت الآلام لا تُحتمل، كنت أنظر إلى الله وأشكره، أنا لا أفهم ماذا يحدث ولكن أشكره لأنّه أب. لا أعلم ماذا يفعل ولكن ما يعمله لا بدّ وأنّه لصالحي. عندما كنت أتلفّظ بكلمات الشّكر كنت أشعر بسلام وفرح ينبعان منّي؛ "يا ربّ"، كلمة صغيرة كهذه تجعلني أفرح كلّ هذا الفرح، سأقول شكراً كلّ الليل، بالرّغم من ألمي.

لم يعِدنا الله أنّ حياتنا ستكون بسيطة، ولكنّه وعدنا بأنّك رغم الألم والتّعب ستبقى فرحًا. أحيانًا يتساءل الأشخاص حولي، كيف تستطيع التوفيق بين جميع الأمور في حياتك: وظيفتك في التخنيون، الفرقة "الكاريزماتيكيّة"- المواهبية في حيفا، بيتك وأسرتك، المؤتمرات... كيف تستطيع التوفيق بين كلّ هذه الأمور؟ بكلّ بساطة أنا أقدّم جدول الأعمال إلى الله وهو من يكون مسؤولا عنها، فهو من يريد أن أعود إلى البلاد وأن أستمرّ في عملي وأن أصبح كاهنًا فلا بد وأن يجد لي طريقة لأوفّق بين جميع تلك الأمور فهو يقوم بترتيب جميع الأمور "كالسكرتير".

هنالك سرًّا آخر لا أرغب بالحديث عنه كثيرًا اليوم، ولكن لا بدّ وأن أذكره، بالإضافة إلى السكرتير يوجد لديّ أيضًا "سكرتيرة"، وهي مريم العذراء، إنّها ليست الله، لكنّها تساعدنا كثيرًا. في العديد من الأحيان كانت تمسكني وتدلّني على الطّريق، ولكنّني سأتمركز في حديثي اليوم فقط عن الله.

تحدّثت عن أمور قليلة جدّا من خبرات حياتي، فكلّ يوم أعيشه هنالك خبرات جديدة ورائعة مع الله، كلّ يوم أحصل على فرح وسلام جديدين. لا أنكر المرض، الألم والصّعوبات سواء في العمل أو خارجه، لكن الأهم هو نبع الثقة لله، والصّفاء وعدم التشويش في الذهن. وأنا هنا اليوم لأقول لكم أنّ خبراتي هو لجميعنا، الله لا يمسك عصا ليضربنا، الله محبّة، هو أب، وله تخطيط لكلّ واحد فينا أعظم مّما نتصوّر، الله لم يخلقنا صدفة، ولكلّ منّا هدف سامي عند الله، هو يريد أن يخرجنا من جميع صعوباتنا ليسيّرنا على طريقه لتحقيق مخطّطه الإلهي. ربّما تخطيط الله لي هو أن أصبح كاهنًا، وفي الوقت نفسه إنسانًا عالمًا يعمل في الجامعة، وهذه الحالة هي الأولى من نوعها في تاريخ الكنيسة الكاثوليكيّة. عندما طلب منّي المطران ألا أترك عملي بعد رسامتي. قلت في نفسي: إنّ الله قال لي ذلك مسبقًا، فهذا ليس بجديد، وأجبته بأني سأنفّذ ما يطلبه منّي، وهكذا كان. لله تخطيط عظيم لكلّ منّا بعيدًا عن الكهنوت والرّهبنة، فقط هو يعلم هذا المخطّط. طريق الحديث مع الله هو الطريق الوحيد، صلاة أبانا والسلام جيّدة، إضاءة الشّموع والمشاركة في القداسات كلّ هذه هي أمور جيّدة لكن قبل كلّ ذلك لا بدّ من وجود علاقة حقيقيّة مع الله، حديث مع الله. وعندها سندرك أنّ الله كريم، ولكنّه يطلب أناسًا أقوياء وجدّيين، ومثابرين وليس كهؤلاء الذين يصلّون صلاة "شدّ اللحاف" قبل النوم، الله يريد أناسًا تبحث عنه بجدّيّة. عندما بدأت بحديثي مع الله وببحثي عنه كنت في غايّة الجدّيّة، أردت أن أعرف الحقيقة... ليست بمشكلة لدى الله أن يبرهن ذاته، إنّه قادر على أن يري ذاته للجميع، إنّ الله يريد أناسًا بعد أن يبرهن له وجوده أن يتمّموا المسيرة معه ويتجاوبون معه. الشياطين الأشرار يعلمون أنّ الله موجود دون أدنى شكّ، فليست هذه هي القضيّة. لا وجود لأيّة براهين علميّة حول وجود الله، وجود الله هو بمثابة خبرة شخصية، عندما تختبره ستقتنع بوجود الله دون براهين، والقضيّة هي مدى تجاوبك مع الله بعد إدراكك لوجوده، مقدار تجاوبك مع الله هو بمقدار وضوح البرهان الذي يقدّمه الله لك، وبذلك المقدار ستختبر يد الله في حياتك. إذا سرت مع الله فلا بدّ أنّه سيسير معك. الآيات التي اختبرتها في حياتي جعلتني أثق دون أدنى شكّ بوجود الله، وجعلتني أستسلم لله أكثر وأكثر...

نصيحتي لكم: تحدّثوا مع الله، إذا كنتم تفتحون كتب في الصلاة، أتركوها وتحدّثوا إلى الله، إذا كنتم تشاركون في القدّاس ولا تتحدّثون إلى الله لا تذهبوا للقدّاس قبل أن تتحدّثوا معه، وهو سيقودكم لتشاركوا في القدّاس وإلى المكان الذي يجب أن تكونوا فيه. إن الله يحبّكم ويريد لكم النّجاح؛ فأنا كلّما تعلّقت في الله أكثر أعطاني نجاحًا أكثر.

كونوا حقيقيين وصادقين مع الله، فهو يعرف كلّ ما في باطنكم، لا تحاولوا أن تخدعوه بتسبيح فارغة، أنا لم أقم بمثل هذا العمل. الله لا يرضى بأناس يتمتمون بالكثير من الكلام المزعج، الله بعيد عن هذه الأمور. كن إنسانًا حقيقيًّا. هذا ما حاولت أن أفعله بكلّ صراحة وبساطة، شعاري هو:

  “Simplicity and Tranquility is the Key for success, happiness and peacefulness”

أي إن "البساطة والهدوء، هما المفتاح لملئ النجاح والسعادة والسلام" لا تقم بأمور غير مقتنع فيها، أدخل إلى العمق مع الله، ولو لمدّة ربع ساعة يوميًّا؛ العديد من الأشخاص لبوا هذه الدّعوة ولكن لم يتابعوا مسيرتهم بالرّغم من الخبرات التي اختبروها، وهناك أيضًا أشخاص تابعوا المسيرة وفعلا دخلوا إلى العمق وها هم يتحوّلون سنة بعد أخرى ويولدون من جديد.

لا تخافوا من نواقصكم وضعفكم، إنّ الله قادر على أن حولها إلى قوّة، كما حوّل ضعفي إلى قوّة، وكما جعلني أسير بين نقاط الماء، وها إنّي أتابع مسيرتي على الرّغم من العراقيل التي واجهتها، إنّه قادر على فعل الشيء ذاته لكم.

لم أتحدّث عن خبرتي مع يسوع المسيح، والرّوح القدس ومريم العذراء. كان حديثي عن الله شاملا لجميع الأديان، لكن لا بدّ وأن أذكرها.

 

 (www.sonara.net/article.php?arastar_ID=43097    عن نسخ )